; رسالة الأرض المحتلة: الجامعة الإسلامية في غزة في مواجهة التحديات | مجلة المجتمع

العنوان رسالة الأرض المحتلة: الجامعة الإسلامية في غزة في مواجهة التحديات

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1986

مشاهدات 61

نشر في العدد 782

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 09-سبتمبر-1986

  • الصراع مع العدو هو صراع بين حضارتين حضارة يهودية غازية وحضارة إسلامية أصيلة.
  • اضطرت الجامعة الإسلامية في غزة نتيجة عجز الإمكانات إلى إقامة مجمع من الخيام تلقى فيه المحاضرات.
  • عندما أغلقت الجامعات المصرية في وجه أبناء القطاع فتح لهم اليهود أبواب العمل في مصانعهم ومزارعهم.
  • الإسهام الشعبي في دعم الجامعة الإسلامية اختبار لقدرة أمتنا على الجود والعطاء.

أولًا: قطاع غزة

أ- تعريف بالقطاع:

قطاع غزة هو شريط ساحلي من أرض فلسطين، مساحته حوالي 360 كيلومترًا مربعًا يمتد من بلدة رفح على الحدود المصرية الفلسطينية جنوبًا إلى قرية بيت حانون شمالًا بطول 45 كيلومترًا وبمتوسط عرض 8 كيلومترات وهو البقية التي بقيت من الساحل الفلسطيني بعد نكبة فلسطين 1948 حيث حافظت عليه القوات المصرية بعد فقدانها نصف فلسطين الجنوبي، بسبب تآمر السلطة وتزويد القوات بالأسلحة الفاسدة آنذاك، وقد أدارت القطاع إدارة عسكرية مصرية يرأسها حاكم عسكري للقطاع من 1948 حتى مأساة سنة 1967 حيث سقط القطاع مع شبه جزيرة سيناء المصرية تحت نير الاحتلال الإسرائيلي، ومنذ ذلك الحين أصبحت تدير القطاع إدارة عسكرية إسرائيلية يرأسها حاكم عسكري إسرائيلي، فتعمقت جروح القطاع وتفاقمت مأساته.

ب- السكان وأعمالهم:

كان عدد سكان مدن وقرى القطاع لدى حدوث نكبة 1948 حوالي 130,000 نسمة ولجأ إليه آنذاك معظم سكان مدن وقرى الساحل الفلسطيني الممتد بين مدينة «يافا» شمالًا وغزة جنوبًا، وقد قدر عدد من لجأ إليه آنذاك بـ 450,000 نسمة أقيمت لهم معسكرات في جميع مدن وقرى القطاع.
وقدر عدد سكان القطاع حاليًا بـ 820,000 نسمة منهم حوالي 260,000 نسمة خارج القطاع حيث يعمل أرباب أسرهم في البلاد العربية والأجنبية و560,000 نسمة مازالوا صامدين على أرض القطاع برغم كل الظروف الضاغطة التي يتعرضون لها على أيدي قوات الاحتلال.

يعمل أبناء القطاع في زراعة قطعة الأرض المحدودة الباقية، بالفواكه وبخاصة الحمضيات وبالخضار وبعض الحبوب، كما يعمل قسم منهم بالتجارة التي جعلها الاحتلال الإسرائيلي محلية مغلقة بالإضافة إلى بعض الصناعات التحويلية البسيطة وبخاصة الصناعات الزراعية.

جـ- القطاع والتعليم:

نتيجة للأوضاع الاقتصادية الصعبة في القطاع اندفع أبناؤه إلى التعليم ليكون سبيلهم إلى الحياة الحرة الكريمة، وأنشئت مدارس الخيام في طوال القطاع وعرضه، ثم تعاونت وكالة هيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين (الأنروا) مع الإدارة المصرية في إنشاء مدارس محدودة الكلفة يتوافر لها الحد الأدنى من التسهيلات التعليمية، ووصل الاستيعاب في هذه المدارس إلى 98% سنة 1952، وقد عرضت دافعية التعليم العالية جدًّا لدى الطلاب عن قصور الإمكانات التعليمية، ثم أخذ التعليم في التنوع بافتتاح معاهد دينية، وصناعية وتجارية، وإدارية وسكرتارية وتمريض وغيرها.

واحتضنت مصر خريجي المرحلة الثانوية بقبولهم في جامعاتها، وفي مختلف التخصصات، وتخرجت أفواج سنوية متتالية، عمل معظمهم في البلاد العربية الشقيقة بدون استثناء، وتركز معظمهم في دول الخليج العربي في حين عمل بعضهم في القطاع. واستمرت جمهورية مصر العربية بفتح أبواب القبول في جميع كلياتها العملية والنظرية أمام أبناء القطاع حتى منتصف السبعينيات من هذا القرن حيث تغيرت السياسة، وبدأ تحديد الأعداد المقبولة، ثم جاءت التغييرات المتتابعة في السياسة المصرية مندفعة في اتجاه الحل السلمي مع إسرائيل، وصاحبتها ضغوط متلاحقة على قبول الطلاب الفلسطينيين في الجامعات المصرية، وصدرت تعليمات عليا سنة 1977 بعدم قبول أي منهم في الكليات العملية.

ثانيًا: فكرة الجامعة الإسلامية ورسالتها

أ- فكرة الجامعة:

نتيجة لعدم قبول معظم خريجي الثانوية العامة سنة 1977 بالجامعات المصرية قامت «إسرائيل بفتح أبواب العمل أمامهم في مصانعها ومزارعها بأجور سخية، فاندفع غالبية الشباب للعمل في إسرائيل»، تحت ضغط الحاجة إلى الكسب واليأس من استكمال دراستهم الجامعية، وأدرك نفر من أبناء القطاع المخلصين خطورة الموقف، وأن مستقبل أبناء القطاع سيؤول إلى التيه والضياع في مخططات الصهيونية والاستحواذية العاتية لذلك فكروا في إنشاء جامعة في القطاع لتحول دون ضياع أبنائهم، وتقضي على المخطط الصهيوني الذي يقضي باستيعابهم وهضمهم، وخرج ستة نفر من القطاع إلى عمان ثم إلى المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج العربي للدعوة لفكرة الجامعة، وتعاضد معهم أحد عشر من أبناء القطاع والمهتمين به من الفلسطينيين، وعرضت الفكرة على ذوي الاختصاص فباركوها وتحمسوا لها، وانضم إلى المجموعتين السابقتين عدد من المهتمين فتكونت من هؤلاء جميعًا هيئة المؤسسين للجامعة (19 عضوًا) وتكون من مجموعة القطاع أول مجلس لأمناء الجامعة، وجمعت التبرعات الكافية لبدء المشروع، وفي مطلع العام الجامعي 78/1979 كانت أول كليتين في الجامعة تفتحان أبوابها لاستقبال أبناء القطاع وهمها كليتا الشريعة وأصول الدين.

ب- رسالة الجامعة وفلسفتها

كان المؤسسون منذ البداية يدركون أن الصراع مع العدو هو صراع بين حضارتين حضارة غازية وحضارة نشأنا فيها وكونت بنيتنا العقلية والنفسية، لا انفكاك لنا عنها حتى ولو أردنا ذلك، إذ إننا جبلنا مع حضارتنا الإسلامية هذه، وعليه فإن الصدق مع النفس والوفاء للأمة يعني أن نربي أبناءنا ونصوغ نفوسهم وننمي وجدانهم على المعطيات الأصيلة لهذه الحضارة التي ننتمي إليها، ومن ثم فهم يرون أن دور الجامعة لا يقتصر على التحصيل العلمي بل لابد لها من تدعيم الثقة الحضارية في نفوس أبنائنا في الأرض المحتلة، الثقة بقدرة هذه الأمة على الصمود والبقاء.

من هنا كانت «الجامعة الإسلامية» في غزة جامعة من نمط متميز في التعليم الجامعي ولها فلسفة واضحة تستند إلى الجذور الحضارية لهذه الأمة، وجاءت برامج الدراسة فيها تختلف إلى حد كبير عن برامج التدريس في الجامعات الأخرى. ويجب أن تختلف خصوصًا إذا كانت الجامعة كالجامعة الإسلامية تواجه تحديًا حضاريًّا معينًا على أرض الصراع فإن هذا يجعل التأكيد على القيم والمبادئ الأصيلة للأمة ألزم وبالخصوص في العملية التعليمية، وأن تدعيم بناء التجربة الإسلامية في التعليم الجامعي والتي تمثلها الجامعة الإسلامية لأمر جد خطير حتى نخرج من تيه الحلقة المفرغة التي يدور فيها التعليم الجامعي في وطننا العربي والإسلامي بلا فلسفة ولا هوية حضارية واضحة المعالم.

وفي سبيل إدراك الأمل وفرت الجامعة لطلابها وطالباتها في السنة التأهيلية مقررات في القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة والتاريخ الإسلامي والفقه وأصوله، إضافة إلى تعميق الإتقان في اللغة العربية واللغة الإنجليزية والعبرية، والقصد من هذا هو تنبيه عقل الطالب ووجدانه إلى أهمية تذوق أصول حضارته، والمعاونة في إصلاح جانب من الخلل الذي لحق به خلال المرحلة الدراسية السابقة للمرحلة الجامعية، حيث حُبس الطالب في قفص تعليمي ليس له فلسفة بينة، ولا رؤية واضحة مما أسهم في تمزيق عقله ووجدانه.

والسنة التأهيلية تشمل جميع الطلاب والطالبات بغض النظر عن تخصصاتهم أكانت في الرياضيات أم الفيزياء أو الاقتصاد، كما أدخلت الجامعة اثني عشر مقررًا (36 ساعة معتمدة) كمتطلب جامعي لكل الطلبة خلال سنوات التخصص تعالج القضايا المعاصرة من منظور إسلامي نقدي وتحليلي مقارن، وبذلك يتاح لكل طالب وطالبة أن يرتقي في سلم تخصصه وهو يرتكز إلى قاعدة أصيلة من المفاهيم العلمية الحضارية.

وبهذا النمط من التعليم الذي يسعى لتكوين العقلية العلمية التحليلية المبتكرة وبناء الشخصية القيادية ذات الرسوخ الحضاري المتميز تأمل الجامعة الإسلامية أن تُخرج نمطًا جديدًا من القادة القادرين على أن يغيروا واقع مجتمعهم بصورة تحقق التحرر والخير والفلاح والعزة لهذه الأمة، وأن توفر الكادر والخبرات العلمية والمهنية والتعليمية من الخريجين، مما ينهض بمؤسسات القطاع والوطن ويعين على إحداث تنمية اقتصادية وتربوية واجتماعية شاملة بعد التحرير كما يعين على تعزيز قدراتنا في مرحلة الصمود والانتماء والبناء الوطني في ظل ظروف القهر والاحتلال.

وبالإضافة إلى اهتمام الجامعة بمستواها الأكاديمي وبرامجها التعليمية فإنها تولي عناية خاصة لقضية وطننا الفلسطيني الحبيب حيث ندرس مقررات موجهة لتعميق انتماء الطلاب لوطنهم وربطهم بقضيتهم المصيرية.

ثالثًا: مسيرة الجامعة والرؤى المستقبلية

أ- مسيرة الجامعة:

في مطلع العام الجامعي 78/1979 افتتحت كليتا الشريعة وأصول الدين لتكونا امتدادًا لمعهد فلسطين الديني التابع للأزهر، وتغاضت السلطات الإسرائيلية عنهما على اعتبار أنهما امتداد لمؤسسة كانت قائمة قبل الاحتلال ونظمت الكليتان وفقًا لفلسفة الجامعة بأجنحة مستقلة للبنين وأخرى للبنات بدون اختلاط واستجابت الطالبات للروح الإسلامية فالتزمن بالزي الإسلامي المحتشم الوقور.

ولكن الجامعة لم تكتف بالكليتين، ففي خلال سبع سنوات مضت من عمر الجامعة أصبح بها سبع كليات هي: الشريعة، أصول الدين، الآداب، التربية، الاقتصاد والعلوم الإدارية، العلوم، التمريض، وانضمت الجامعة إلى اتحاد الجامعات العربية سنة 1980 كعضو كامل العضوية وإلى رابطة الجامعات الإسلامية سنة 1984 بالإضافة إلى كونها عضوًا بمجلس التعليم العالي الفلسطيني في الداخل إلا أن السلطات الإسرائيلية ترفض الاعتراف بها حتى وقتنا الحاضر.

ويعمل بالجامعة في العام الجامعي 85/1986، 45 أستاذًا وأستاذًا مساعدًا ومدرسًا من حملة الدكتوراه و60 مدرسًا من حملة الماجستير و65 معيدًا بالبكالوريوس بالإضافة إلى 35 موظفًا و80 عاملًا وقد بلغ عدد المبتعثين من الجامعة لدراسة الدكتوراه والماجستير 67 مبتعثًا.

جامعة الخيام:

تفتقر الجامعة إلى البنية الأساسية إذ مازالت مباني الجامعة قاصرة على استيعاب الطلاب مما اضطرها إلى إقامة مجمع كبير من الخيام تلقى فيه المحاضرات، وبذلك تكون أول جامعة خيام في تاريخ العالم، كما أن قاعات الهيئة التدريسية والإدارة والمختبرات ومكتبة الجامعة ومسجدها في دور الاستكمال ولكنها متوقفة بسبب محدودية الدعم المالي للجامعة، وعدم قدرة الغالبية العظمى من الطلاب على سداد الأقساط الجامعية، إضافة إلى تعنت سلطات الاحتلال ومضايقاتها المستمرة للجامعة وممارساتها التعسفية والتي كان آخرها طرد عدد من خيرة أعضاء هيئة التدريس وعدم السماح لهم بالعودة لتأدية واجبهم الأكاديمي والوطني.

ب- الرؤى المستقبلية للجامعة:

لقد أصدرت هيئة المؤسسين قرارًا بجعل السقف الأعلى في الجامعة 5000 طالب وطالبة، للسنوات الخمس القادمة، وتجميد الكليات على وضعها الحالي والدافع وراء ذلك هو محدودية المال والذي يأتي معظمه من التبرعات، ومعنى ذلك أن يكون القبول السنوي في حدود 1000 طالب وطالبة.
ونظرًا لأن خريجي الثانوية العامة من مدارس القطاع يزيدون على 5000 طالب وطالبة سنويًّا، فمعنى ذلك أن الجامعة ستستوعب 20% فقط منهم ويبقى 80% أي ما يزيد على 4000 طالب وطالبة سنويًّا نهبًا للضياع وفريسة لمخططات الأعداء.

كما أن العدد المحدود من كليات الجامعة وبخاصة العلمية والعملية منها لا يفي بجميع التخصصات العلمية الضرورية؛ فالقطاع بحاجة إلى كليات للهندسة والطب والصيدلة والعلوم الطبية المساعدة والزراعة وغيره، وذلك لاستكمال البناء العلمي للقطاع والوطن بحيث تتحول كليات الجامعة إلى مراكز إشعاع وبحث علمي لمعالجة المشاكل التي يعاني منها القطاع في مجال ملوحة التربة وأمراض النباتات وقضايا مستوى التعليم وجمود الإدارة في المؤسسات والافتقار إلى التخطيط المتكامل علميًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا.

أخي القارئ المسلم:

* إن أبناءكم وإخوانكم وذويكم من طلاب وطالبات قطاع غزة مهددون بالضياع.

* إن المؤامرات الصهيونية تستهدف إذابة وطنية وعروبة وإسلام هؤلاء الأبناء.

* وإن بقاء أرض الإسراء والمعراج رهن بإيمان أبنائنا وقدرتهم على الصمود والعطاء.

إن الجامعة الإسلامية في غزة:

- جامعة تقوم على الإسلام رسالة وفلسفة ومنهاج حياة.
-
جامعة تعمق الولاء الوطني لفلسطين والانتماء العربي والإسلامي.
-
جامعة توائم بين تأكيد التأصيل المنهجي والرسوخ الحضاري في المفاهيم والسلوك وتأكيد دور العلم والعمل والممارسة على حد سواء.

- جامعة تعتمد بعد الله على الإسهام الشعبي وتبرع المحسنين، كأول تجربة جامعية حضارية متميزة تختبر قدرة أمتنا على الجود والعطاء وتستلهم إيمان أبناء شعبنا بالعمل الشعبي المثمر البناء.

لذلك تخاطب إيمان وضمير ووجدان كل مسلم رجلًا أو امرأة أو شابًّا أن يمد يد العون للجامعة لبناء مختبراتها وقاعاتها ومكتبتها ومسجدها وللإنفاق على بعثاتها الدراسية في الخارج (الماجستير والدكتواره) ومن لم يستطع فليشارك بالتبرع بنفقات تعليم طالب واحد (200) دينار أردني أو أكثر أو أقل سنويًّا وبشكل ثابت، حسب إمكانات كل منكم، وما على المحسنين من سبيل.

والله تعالى من وراءه القصد وهو يهدي السبيل.

ملاحظة: رقم حساب الجامعة الإسلامية بغزة في البنك الإسلامي الأردني – عمّان 15205.

الرابط المختصر :