العنوان رسالة .. إلى أبي
الكاتب أحمد المنسي
تاريخ النشر السبت 27-أبريل-2002
مشاهدات 94
نشر في العدد 1498
نشر في الصفحة 54
السبت 27-أبريل-2002
أبي.. كيف أبدأ رسالتي وكلما أمسكت بقلمي وهممت أن أكتب.. كان قلمي لم يعرف الكتابة من قبل وكان المداد فيه لا يعرف من الهجاء إلا علامات الإكبار وحروف الإجلال وتهرب مني الكلمات، حتى لا أجد منها كلمة واحدة تقف على حدود معنى بسيط مما أريد أن أقوله لك. وأي ألفاظ تلك التي أرتبها فتصور لك ما في صدري أو أتخيل أنها تصور لك ما في صدري ماذا أكتب لك.. وأنت أبي؟
رسالة شكر رسالة عرفان رسالة تقدير أي شكر وأي عرفان وأي تقدير وقد جعلك الله 1 سبب وجودي ماذا أكتب وأنت أبي؟
أبي ما أعظمها من كلمة.. ما إن أنطق بها إلا وأشعر أنني غارق في الخجل، مطاطئ الرأس ساهم الطرف إجلالاً وإكباراً واحتراماً
أبي.. عندما أقولها أشعر بالدفء والأمان. والحب والعطاء الذي لا مثيل له أبي أي حرمان ا يعانيه هذا الذي لا يعرف كلمة أبي ولا ينطق بها
أبي أيها المعنى الكبير والعطاء الكبير والحنان الكبير ماذا أكتب لك؟
وأنسى كل الكلمات وأقف وأجد يدي ترتفع إلى رأسي ثم تنبسط وتسبقني إليك، وترحل الأشياء من رأسي ولا تبقى إلا أبي ثم أنحني وأطبع قبلة على يدك الطاهرة ورأسك الطاهر.وأقرأ في صفحة وجهك الطلق أيام عمري.
يتبدد خوفي وتصير الدنيا في كفي.. كيف الحياة بلا أبي ، لكأن الله خلق العطاء وقال له كن رجلاً وامرأة فكان أبي وأمي . ثم قال للحنان كن معه.
ولكان الله خلق قلبين وملاهما نوراً وعطراً وجلالاً ثم قال لهما كونا لاثنين فكانا لأبي وأمي.
لو كان لكل أب حق على ابنه لكان أعظم حق لوالد على ولده ذلك الذي لك علي وأغلق قلبي على تلك المعاني حتى إذا سمعت كلمة أبي يقولها أحد ...فإنها لا تعني عندي إلا أبي.
علمتني أن لا إله إلا الله، هي منهج الحياة فيها صيانة حركة البشر فلا ميزان في هذه الدنيا أعدل من ميزانها، ولا دين يملا على الإنسان حياته كلها إلا الإسلام، لأن الدين عند الله هو الإسلام ثم قرأت على قول الله تعالى﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ. ﴾ (آل عمران : ۱۹)
وأن الله إذا قال فلا شيء إلا أن نقول سمعاً وطاعة، وقرأت على ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (النور).
ولا شيء أفضل من حكم الله وأمر الله، لأن الصانع أدرى بما يصون صنعته، والخالق أعلم بما يحفظ خلقه، هالك من حاد عن أمر الله، وضائع من لجأ إلى غير الله، وظالم من حكم قانوناً غير قانون الله، وأن المناهج التي هي من صنع البشر مناهج قاصرة مقصرة ظالمة جائرة
قلت لي يابني لتكن حياتك على لا إله إلا الله وموتك عليها، فيها نجاتك وفيها حياتك وفيها نعيمك وفيها شقاؤك، وفيها ولاؤك وفيها براؤك وفيها خصامك يابني انت بها الفائز ولن يضر الله شيئاً لو كفر به من في الأرض جميعاً، ثم تلوت على قول الله تعالى و﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللّه وَاللّه هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر: 25).
علمتني أن الحقيقة غاية كنقطة الضوء في زمن الظلام، وأن الظلم عار دروبه معتمة، هو مقصلة المروءة ومقبرة الرجال، وأن الرجل يعرف بأسباب الحق عنده، وأن علامة البلوغ مراقبة الله، وأن الذل ميراث الذنوب وأن الحكمة أن أفعل ما أمر الله به وأنتهي عما نهى الله عنه، ومن علامات حب الله أن أحب المساكين وأقربهم وأتقرب إليهم، وأن أعود المرضى واعين ذا الحاجة، وأن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن أقبل على الله إقبال العبد الذليل المنكسر المحب الخائف الطامع في كرمه سبحانه، وأن حسن الخلق مفتاح القلوب والجود مكرمة الرجال، وأن الصابرين هم رجال الله وأن الجهاد في سبيل الله شرف الأمة وأن الإيمان قول وعمل، وأن قلبي إذا ملئ إيماناً وصدقت جوارحي فعلي أن أقوم فأمر بالمعروف وأنهى عن المنكر علمتني أن السراء بيد الله وأن الضراء بيد الله، فعلي في الأولى الشكر وفي الثانية الصبر.
علمتني أن مقتل الرجل بين فكيه، فلا أقول إلا حقاً، ولا أنطق إلا صدقاً، وتلوت علي: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18) وعلمتني أن الكلمة نور والكلمة نار كلمة تملكني، وكلمة أملكها وأن الله يحاسب بمثقال الذرة، وتلوت على قول الله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ (الزلزلة :8)
اخترت لي أماً، فكانت نعم الأم، واخترت لي اسماً فكان نعم الاسم، ولحظة ولادتي.. أذنت في أذني اليمنى وأقمت الصلاة في أذني اليسرى فكان أول صوت سمعته هو صوتك، وأول كلمة
سمعتها: الله أكبر الله أكبر.. دخلت إلى سمعي فملاتني كلي سارت مع دمي واستقرت في قلبي وظل صداها في رأسي لا يفارقني اسمع الدنيا كلها من حولي ترددها، وتصدح بها الموجودات وتتغنى بها الأشياء، الله أكبر.. كان أول عهدي بالدنيا الله أكبر، طبعت في أول صفحة من صفحات ذاكرتي البيضاء، وامتزجت بعظمي من كل ولحمي ودمي، وعانقت نفسي، وما عرفت الإنسان أجمل من أن يكون أول عهده بالدنيا الله اكبر صارت هذه الكلمة . لي حصناً منيعاً يحميني . افات الدنيا يحميني من شياطين الإنس والجن الله أكبر.. كلما هممت بفعل ذنب سمعتها فإذا هي تهز رأسي هزاً وأحسست بها في دمني، وروعني جلالها. الله أكبر.. إن الله يقول﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ (الأعراف: 201) لكأني مع كل طائف من الشيطان يمسني أسمع الله أكبر تهزني هزاً. وكأنما أنا أعمى رد الله عليه بصره الله أكبر.
اعلم أن الدنيا لو أقبلت عليك بكل مفاتنها و مباهجها، فليس لك فيها شيء تبقي عليه.. اعلم أن الدنيا إذا عظمت لديك وتمكنت من قلبك وأقبلت عليها بمجامع نفسك وعقلك وقلبك، وكبر أمرها عندك.. فإنها مديرة عنك مولية .. فالله أكبر... اعلم أن الذي رزقك وأنت في بطن أمك بغير حول منك ولا قوة وأعطاك السمع والبصر والحياة هو الله وما كان لك من أحد يرعاك سواه، فلا تحسب أن رزقك وأجلك وحياتك ومماتك بيد أحد غيره.. الله أكبر.. لا تنشغل بغير الله في هذه الدنيا .. فكلها فانية، وستخرج منها كما دخلت.. والباقي هو الله.
فلا تنس دائماً وأبدأ أن الله أكبر...
وظلت هذه الكلمة الكبيرة معي دائماً طيلة حياتي بين عيني فصغرت الدنيا كلها أمامي، إلا أنها هي دار العمل والسبيل إلى الآخرة. ماذا اكتب لك يا والدي ولو ظللت أكتب في فضلك علي الملأت أوراقاً وكتباً، وأي شيء ذلك الذي أقدمه لك فيساوي معشار ما قدمت أنت، أو معشار المعشار علمتني أن التواضع رفعة، وأن الكبر جهالة وتلوت علي﴿وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (لقمان:18).
وأنه لابد من استعلاء الإيمان، ومن ذلك الاستغناء عن الناس واللجوء إلى رب الناس وتلوت علي: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ (الزمر٣٦) بلى يارب.
وعلمتني أن النساء شقائق الرجال، وإنما جعل الله القوامة للرجال على النساء بأسباب من عنده سبحانه، وتلوت علي قول الله تعالى ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ﴾ (النساء: ٣٤) وما وجدتك يوماً أهنت أمي، ولا فضلتني على أختي، ولا فضلت أختي علي، رأيتك دائما تخفض جناحك لأمي وأخوتي، كالطائر الذي يحتضن أفراخه، علمتني أن الرجل أول ما يكون لأهله، وقرأت علي حديث النبيr «وخيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله» سنن ابن ماجه عن ابن عباس، وعلمتني أن مفتاح جنتي عند قدمي أمي تلك المرأة التي تهب حياتها وعمرها لأبنائها وهي راضية باسمة، علمتني أن أصل رحمي، فما وجدتك يوماً إلا باراً بإخوتك. قلت لي يابني كن حيث أرادك أهلك وذوو رحمك. واعف عمن ظلمك ولا تقطب في وجه طفل، ولا تتجرأ على امرأة، ولا تكتم علماً، ولا تنكر حقاً، ولا تكتم شهادة أبداً، ولا تملأ بطنك، ولا تؤذ جارك واحفظ جوارحك عن محارم الله فأنت عليها أمين وهي عندك أمانة ونعمة من ربك، فمن شكر النعمة ألا تفعل بها ما يغضب المنعم، يابني غض بصرك عن محارم الله، واخشع في صلاتك، وأعرض عن اللغو، وتلوت على قول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (المؤمنون :7).
قلت يابني: لله ما أعطى ولله ما منع، لا تفسد ما بينك وبين الله يابني هالك من انقطعت صلته بالله، توسل إليه، وتذلل له، وابك على ذنبك أوقد ليلك بذكره وعطر نهارك بشكره، اذكره دوما يابني، فعساه ينظر إليك بعين رحمته نظرة لا تشقى بعدها أبداً. يابني انكسر لعظمته، وارتجف من هيبته وتضرع إليه والجا إلى جانبه، وقف باكياً على بابه، ولا تبرح معيته، ولا تنصرف عن رحابه، يا بني لا تلتفت عنه فيلتفت عنك، إن ضاقت بك الدنيا فليس لك سواه، أنت إليه فقير، وهو عنك غني.
كم أفخر بك، وأشرف .. أنت الذي علمتني البر لأنك كنت بي باراً رحيماً، وتعلمت منك الرضا بقضاء الله، فوجدت فيه راحتي ونصرتي على الدنيا ونفسي، وكنت بذلك أغنى الناس وعلمتني أن العين التي لا ترى الحقيقة عمياء، وأن الأذن التي لا تسمع الحق صماء، وأن المرء يحرم عطاء الله بالمعصية، وأن القلب الذي يحسد لا خير فيه، وأن صاحبه ساخط على قدر الله، وأن البكاء من خشية الله يغسل القلوب كما يغسل العيون، قلت يابني إنك إذا سمعت القرآن يتلى فاعلم أن الله يكلمك فأنصت إليه، وإذا قرأت القرآن فاعلم أنك تكلم الله فاخشع لجلاله وتذلل لعظمته، واطلب رحمته، وأن البداية لابد أن تكون في زمن الطفولة، وعهد البراءة، إن الذي يألف الطاعة تشقيه أصغر الذنوب، ومن اعتاد على الظلام تؤرقه ساعات النور.
يرحمك الله يا والدي .. كم حرمتك النوم والراحة أنت وأمي، وكم جاهدت من أجلي ومن أجل إخوتي وكم تعبت لنستريح، وكم شقيت! لتسعد، وسعيت بأسباب الدنيا لتطعمنا وتسقينا! وتكسونا وتعلمنا، بقدر الله وحوله وقوته لا تمنون إذا أعطيتم، ولا يكبر عطاؤكم في أعينكم . وهو سيل جارف ومعين لا ينضب، والله ما هو ! بغريب أن يرفع الله الوالدين هذه الدرجات . العظيمة فيقول في كتابه الكريم﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّاإِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا﴾ (الإسراء:34) نعم يارب، لأنك أنت وحدك الذي يعرف قدر هذه القلوب الرحيمة الكريمة، نعم يارب...وبالوالدين إحساناً.
من هذا الذي ينهر أباه وأمه؟ من هذا الذي يهينهما ؟ أي شقي هذا الذي لا يعرف قدرهما ؟ وهما العطاء ابتداء ومفاتيح الجنة انتهاء من هذا الذي يرفع صوته أمامهما؟ من هذا الذي يهمل رجاءهما أنرى في دنيانا من يضرب أباه.. من يحبس أمه؟
والله إن هو إلا شقي طرح عليه ! الشيطان عباءته وقال له اذهب أنا وانت سواء، أي عقل منك يا هذا أو !دين لقد أمر الله بالإحسان إلى ! الوالدين حتى وإن كانا كافرين لعظم ! فضلهما على أبنائهما.
إنني والله ما أجد أحب إلي من ذلك ! الإنسان البار بوالديه، ولا أبغض إلي ! من ذلك العاق لوالديه. ووالله لو كنت أباً فاسقاً عاصياً . . وحاشاك يا والدي - لكان لزاماً علي خدمتك والسعي إلى رضاك وطاعتك في غير معصية الله.
اللهم اغفر لوالدي وارحمهما ! واجزهما خير ما جزيت والدين عن ولدهما، واغفر لنا جهلنا بقدرهما، وجحودنا فضلهما وتقصيرنا في حقهما﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (إبراهيم110)