العنوان رسالة عاجلة من بيت المقدس
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 31-يناير-2004
مشاهدات 56
نشر في العدد 1587
نشر في الصفحة 66
السبت 31-يناير-2004
«ما من امرئ يخذل امرأ مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته» حديث شريف.
لو وقفت طفلة فلسطينية صغيرة فجأة في مدينة من مدائن بيت المقدس المحاصرة وسألت أمها ببراءة متدفقة: ماما.. لماذا يتركنا إخواننا العرب والمسلمون وحدنا بين أيدي هؤلاء القتلة من اليهود؟ ولماذا نموت هنا وحدنا، بينما حواضر العروبة والإسلام تغفو على سرر الشهوة والغفلة؟ ماما.. أين صلاح الدين الذي طالما سمعت منك حكاياته.. لماذا لا يأتينا الآن، ونحن بأمس الحاجة إليه؟ ترى بأي لغة ستجيبها أمها؟ وهل هنالك بلاغة لغوية يمكن أن تسعفها لكي تقنع عقل طفلتها الصغيرة؟ لا أظنها ستجد كلمات تملأ فضاء هذا السؤال الحزين، ربما تجيب بطريقة أخرى، فلعلها تسكب شيئًا من عبراتها الساخنة التي قد تسقط من عينيها المسلوقتين من جمر القهر.
إنه سؤال مشروع!
من حق هذه الطفلة الفلسطينية ومن حق أهل بيت المقدس المحاصرين أن يسألوا القاطنين في المدى الجغرافي الممتد من المحيط للمحيط، ومن طنجة حتى جاكرتا.. من حقهم أن يسألوا هذا السؤال المقهور، بل إن السؤال نفسه يلاحق بالذات أفراد النخب من أبناء العروبة والإسلام علماء وكتاب وإعلاميين والسؤال ذاته يقرع بعض زعماء التيارات الإسلامية المنشغلين بهمومهم المحلية تاركين رأس الأفعى في الأرض المقدسة يفعل ما يشاء، وما سمومه عنهم ببعيد.
إن كنتم عربًا فإن نابلس تنطق بالعربية والحلم العربي يسكن بين جبليها! وإن كنتم مسلمين، فإن فلسطين كلها مسلمة بمآذنها ومحاريبها وبكل ذرة تراب داسها نبي أو صحابي أو عفرتها سنابك خيول الفتح، في حضنها «أقصاكم»، الأسير الذين يئن منذ عقود وينتظر صحوة الجمر في موقد نخوتكم.
طفلة بيت المقدس في نابلس ورفح لا تطلب منكم صلاحًا أيوبيًّا ولا معتصمًا عباسيًّا، فقط تطلب منكم أن ترفعوا عقيرتكم بالشجب العربي العتيد في الأمم المتحدة، وفي الجامعة العربية، وفي غيرهما من المنابر الدولية والإقليمية، تتمنى عليكم أن تصوروا حصارها في فضائياتكم بين فقراتها الراقصة عبر فاصل حزين، ولتتحملوا هذه الفقرة المنغصة، لا بأس.. من أجل قضيتكم التي كانت الأولى في حربكم الكلامية عبر عقود خلت.
أطفال «بلاطة» المحاصرون والمحرومون من حليب الأطفال، وأطفال رفح - الذين تصطك أسنانهم من برد الشتاء القارس في عهد الخيام الجديد، بعد أن فقدوا بيوتهم التي دمرتها جرافات بني صهيون - لا يصدقون أن سيف الهيمنة الأمريكي قد قطع أوتار حناجركم.
ماذا سيكتب التاريخ عنكم؟
تركتم إخوانكم يقتلون بوحشية وأنتم تنظرون، أغلقتم الحدود وحرستموها من المجاهدين لا من اليهود، سحبتم حتى صورة الجرح المقدسي من فضائياتكم، وأخيرًا أوقفتم حتى أموال الإغاثة الإنسانية عن الأرامل واليتامى والمحاصرين بدعوى محاربة الإرهاب! لا ندري ما ستفعلون مستقبلًا، ربما ستشطبون اسم فلسطين من تاريخكم ومن ذاكرتكم، ولا ندري ربما تجبرون على أن تمسحوها حتى من قلوب أطفالكم.
معذرة إذا كانت الكلمات قاسية لكن الجرح في بيت المقدس غائر وموجع، وأشد ما فيه من وجع هو فضاء الصمت الذي يخيم على مدائنكم، ورغم صمتكم إلا أننا لا يمكن أن ننسى أنكم إخواننا.. وأرضنا أرضكم، ومسجدنا في حضن القدس هو مسرى نبيكم صلى الله عليه وسلم.
نعلم أن الألم يعتصر قلوبكم ويقرح أكبادكم، ولا نشك في أخوتكم وندرك ما يمنعكم عن نصرتنا، ومع ذلك لا يرضينا منكم الصمت، ولا يليق العجز بأمة ملأت عين التاريخ وأخضع فرسانها جباه القياصرة والأكاسرة، أخرجوا من جلدكم وانسلخوا من قشرة الخوف التي تحجب عزائمكم، ونحن غربي النهر بانتظاركم.
يا أمة خير نبي.!!
عاقبة الخذلان وخيمة ومآله فاتورة باهظة الثمن، ومن أراد السلامة اليوم بالصمت والسكوت فسيدفع في غد الأيام عقوبة لا يعلم آلامها إلا الله جلت قدرته ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الآنف يحذركم، فانتبهوا.. إنها سنة جارية فادفعوا عن أنفسكم ولا تقنعوها بالأعذار، لأنه لا عذر لكم غير النصرة لإخوانكم والخروج من عباءة خذلانكم.
رغم سؤال الطفلة الحزين وقسوة رسالة مدائن بيت المقدس إلا أنها لم تفقد بعد الثقة بكم، لأن الفاتحين حينما فتحوها زرعوا في روابيها جذور الأمل بهذا الدين العظيم.. وبهذه الأمة.
وختامًا.. مدائن بيت المقدس بانتظاركم وأنتم لابد قادمون!!.