العنوان الطريق إلى إكمال الشخصية الإسلامية (١ من ٢)
الكاتب منير أحمد الخالدي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1995
مشاهدات 72
نشر في العدد 1132
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 03-يناير-1995
لقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم في زمن غاصت الدنيا في جاهلية عمياء وفي وسط رجال ربوا على عبادة الأوثان وعلى اتباع شهواتهم ونزواتهم. وفي وسط تلك المتاهات وبين ردهات الظلام استطاع النبي محمد أن يصنع رجالًا مسلمين مؤمنين صادقين امتازت شخصياتهم بصفات وأخلاق ترجمت بصدق المنهج الإسلامي القويم وأعطت صورة بيضاء ناصعة لمنهج الله في الأرض.
وتوفي الرسول الله وبقي الصحابة رضوان الله عليهم محافظين على مزايا الإسلام بأعمالهم وتصرفاتهم، فكانوا قدوات لجيل التابعين من بعدهم الذين وإن كانوا أقل قدرًا بالجملة من جيل الصحابة إلا أنهم أعطوا صورة للشخصية الإسلامية المتميزة.
ما بعد جيل التأسيس
وأخذت بعد ذلك تلك الشخصية تفقد مزاياها على مر العصور وتضيع بعض تلك الصفات التي اكتسبتها من تمسكها بمنهج الله، وبدأت تلك الشخصية تتأثر بالحضارات الفارسية والإغريقية والرومانية وأصبحت تتعلق بالدنيا الفانية، فلما احتل الغرب بلادنا وانتبه إلى خطر تلك الشخصية المسلمة شرع بإعداد خطوات بدأ بتنفيذها سريعا لكي يمسخ هذه الشخصية ويسلخها عن دينها فيصبح الدين مجرد رسم وشكل لا مضمون له، والمسلمون أنفسهم دب فيهم الضعف في الالتزام بنهج الله وبسنة نبيه فتكونت شخصية إسلامية ناقصة ممسوخة لا تعرف من دينها إلا القشور ولا تفهم من إسلامها إلا لطائف.
فأصبحنا بحاجة إلى تربية وصنع الشخصية الإسلامية في أنفسنا وفيمن حولنا، الشخصية التي تسعى إلى أن تكون الإنسان الذي شاءه الله تعالى، أي تسعى إلى أن تتصف بالصفات والأخلاق التي يريدها الله وهي.
- شخصية مؤمنة بالله
إنها شخصية تحقق الإيمان بالله متصلة بالخالق -عز وجل- ترى أحكام صنعه وبديع خلقه في كل ما تشاهده في هذا الكون مرتبطة بخالقها الذي فطرها على نعمة الإسلام ومما يتضمنه هذا الإيمان:
- التدبر والتأمل في خلق الله:
يقول تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الرعد: ٢-٣).
هل تذكرنا ونحن ننظر إلى السماء وقد رصعت بالنجوم كالمصابيح المدلاة أن الله هو الذي فطرها ورتب نجومها وأحكم صنعها، وعندما نرى الشمس بازغة هل يخطر في بالنا أن الله هو الذي أظهر لنا لتعدنا بالنور والضياء القمر الأرض البحر كل هذه المخلوقات وغيرها كثير. ولا يتسع المجال للتفصيل -هل تذكرنا رؤيتها بالله تعالى وبعظمته- إن الشخصية المؤمنة حقا لا تغفل عن ذلك.
- الطاعة لله ولرسوله:
قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال: ١)، وقال عز من قائل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (سورة النور: ٥٦)، ويقول سبحانه: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (النساء: ١٣). الطاعة والانقياد الكامل لأوامر الله ورسوله تلك الطاعة التي لا تضطرب ولا تهتز إذا تعارضت مع أهواء النفس ورغباتها، ولا تخضع لأحكام مجتمع جاهلي ولا لأعراف باطلة.
طاعة لله ورسوله في المنشط والمكره وفي العسر واليسر التزام مطلق بأحكام الشرع أمرًا ونهيًا واستسلام غير مشروط لله تعالى.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عمر -رضى الله عنه- أنه سمع رسول الله ﷺ قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته عنده مكتوبة قال عبد الله ابن عمر ما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله قال ذلك إلا وعندي وصيتي».
الالتزام بالطاعات والصالحات يصقل الشخصية ويزيد روحانيتها وشفافيتها
- صقل الروح بالعبادات:
إن تلك الشخصية المؤمنة حقًا والتي تريد أن تطبق شرع الله في كل نواحي حياتها لابد من الصالحات والعبادات فتنمو الشخصية من جهة روحانيتها وشفافيتها ولا أقصد هنا الفرائض من العبادات فهذا أمر مفروغ منه ويدخل في ضمن الطاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
قيام الليل، صيام النوافل، الإنفاق، قراءة القرآن ذكر الله، الدعاء كلها أمور لابد للشخصية المؤمنة أن يكون لها حظ وافر ونصيب كبير منها إذا أرادت أن تحقق الإيمان بالله تعالى.
تأمل يا أخي في حياة يوم من أيام العالم الجليل بقي بن مخلد من علماء الأندلس يقول عنه حفيده عبد الرحمن بن أحمد.
كان جدي قد قسم أيامه على أعمال البر فكان إذا صلى الصبح قرأ حزبه من القرآن في المصحف سدسي القرآن. وكان أيضا يختم القرآن في الصلاة كل يوم وليلة ويخرج كل ليلة في الثلث الأخير إلى مسجده فيختم قرب انصداع الفجر وكان يصلي بعد حزبه من المصحف صلاة طويلة جدًا ثم ينقلب إلى داره وقد اجتمع في مسجده الطلبة فيجدد الوضوء ويخرج إليهم فإذا انقضى الدرس صار إلى صومعة المسجد فيصلي إلى الظهر ثم يكون هو المبتدئ بالآذان ثم يهبط ثم يسمع إلى العصر ويصلي ويسمع وربما خرج في بقية النهار فيقعد بين القبور يبكي ويعتبر فإذا غربت الشمس أتى مسجده ثم يصلي ويرجع إلى بيته فيفطر وكان يسرد الصوم إلا يوم الجمعة ويخرج إلى المسجد فيخرج إليه جيرانه فيتكلم معهم في دينهم ودنياهم ثم يصلي العشاء ويدخل بيته فيحدث أهله ثم ينام نومة قد أخذتها نفسه ثم يقوم وهذا دابه إلى أن توفي.
ومما روي عن ابن قدامة المقدسي، «.... وكان يكثر الصيام ولا يكاد يسمع بجنازة إلا شهدها ولا مريض إلا عاده ولا جهاد إلا خرج فيه ويتلو كل ليلة سبعًا مرتلًا في الصلاة وفي النهار سبعًا بين الصلاتين، وإذا صلى الفجر تلا آيات آخر ص ويس والواقعة وتبارك ثم يقرئ، ويلقن إلى ارتفاع النهار ثم يصلي الضحى...».
ويروى عن التابعي الجليل سليمان التميمي لم تمر عليه ساعة قط إلا تصدق بشيء فإن لم يكن شيء صلى ركعتين.
- شخصية متصلة بالآخرة
إن الشخص المؤمن يعيش في هذه الدنيا في الحياة الفانية ونظرة ممتد إلى الحياة الأخروية إلى الحياة الباقية حياة الكرامة والخلود فهو دومًا مستعد للقاء الله -عز وجل- فيجعل دنياه طريقًا ومسلكًا إلى حياة النعيم في الآخرة.
إنه يعيش الآخرة بكل تفاصيلها من الممات إلى البعث والنشور إلى يوم الحساب ثم الجزاء بالثواب أو بالعقاب وبالتالي فهو يتذكر مواقفه في الآخرة فيكون هذا ودوامه دافع إلى جمع الحسنات والابتعاد عن السيئات.
أحد أطفال السلف الصالح رأى أمه تلقي القطع الصغيرة من الخشب في النار لتوقدها فبكي فلما سئل عن بكائه قال: أخاف أن يلقي الله تعالى الصغار قبل الكبار في النار.
وروي عن أبي يزيد البسطامي أنه لما تحفظ يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا، قال لأبيه يا أبت من الذي يقول الله تعالى له هذا قال: يا بني ذلك النبي محمد صلى الله عليه وسلم. قال: يا أبت مالك لا تصنع كما صنع قال: يا بني إن قيام الليل خصص به وبافتراضه دون أمته فسكت عنه. فلما تحفظ قوله سبحانه وتعالى ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾(المزمل: 20) قال: يا أبت إني أسمع أن طائفة يقومون الليل فمن هذه الطائفة؟ قال: «يا بني أولئك الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين». قال: يا أبت فأي خير في ترك ما عمله النبي الله وأصحابه؟ قال: صدقت يا بني، فكان أبوه بعد ذلك يقوم من الليل ويصلي فاستيقظ أبو يزيد ليلة فإذا أبوه يصلي فقال: يا أبت علمني كيف أتطهر وأصلي معك فقال أبوه يا بني ارقد فإنك صغير بعد قال: يا أبت إذا كان يوم يصدر الناس أشتاتًا ليروا أعمالهم، أقول لربي إني قلت لأبي كيف أتطهر لأصلي معك فأبى وقال لي ارقد فإنك صغير بعد أتحب هذا؟ فقال له أبوه لا والله يا بني ما أحب هذا، وعلمه فكان يصلي معه.
فهاتان شخصيتان اتصلنا بالآخرة بمشاعرهما وفكرهما فأثر ذلك في تصرفاتهما وأعمالها وهذا هو ديدن الإنسان المؤمن الصادق في إيمانه إن عاش فرحًا مسرورًا تذكر نعيم الجنة وإن كان في ضيق ونكد تذكر عذاب الآخرة وحميم النار وإن رأى ظلامًا تذكر ظلمة القبر ووحشته فهكذا هو دائمًا يعيش في الدنيا وقلبه معلق بما عند الله تعالى.
المعاهدة والمراقبة والمحاسبة برنامج يضعه المسلم لنفسه فيعصمه من الحرام
- شخصية بعيدة عن الحرام:
قال تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: 157).
إن الله سبحانه وتعالى قد نهى ومنعنا من أشياء وأمور تعرف في الشرع بأنها محرمة أو مكروهة.
فالإنسان المسلم لابد أن يراقب مأكله ومشربه وملبسه ومكسبه ويتقى الحرام في ذلك كله.
فهو لا يعيش في فوضى يأخذ ما يريد ويترك ما يريد ويعطى ما يشاء ويمنع ما يشاء وإنما لابد من ترتيب أمر حياته فأتى المنع من الله سبحانه -عز وجل- من أعمال وتصرفات وليس لنا إلا الطاعة والاستسلام لله سواء تجلت لنا الحكمة من التحريم أو خفيت.
التاجر يراقب الله في تجارته ومكاسبه ويتقي الربح الحرام وإن كثر ويسعى إلى الربح الحلال وإن قل.
والموظف يراقب الله في وظيفته فلا يختلس ولا يرتشي ويتقى الله في تبكيره إلى وقت عمله وفي الانصراف عنه.
والأب يتقي الله في بيته فلا يدخل فيه إلا ما يرضى المولى سبحانه ويجتنب ما نهى الله عنه.
والشخصية المسلمة لا تستصغر شأن الحرام مهما قل قدره، ولكن يعظم الذي منع هذا الحرام الخالق تعالت أسماؤه فتنفر نفسه من هذا الذي لا يرضي الله تعالى وتبتعد عنه.
يقول الرسول ﷺ في الحديث الذي يرويه الإمام الترمذي: «اتق المحارم تكن أعبد الناس».
أحد السلف الصالح واسمه «يزيد بن زريع» مات أبوه وكان واليًا على إحدى المدن فخلف ٥٠٠ ألف، فما أخذ منها حبة وذلك خشية أن يأخذ مالًا حرامًا.
وقصة أبو بكر الصديق المعروفة لما استقاء ما في جوفه عندما علم أنه من مال الكهانة خشية أن يغذى جسده من الحرام.
- شخصية معتزة بدينها:
اجتمع نفر من الصحابة فيهم «عبد الله ابن مسعود» وتحدث بعضهم بأن أحدًا لم يسمع كفار قريش آيات من كتاب الله، فهب «عبد الله ابن مسعود» وعزم على أن يقوم بذلك وخاف عليه الصحابة وقالوا له ليس لك عشيرة تمنعك، ولكنه أصر على إظهار الحق وإسماع قريش ما تكرهه فقام في مجتمع أولئك الكفرة وأخذ يردد آيات سورة الرحمن فجن جنون عتاولة الكفر والجحود فانهالوا ضربًا على ابن أم عبد -عبد الله بن مسعود- حتى غشي عليه.
ما الذي جعل ذلك الصحابي -وهو يعي ما قد يترتب عليه فعله- أن يصدح بالقرآن، بل كان لا يمانع أن يعاود الكرة من اليوم الآخر كما تذكر الروايات؟
أليس شخصيته المعتزة بدينها المستصغرة لأمر الباطل التي لا تأبه بما يصيبها إذا كان في سبيل هذا الدين؟ إنه عدم الحياء من إظهار الحق أمام أعدائه والجهر بما يرضي الله.
إن كثيرًا ممن ينتسبون إلى الإسلام اليوم يخجل في عدد من المواقف من تطبيق أحد شرائع الله حياء من أبيه أو أخيه أو أحد أقاربه أو من زملائه.
إن الشخصية المعتزة بأنها مطيعة لله معتزة بأنها مؤمنة بالله تظهر دينها، بل وتفتخر به أينما كانت وأمام أي كائن بحضرتها، لأنها تعلم أنها تنفذ أمر الله وأي عزة باتباع شرع الله الحنيف وأي سمو ورفعة بتطبيق سنة رسول الله يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8).
وتتجلى بعض مظاهر عزة المؤمن في قصة ربعي بن عامر حينما دخل على رستم الذي بسط الأرض فرشًا ونمارق فدخل ربعي بعزة المؤمن الصادق وخرق الوسائد برمحه ولم يلق بالًا لأهبة السلطان وجبروت الحاكم ثم أعلن الحق بلسانه حينما قال:
واليوم نجد فئاتا من المسلمين قد يعتز بغير دينه معزة تساوي أو قد تزيد أحيانًا على اعتزازه بدينه وإيمانه بربه فذاك الذي يفتخر بماله ويعتز به أو بقبيلته أو بنسبه وأخر يعتز بعروبته ويطفئ هذا الافتخار والاعتزاز على تمسكه بشرع الله وعلى دينه فلو اعترض هذا مع ذاك لقدم اعتزازه بهذه الأمور الدنيوية على حساب طاعته لربه وإتيانه بما يغضب الرب عز وجل.
أبى الإسلام لا أب لي سواه *** إذا افتخروا بقيس أو تميم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل