العنوان رسالة مصر: موقف الجماعات الدينية من الأحداث السياسية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1980
مشاهدات 73
نشر في العدد 480
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 13-مايو-1980
ماذا يجري في مصر؟ هذا سؤال تكاد تجيب عليه الصحافة العربية- عمومًا من منطلقات مختلفة- باعتبار أن السادات «مهدور الدم» بسبب خطواته المتسارعة على طريق الصلح الكامل مع "إسرائيل"، ولكن ما حقيقة الأحداث الأخيرة؟ التطبيع، والفتنة الطائفية، واستقبال شاه إيران، وما هو موقف المعارضة الإسلامية منها؟ ولئن كانت مجلة الدعوة الناطقة باسم جماعة الإخوان المسلمين قد دأبت على إبداء رأيها في ذلك، إلا أننا لا نزال بحاجة لنعرف موقف الجماعات الدينية في الجامعات المصرية من مجمل هذه الحوادث من واقع منشوراتهم وبياناتهم، فماذا يقولون؟
١- التطبيع: عقدت الجماعة الإسلامية مؤتمرًا إسلاميًّا شعبيًّا كبيرًا في رحاب الأزهر الشريف في شهر ربيع الآخر ١٤٠٠هـ الموافق ۷ مارس ۱۹۸۰، وقد خصص المؤتمر لمناقشة قضية فلسطين والتطبيع، وقضية الحريات، وقانون العيب، ومشكلات الشباب المسلم في مصر، وأعلن المؤتمر مجموعة من التوصيات أهمها:
۱- أن اعتداء اليهود على أرض الوطن الإسلامي، وانتهاك المسجد الأقصى وطرد المسلمين يجعل الجهاد بالمال والنفس فرض عين في عنق كل مسلم يقوم به على قدر طاقته حتى تعود فلسطين للمسلمين.
۲- أنه وفقا للفتاوى الشرعية الصادرة في أعوام ٤٧،١٩٥٦ وفي مؤتمرات مجمع البحوث الإسلامية، فإن أي صلح مع اليهود يعتبر باطلًا شرعًا، ولا يلزم المسلمين جميعًا، ومخالفة لتعاليم الإسلام.
٣- مقاطعة اليهود اقتصاديًّا بعدم التعامل معهم بيعًا وشراءً، وعدم العمل في مشروعاتهم الاستثماريةوخدمة السائحين.
٤- مقاطعة اليهود ثقافيًّا وذلك بمقاطعة الصحافة والصحفيين، والكتب والمناهج والبرامج الإعلامية.
وأخيرا دعا المؤتمر المسلمين جميعًا أن يتقوا الله- عز وجل- وأن يتمسكوا بكتابه وسنة رسوله؛ فذلك هو طريق النصر وسبيل العزة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾
۲- الفتنة الطائفية: بدأت الفتنة الطائفية بطعن اثنين من مسلمي المنيا، وهما في الطريق إلى المسجد من قبل مجموعة من النصارى، وعندما تجمع المسلمون «أهالي المصابين» رفع النصارى الأسلحة النارية غير القابلة للترخيص- كالرشاشات والمدافع الآلية- من فوق أسطح المنازل؛ فقتل أخ مسلم، وأصيب آخرون، منهم أطفال ونساء، وأحاطت قوات الأمن بالمكان، وتقدمت إلى ميليشيا النصارى الموجودة، وضبط السلاح غير المرخص، وكمية ضخمة من الذخيرة لدى النصارى.
وفي اليوم التالي صرح مدير أمن المنيا أنه تم ضبط سيارة نقل محملة بالسلاح الآلي- وهي تدخل محافظة المنيا- في طريقها إلى شعب الكنيسة، ثم تجمع نصارى بعض العزب لاستعراض القوة على المسلمين، لولا تدخل البوليس لفض تجمعهم، ولكن الموقف تحول وتغير، أذ طلب وزير الداخلية من الأخ حلمي الجزار- أمير الجماعات الإسلامية في مصر- بأن تعمل الجماعة على تهدئة الأهالي، على أن يتم الإفراج عن المسلمين المعتقلين في أحداث أسيوط قبل ذلك.. كل ذلك لإرضاء خواطر النصارى بالمنيا، مما أدى إلى حدوث اشتباك بين الأهالي وقوات الأمن المتهاونة مع النصارى المتحاملة على المسلمين، واستعمل الأمن أسوأ أساليب التعذيب والسفاهة مع الإخوة المقبوض عليهم، كنتف اللحية، والتعريض للجوع والعطش لمدة يومين، وضربهم ضربًا شديدًا.
وقد قام الأهالي بحرق سيارة بوليس، وأحاطوا الأحياء بالنيران؛ ليدرأوا عن أنفسهم الهجمات المتتالية لفرق الأمن المركزي، وتحولت كفة البوليس إلى تواطؤ معلن مع النصارى المعتدين، إلى أن بدأ الهدوء يعود بعد نزول الأخ محيي الدين- أمير الجماعة الإسلامية بالمنيا- إلى الأهالي، ودعاهم إلى الهدوء وحسم الفتنة التي أرادها النصارى، وبدأ الإفراج عن المسلمين المعتقلين مساء الجمعة ١١ /٤/١٩٨٠ بناء على الاتفاق بين وزير الداخلية وأمير الجماعات الإسلامية حلمي الجزار.
ويطل يوم السبت ١٢/٤/١٩٨٠ بأحداث غريبة وقرارات عجيبة، ففي الوقت الذي يعود فيه رئيس الجمهورية من البيت الأبيض، وبعد كل ما حدث من النصارى في أمريكا من مظاهرات ومنشورات معادية للرئيس.. ومن سب ولافتات مكتوب عليها «لا مرحبا بالسادات»، وما أعقب ذلك من تطاول على الإسلام والمسلمين.. في هذا الوقت تلغى قرارات وزیر الداخلية المتفق عليها، ويلقى القبض على الأخ محيي الدين أحمد عيسى- أمير الجماعة الإسلامية بالمنيا- ويصدر أمر بالقبض العام على الجماعة الإسلامية، وينتشر الذعر بين المسلمين بانتشار قوات الاحتلال البوليسية في كل مكان، وفرض حظر التجول في بعض المناطق، وحملات التفتيش المكثفة، والإهانة للمسلمين حتى الصبية منهم، ثم يصدر الأمر إلى نيابة أسيوط بالقبض على جماعة أسيوط، أو على قيادات الجماعة الإسلامية فيها!!
ثم يصدر الأمر بوقف الدراسة في الجامعات دون أسباب!! ويكثر التساؤل.. لماذا تغيرت الأمور بهذا الشكل، وازدادت حملات الإرهاب بعد عودة الرئيس من البيت الأبيض؟؟؟ أم هو الضغط الصليبي الأمريكي لضرب الحركات الإسلامية في مصر كما جاء في وثيقة ريتشارد ميتشيل؟؟؟!!!
ثم نتساءل: إلى متى يظل هذا الحال؟ النصارى يضربون، ويتظاهرون، ويتطاولون، ويأتيهم السلاح علنًا عن طريق محافظ جنوب سيناء النصراني، ولا قانون يردع، والمسلمون يهانون، ويرهبون، ويمنعون من حيازة مطواة في بيوتهم، وليس لهم في القانون إلا السجون!!
٣- استقبال الشاه: أما موقف الجماعة الإسلامية من استقبال شاه إيران المخلوع فقد حدث ما يلي:
- أصدرت الجماعة الإسلامية بالقاهرة بيانًا بعنوان «لا مرحبًا بالشاه السفاح» عددت فيه جرائم الشاه.
- عقدت الجماعة الإسلامية مؤتمرًا إسلاميًّا ضخمًا، ومسيرة طافت بطرقات جامعة القاهرة، رغم المحاولات المتعددة من إدارة الجامعة لمنع هذا المؤتمر.
- أعلنت الجماعة الإسلامية عن مؤتمر إسلامي شعبي كبير عشية الجمعة ٢٨/٣/١٩٨٠ بمسجد ناصر بأسيوط، بدأ بعد صلاة العشاء، وحضره ما بين «١٠-١٥» ألفًا من المسلمين، ثم بعد المؤتمر تم الإعلان عن مسيرة سلمية، إلا أن رجال الأمن هاجموا المتظاهرين بقنابل مسيلة للدموع وبغزارة، ثم أطلقوا عليهم الرصاص بكثافة، مما أسفر عن مقتل شاب وسقوط العشرات جرحي، وكان أن أصدرت الجماعة الإسلامية بيانًا استنكرت فيه جبروت السلطة وبطشها بالمسلمين من أبناء مصر المسلمة، كل ذلك لأنهم رفضوا استقبال الشاه المخلوع سفاح القرن العشرين.
وحينما أرادت جموع المسلمين تشييع جنازة أخيهم الذي استشهد بالأمس في المسيرة السلمية، فوجئ المشيعون بقوات الأمن تقتحم المستشفى الموجود فيه الجثة، وتضرب المسلمين، وتفجر القنابل المسيلة للدموع في المستشفى، بل تصل بهم الوقاحة إلى سرقة جثمان الشهيد بلا احترام للجنازة، ولا مراعاة لحرمة الموت.
ثم يقول بيان الجماعة الإسلامية: «كل هذا والقوم يزعمون أنهم يحملون شعار الإسلام، ويحمون الشاه المخلوع رحمة به، تلك الرحمة التي يدعون أنهم استمدوها من الإسلام».
ولكننا نقول لهم:
- أترحمون الشاه المخلوع الذي قتل آلافًا من شعبه، ونهب أمواله، وأفسد أحواله، ولا ترحمون إخوانكم وأبناءكم وفلذات أكبادكم؟!!! عجبًا لكم.
- أتريدون معالجة الشاه المريض بدعوى الإنسانية- أو هكذا تدعون- وتقدمون نفسًا مسلمة قربانًا لمجيئه إلى مصر؟!
- أين ذهبت الإنسانية من قلوبكم لما أطلقتم قنابلكم ورصاصاتكم على أناس أبرياء؟!
- هل القاتل يُحمى والبريء يقتل؟؟ هل السفاح يرحم والمدافع عن الحق يظلم؟! هل المفسد في الأرض يطلق سراحه وأصحاب الحق يقبض عليهم!؟
ولكننا نذكركم بقول الله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 8) ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾. (الطارق: 15- 17)