العنوان رسالة حب إليك أخي الحبيب: رجاءً لا تنقل عني كلامًا يسوؤني
الكاتب محمد عبده
تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2007
مشاهدات 57
نشر في العدد 1763
نشر في الصفحة 54
السبت 04-أغسطس-2007
نقل الكلام آفة من آفات اللسان، قد تورد صاحبها المهالك إن لم ينتبه ويتق الله ربه فيما يقول، وإذا لم يراع حرمة الناس وخصوصياتهم بالإضافة إلى التنافر والتخاصم الذي قد يحدث بين الأقران والمقصود بالكلام المنقول، الكلام الذي يسيء إلى الآخرين، أو نقل أخبارهم وخصوصياتهم إلى غيرهم دون استئذانهم مما يكشف سترهم ويفضح أمرهم، وغالباً ما يكون الدافع لذلك الحقد أو الحسد أو الغيرة من الآخرين.
ومن هنا كان الحديث: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» (رواه أحمد وأبو داود وسنده حسن)، وقوله: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته» (رواه البخاري ومسلم).
فإفشاء سر الآخرين أو الكذب عليهم له عواقبه الخطيرة على الصف المسلم.
وقد يكون نقل الكلام ضرورة، وغاية في الأهمية في بعض الأحيان غير أن ذلك لا يجعلنا نترك الأمر على عواهنه، فيتحدث القاصي والداني وتذاع اخبار الآخرين دون حرمة أو مراعاة لنفسياتهم، بل لابد من التضييق مع الحذر، والتشديد عند تناول أخبار الآخرين والتحدث بلسانهم.
فمما لا شك فيه أن الصمت أفضل في كثير من الأحيان مما لو خاض الإنسان في كلام لا يعنيه، أو استرسل في كلام لا طائل منه خاصة إذا كان هذا الكلام يتعلق بالآخرين، فيؤدي ذلك نهاية المطاف إلى معصية يصيبها أو ذنب يقترفه، يقول تعالى: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 114) فالخوض في أعراض الناس والتحدث عنهم أمر مرفوض في الصف المسلم والجماعة المسلمة الذين يصفهم القرآن بأنهم كالبنيان المرصوص.
وقد حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من كثرة الكلام إلا في الخير فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت».. والعبد الفطن هو الذي يسمع كثيرًا ولا يتكلم إلا قليلًا، فإذا تكلم غنم وإذا سكت سلم، فمن تكلم كثيرًا كثر سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، وتبقى الرسالة النبوية الخالدة من صمت نجا، فالمتحدث كثيرًا قلما يقدر أن يمسك لسانه.
ولعل من أخطر الأمور التي نأخذها ببساطة رغم خطرها العظيم وما تسببه من متاعب وهموم نفسية جسيمة، تناقل الكلام والتحدث عن الغير بدون أي ضوابط، فتساق الاتهامات دون تثبت أو ذكر الأدلة، فتكثر القلاقل، وتوغر الصدور وتضعف الروابط بين الناس، وتقطع الأرحام الموصولة، وتقصم عُرى المحبة بين الأقران، فإذا قيل إن نقل الكلام ضرورة ملحة وتقتضيه المصلحة العامة في بعض الأحيان وسلمنا بذلك. فلابد من الوقوف عند ثوابت وخطوط حمراء لا نتعداها قبل الخوض واتهام الآخرين.
الأعراض:
١ - الترخص المبالغ فيه في الحديث عن الآخرين.
٢ - التملق إلى الآخرين والتقرب إليهم على حساب الغير بذكر مساوئهم أو أخبارهم.
٣- عدم التحدث عن محاسن الآخرين، والاكتفاء بذكر المساوئ.
4- الاحتقار والاستهانة للآخرين ومن ثم الاستهزاء بهم.
5 - إفشاء الأسرار المؤتمن عليها من قبل الآخرين.
العلاج:
الخاطرة والكلمة والتوجيه والتذكرة، وبيان خطورة الأمر على الفرد والجماعة. مع إبراز الأحاديث والآيات التي نهت عن مثل هذا السلوك السيئ والتي يكون لها تأثير نفسي أو رادع داخلي لاجتناب مثل هذا السلوك.
ففي الحديث: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه» (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حديث حسن صحيح)، وفي حديث معاذ في آخره: «كف عليك هذا فقلت يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال: على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم» (أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت بسند حسن).
فماذا لو نقل إلينا حديث أن شخصًا ما وهو أخ عزيز علينا، أفشى لنا سرًّا أو أذاع لنا خبرًا أو أضاع لنا أمانة، أو خان لنا عرضًا، أو حتى ذكرنا بما نكره؟ فبالتأكيد أن نفوسنا ستحمل له بغضًا ولحديثه كرهًا، وقد تتطور الأمور إلى حد الخصام إن لم يكن الاقتتال.
وكما قلنا سابقاً فإن التهيئة النفسية وحدها لا تكفي، واستجاشة العواطف تجاه نبذ هذا السلوك السيئ أمر جيد إلا أنه يبقى معلق الأثر قليل الفائدة حتى تأتي المواقف العملية لتؤكد على معناه أو أن تؤصل السلوك وتجعله مبررًا لدى سالکه.
فماذا نفعل عندما يصل الخبر إلينا وكيف نتعامل مع ناقله ومصدره؟!
ضوابط التعامل مع الكلمة:
هذه الضوابط لا بد منها إذا كنا نريد ونبتغي بقولنا وجه الله تعالى حتى لا نجد أنفسنا قد ارتكبنا منكرًا أكبر.. أو أحدثنا فتنة بدون قصد.
فلقد كان لتناقل الحدث في حادثة الإفك وكثرة الكلام فيه أثره البالغ على رسول الله صلى الله عليه وسلم والسيدة عائشة أم المؤمنين والصحابة رضوان الله عليهم.
نقل الكلام آفة تورد صاحبها المهالك.
الاتهامات دون تثبت... توغر الصدور.. وتقطع الأرحام.. وتفصم عرى المحبة
فالظن أكذب الحديث، ولو أننا فرضنا سوء الظن في كل أقوالنا لتخاصمنا جميعاً، ولأوغرت صدورنا، فاستجابتنا لإذاعة الأخبار وترويجها، وتصديقها لأول وهلة من شأنه أن ينبت الضغينة في القلوب وخاصة إذا ثبت بعد ذلك براءة من اتهمناه.
فإذا أذيع الخبر وانتشر بين العوام وتناولت الألسن الأبرياء بلا ترخص ولا مبالاة، ثم تبين بعد ذلك بالأدلة القاطعة والبراهين الواضحة أن ساحتهم نظيفة مما نسب إليهم من أقوال لم ينطقوا بها، أو أعمال لم يفعلوها لزم علينا أن نعلن أمام الجميع براءتهم ونظافتهم مما نسب إليهم.
وهذا من حقهم بعدما تناول حديثهم القاصي والداني دون أدنى تحرج فها هو القرآن الكريم يتنزل من فوق سبع سماوات ليعلن براءة الأتقياء وطهارة المتهمين ظلمًا وعدوانًا فيبرئ ساحة السيدة عائشة الطاهرة العفيفة مما نُسب إليها. لهذا نجد أن القرآن الكريم يشدد في عقوبة القاذف فيجعلها قريبة من عقوبة الزنا ثمانين جلدة مع إسقاط الشهادة صيانة للأعراض وحماية لأصحابها من الآلام النفسية الجسيمة التي تلحق بهم.
يقول الأستاذ سيد قطب – يرحمه الله: إن ترك الألسنة تلقي التهم على المحصنات بدون دليل قاطع يترك المجال فسيحًا لكل من شاء أن يقذف بريئة أو بريئًا بتلك التهمة النكراء، ثم يمضي أمنًا فتصبح الجماعة وتمسي وإذا أعراضها مجرحة وسمعتها ملوثة وإذا كل فرد فيها منهم أو مهدد بالاتهام. وبعد انتهاء الأمر ومعرفة البريء ببراءته والأخذ على يد المتسبب وعقابه يأتي التحذير من العودة إلى مثل ذلك يقول تعالى ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (النور: 17)، فالمرء المترخص في الكلام يُعطي فرصة للشيطان الذي يتلمس سقطاته وعثرات لسانه، فيجد الشيطان في هذه السقطة وتلك العثرة ضالته في إيقاع العداوة والبغضاء بين المرء وأخيه فالكلمة الطيبة وقول التي هي أحسن يسد هذه الثغرات ويقطع عليه الطرق ويحفظ حرم الأخوة آمنًا.
وأخيرًا.. يجب مراعاة الآتي عند تعاملنا مع الكلمة سواء بالسماع أو النقل عن الآخرين:
أولاً: عرض الأمر على القلب واستفتاء الضمير.
ثانياً: التثبت بالدليل والبيئة.
ثالثاً: تقديم الظن الحسن قبل الظن السيئ في الأمور التي تحتمل وجهين.
رابعا: الاستشارة قبل المبادرة بالاتهام.
خامساً: استحضار الأضرار والعواقب الناتجة عن تناقل الكلام عن الآخرين.
سادساً: عدم أخذ الأمور بخفة واستهتار.
سابعاً: إعلان براءة ساحة المتهم.
ثامناً: الأخذ على أيدي كل من تناول الخبر ونشره.
تاسعا: التحذير من العودة إلى مثل هذا الأمر.
عاشراً: قول التي هي أحسن.
---------------------------------
الهوامش
(۱) رواه أحمد وأبو داود وسنده حسن
(۲) رواه البخاري ومسلم
(۳) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حديث حسن صحيح.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت بسند حسن
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل