العنوان رسالة إلى صغيرتي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مايو-1983
مشاهدات 49
نشر في العدد619
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 03-مايو-1983
أي بنية قبل أن أخط إليكِ هذه الكلمات أسأل نفسي: هل تستطيعين فهم كل ما أكتبه إليكِ وأنتِ لم تتجاوزي السابعة؟!
أي بنية: كم أشعر بالضيق كلما حاولت أن أتصور وأنت ترين بيتًا يتهدم، وثوب العيد يحترق ولعبك تتناثر، والدخان يتصاعد من الأبواب والنوافذ، يا بنيتي: إن أنسى لا أنسى صوتك وأنتِ تقرئين في كتابك:
فلسطين داري *** ورمز انتصاري
كنت كلما سمعتك، أضع في ذهني أن أحدثك عن قضية المسلمين الأولى في فلسطين بعد أن تكبري قليلًا، وأقص عليكِ جرائم اليهود ومخازيهم، ولكن، كنت متحيرًا كيف أقرب إليكِ أفعال اليهود في «قبية»، «ودير ياسين» وأنا لا أملك صورًا لها، أما اليوم فلن أجد صعوبة ولن اصطدم بعقبة لأنك رأيت بعينيك الواسعتين يهودًا من نوع آخر، وهكذا فعل اليهود.
أي بنية: تذكرين كيف أخرجت من المنزل وأنا أعاني من نوبة ألم حادة – تذكرين يا... حبيبتي أولئك الرجال الذين وقفوا على سلم المنزل وعند الباب وقد أخذوا أباك وأنت تبكين، وكيف أن أختك وهي دون الثالثة فهمت ما فهمت فراحت تضج بالبكاء – لقد صاحت بك أمك أن تكفي عن الدموع وأن تقرئي «قل هو الله أحد...» ثم ذهبتِ في الصباح إلى المدرسة وأنتِ تغضين الطرف مما لفت نظر المعلمة التي علمت لتوَّها نبأ اعتقالي، وتمر أيام والمعلمة لا تملك أن تديم النظر إليك لأن دمعتين ساخنتين كانتا تسقيانها وكان فمك الصغير لا يفتر عن تنفيذ وصية أمك لك بقراءة قل «هو الله أحد..» وعاد أبوكِ في وقت متأخر من الليل نشطًا مرحًا، وتلمح المعلمة ذلك، وتسأل: هل عاد أبوكِ؟ وتحول المعلمة بصرها وتشيعها دمعتان.
أي بنية: هل تتساءلين لماذا أُخِذ أبوكِ مرة بعد مرة لماذا أُحرق بيتنا؟ غدًا ستعلمين، ولكن اذكري أن أباكِ لم يكن مسؤولا عن شركة أفلست أو عن مؤسسة نهبت وإن يد أبيكِ التي تعلمت الوضوء على يد أطهر رجال الدنيا، لم تمتد إلى مال الأمة ولا هتكت أعراض الناس.
أي حبيبتي الصغيرة أسمعت بأن أختك صارت قادرة على ترديد «الله معي»، الله معي فعلميها بعد ذلك «يا نفس صبرًا لا تجزعي».
أما البيت فإن بيوت المسلمين هي بيتنا، وما طرقت بابًا إلا تلقاني أمله بالعناق والقبل، فاطرقي باب أي مسلم لأنكِ مسلمة، وأما المدرسة، فإن المُعلمة لم تعد تنظر إلى حيث كنتِ تجلسين، وقد تركتِ مكانك خاليًا لم يجلس فيه أحد، وهي تسأل عنك ألن تعود؟ أي بنية لو كنت تستطيعين أن تفهمي الشعر لكتبت لك قصيدة ولكن يحضرني بيت فيه:
الأم مدرسة إذا أعددتها *** أعددت شعبًا طيب الأعراق
وأنا -يا بنيتي- قد تزوجت من مدرسة وقد تعجبين وتقوسين حاجبيك وتزداد عيناك السوداوان اتساعا، أليست أمك هي التي تعلمك اليوم، فهذه هي المدرسة التي عانيت طويلًا حتى ظفرت بها، لأنني كنت أحس في قرارة نفسي أنني بحاجة إلى مدرسة، لا تقفل أبوابها بعدي، ولا تعرف العطل، ويتعلم الطفل فيها ويرى...
أي بنية: إذا كنت أغبط نفسي على شيء وأنا اليوم لا أملك من حطام الدنيا إلا محفظة فيها ثوب واحد وقلم وبعض الأوراق وأغبط نفسي على أنني اهتديت إلى الإسلام بعد غربة عنه، وظفرت بمدرسة تعلمك إذا طال غيابي.
حفظك الله، وأختك، ومدرستك، وأعدك بثوب عيد جديد، وحلوى، ولعب، وقبل، ودموع.
أبوك المشتاق
يونس كتكت/ الأردن