العنوان رسالة من «الإخوان المسلمين» إلى الرئيس حسني مبارك
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-مارس-1987
مشاهدات 65
نشر في العدد 810
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 24-مارس-1987
محمد حامد أبو النصر يطالب بـ:
• سرعة تقنين أحكام الشريعة الإسلامية وتحريم
ما يخالف روح الإسلام.
•
اتباع سياسة حاسمة مع العدو الإسرائيلي المغتصب.
•
عدم دخول مصر في أية أحلاف أجـنـبـية، وعدم منح أية تسهيلات للدول
الكبرى.
•
هذه ملاحظاتنا في مجال السياسة الخارجية والسياسة الداخلية.
•
الدول الكبرى تخرق مبادئ القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان.
•
لابد من اتباع سياسة حاسمة مع إسرائيل ورفع كفاءة القوات المسلحة
المصرية.
•
المطلوب إصلاح التعليم في مصر من أجل أن يصل إلى مستوى عالمي.
•
لو اتجهت الدولة إلى الإسلام الصحيح واستعاد الشعب ثقته بنفسه فإنه
سيفعل المعجزات وسيقهر كل العقبات.
•
المرشد العام للإخوان المسلمين يخاطب مبارك: سيادة الرئيس.. إسرائيل
تعتدي وتعربد وأميركا تساعدها!
أرسل الأستاذ محمد حامد أبو النصر المرشد العام للإخوان المسلمين رسالة إلى الرئيس
حسني مبارك ضمنها رأي الإخوان المسلمين في بعض القضايا الداخلية والخارجية، قال المرشد
العام في رسالته التي تسلمها مدير مكتب الرئيس في نوفمبر الماضي: «في هذه الظروف العصيبة
التي يمر بها الوطن العزيز، خارجيًا وداخليًا، أود أن أبعث إلى سيادتكم بما يجول في
خاطري، وما يجيش في صدري وفاء لحق الأمانة التي كلفنا الله بها، وقيامًا بحق أمتنا
ووطننا، وآمل يا سيادة الرئيس أن تقع منكم هذه الرسالة موقع الرضا والقبول والعناية،
فوالله إنها لذو روح صافية ونبع عاطفة صادقة نحو الدين والوطن، والله يعلم أننا لا
نبتغي بها إلا رضاه سبحانه وتعالى، ثم مصلحة الوطن المفدى.. وفيما يلي نص الرسالة:
السيد الرئيس/ محمد حسني مبارك رئيس جمهورية مصر العربية.
تحية من عند الله طيبة مباركة، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته وبعد:
إن المراقب لما يجري على ساحة المجتمع الدولي الآن لا يسعه إلا أن يسجل بعض الملاحظات
الهامة:
أولًا: خرق معظم الدول- وخاصة الدولتان العظميان- خرقًا متكررًا ومتعمدًا لمبادئ
القانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة ولمبادئ حقوق الإنسان وللمعاهدات الدولية، الأمر
الذي ينبئ عن تدني مستوى العلاقات الدولية وتنكر معظم الدول لمبادئ العدالة الإنسانية.
ولا أدل على ذلك من جانب الولايات- المتحدة الأميركية مما يلي:
1- قيام الولايات المتحدة بالعدوان على الطائرة المدنية المصرية وهي
تحلق في المجال الدولي وإرغامها على الهبوط في إيطاليا.
2- قيام الولايات المتحدة بالعدوان المسلح المباشر على لبنان وليبيا.
3- سماح أميركا لإسرائيل بالعدوان على تونس، والدفاع عن هذا العدوان
في المحاكم الدولية.
4- استخدام أميركا المستمر لحق «الفيتو» لصالح إسرائيل وتعطيلها بذلك
مهمة مجلس الأمن في حفظ السلام العالمي.
5- تدخل الولايات المتحدة الأميركية السافر في الشؤون الداخلية لعدة
دول في العالم، الأمر الذي لا يحتاج إلى دليل أو برهان بعد اعتراف الصحف والإذاعات
الأميركية نفسها بذلك.
أما عن جانب الاتحاد السوفياتي فلا أدل على خرقه للقوانين والمواثيق والمعاهدات
الدولية مما يلي:
1- قيام الاتحاد السوفياتي بالعدوان المسلح على شعب أفغانستان ولا يجدي
في ذلك موافقة حكومة كابول، فهي حكومة يعلم الاتحاد السوفياتي نفسه أنها حكومة غير
شرعية، ولا تمثل الشعب الأفغاني في قليل أو كثير.
2-
قيام الاتحاد السوفياتي والدول التي تدور في فلكه، باضطهاد المسلمين المقيمين فيها
وإجبارهم على تغيير دينهم وأسمائهم وإلا حرموا كافة الخدمات التي تقدمها الدولة، ومثال
ذلك ما يحدث في بلغاريا.
3- تدخل الاتحاد السوفياتي في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وخاصة النامية،
وإمداده للأحزاب والمجتمعات الشيوعية بالمعلومات والمال والسلاح كما حدث في أفغانستان
واليمن الجنوبي.
ثانيًا: إشعال الحروب في عدة أنحاء من الوطن العربي والإسلامي- ومصر في سويدائه-
فالحرب مشتعلة في أفغانستان وبين العراق وإيران، وفي لبنان، وتكاد تشتعل في السودان،
وتوشك أن تعود للاشتعال بين شطري اليمن فضلًا عما ابتلى به الشمال الإفريقي من فتن
وحروب ومنازعات من القذافي وجبهة الصحراء بين المغرب والجزائر... إلخ.
ثالثًا: طغيان العدوان الإسرائيلي على الدول العربية والإسلامية، ففي هذا الجو
المكفهر، عربدت إسرائيل في المنطقة، ومارست العدوان المسلح- ولم تزل- على لبنان الذي
لم تخرج منه حتى الآن، رغم خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية منه، وهي التي اتخذت
إسرائيل من وجودها ذريعة لشن الحرب، وقامت إسرائيل بالعدوان المسلح على تونس، وقتلت
مئات المدنيين الأبرياء، كما قامت سلفًا بالعدوان المسلح على العراق وضرب المفاعل النووي
بها، كما قامت إسرائيل أيضًا بالعدوان المسلح على طائرة مدنية عربية، وهي تحلق في المجال
الدولي وإرغامها على الهبوط في إسرائيل، وأخيرًا، وقد أعلنت إسرائيل رفضها التوقيع
على معاهدة منع استخدام الأسلحة الذرية.
استنزاف موارد المنطقة
رابعًا: من الملاحظات الهامة أيضًا على ساحة المجتمع الدولي وجود ضغط اقتصادي
من الدول الكبرى وصندوق النقد الدولي على الدول العربية والإسلامية، ولا أدل على ذلك
من التواطؤ العالمي على هبوط أسعار النفط، والتراخي المتعمد في إنهاء الحرب العراقية
الإيرانية، التي استمرت لأكثر من ست سنوات، الأمر الذي يهدف إلى استنزاف ثروات المنطقة
وتعطيل مسيراتها نحو التنمية والازدهار.
كل هذه الملاحظات تقطع- يا سيادة الرئيس- بأن المنطقة العربية تخضع لمخطط استعماري
رهيب سياسي وعسكري واقتصادي، وتنم عن نوايا الدول الكبرى ورغبتها في التدخل في شؤون
المنطقة والاستمرار في سياسة الغزو واستخدام القوة لالتهامها.
ومن هنا يستشعر كل مسلم غيور، خطرًا داهمًا على الأمة الإسلامية والعربية بصفة
عامة، وعلى وطننا بصفة خاصة، فهو قلبها الخافق، وأمنه من أمنها وسلامته من سلامتها
والعكس صحيح.
لهذا يقتضينا الواجب الديني والوطني أن نتقدم لسيادتكم ببعض المقترحات رجاء أن
تجدوا فيها ما ينفع الأمة في حاضرها ومستقبلها:
أولًا: عدم الدخول في أي تحالف عسكري تحت أي اسم، وعدم منح تسهيلات عسكرية لأية
دولة من الدول، لما لذلك من أخطار ما حقة لا تخفى على سيادتكم.
ثانيًا: عدم التورط في أي حرب إقليمية عربية أو غير عربية، فمن الميسور أن تبدأ
الحرب، ولكنّ من العسير انتهاءها وحسبنا تجربة اليمن في الماضي والعراق حاليًا.
ثالثًا: العمل على تحقيق التضامن العربي والإسلامي بأسرع ما يمكن وتصفية كافة
الخلافات بين الدول العربية والإسلامية وإنهاء الحروب المشتعلة في المنطقة.
رابعًا: استغلال الفترة الحالية لرفع الكفاءة العسكرية للقوات المسلحة العزيزة
في جميع المجالات واستكمال وإنشاء الصناعات العسكرية مع الاهتمام ببث روح الجهاد وروح
الرجولة والجد بين أفراد الشعب على جميع المستويات.
خامسًا: اتباع سياسة حاسمة مع إسرائيل تقوم على الحذر الشديد واليقظة التامة.
إسرائيل لا تريد السلام
هذا إجمالًا واسمح لي هنا- يا سيادة الرئيس- ببعض التفصيل:
أ -أعتقد- يا سيادة الرئيس- اعتقادًا جازمًا بأن إسرائيل لا تريد السلام وجميع
تصرفاتها، وقد ذكرت بعضها سلفًا تؤكد ذلك، وهي لم تزل عاملة بجد على تحقيق أملها في
أن تكون دولتها من النيل إلى الفرات، وأغلب الظن أنها ستفتت العالم العربي والإسلامي
دولة دولة على غرار ما فعلت في لبنان ثم تعود إلى مصر لتنفرد بها وتصفى معها الحساب.
ب- لذا، فإنه يجب علينا أن نحرص
تمام الحرص على أن تخرج إسرائيل من لبنان خاسرة؛ حتى يكون ذلك درسًا لها ولا تحاول
أن تكرر هذه المغامرة مرة أخرى.
ج- كما ينبغي علينا أيضًا أن نجمد كل تعامل مع إسرائيل، وخاصة في مجال السياحة
والتجارة، وأن نلغي- حماية للجبهة الداخلية- القانون الخاص بحق الأجانب غير العرب في
تملك المساكن، فالمستفيد الأكبر من هذا القانون هم الإسرائيليون، وإذا كانت إسرائيل
لم تخلص للولايات المتحدة الأميركية وهي ربيبتها وتقوم عليها كما كشفت عن ذلك القضايا
الأخيرة في الولايات المتحدة نفسها.. فهل ننتظر منها هنا إخلاصًا أو شرفًا في المعاملة؟
د- وأخيرًا، فإنه ينبغي علينا أن نصر إصرارًا لا تفريط فيه ولا مساومة معه، على
ضرورة اعتراف إسرائيل بحق تقرير المصير للفلسطينيين حتى يقيموا دولة مستقلة على ترابهم
الوطني، عاصمتها القدس، وينبغي أن نحرص تمام الحرص ألا يضيع هذا المطلب أي تزيد أو
تشدد، فهو حق طبيعي وشرعي لكل أمة، ولكنه في الوقت نفسه هام وجوهري لنا للأسباب الآتية:
لابد من عودة المسجد الأقصى
1- المسلمون في الوطن بل وفي مشارق الأرض ومغاربها بحكم عقيدتهم الدينية
تهفو أفئدتهم إلى المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (الإسراء:1) ولن يرضى المسلمون بأية حال من الأحوال
عن أي حل للقضية الفلسطينية لا يؤدي إلى عودة المسجد الأقصى إلى رحاب دولة إسلامية،
مهما كانت الأسباب ومهما كانت النتائج، خاصة بعد أن حاولت إسرائيل عدة مرات هدم المسجد
دون أدنى اعتبار لمشاعر المسلمين الدينية في كافة أرجاء العالم.
2- إن أمن مصر- يا سيادة الرئيس- مرتبط تمام الارتباط بأمن فلسطين،
ولم تغز مصر معظم الأحيان إلا عبر حدودها الشرقية، فمن مصلحة الوطن وجود دولة شقيقة
تتعاون مع مصر في البأساء والضراء.
3- إن الأشقاء الفلسطينيين القابعين تحت الاحتلال الإسرائيلي المعذبين
في الأرض بلا ذنب أو جريرة يتطلعون إلى يوم الخلاص من أي حكم أجنبي، وترنو أبصارهم
إلى مصر حامية الدول العربية والإسلامية على مدى القرون والأجيال لتمد لهم طوق النجاة
وترفع عن كاهلهم نير الظلم، خاصة أن قطاع غزة كان وديعة في أيدينا ولابد يومًا أن ترد
الودائع.
4- الإصرار على عودة الإشراف المصري على جميع الأماكن المقدسة عند إخواننا
الأقباط خاصة دير السلطان.
هذه يا سيادة الرئيس هي بعض المقترحات في مجال السياسة الخارجية نضعها أمام أنظاركم،
أما في مجال السياسة الداخلية فأود هنا أن أعرض على سيادتكم بعض الحقائق.
الصحوة الإسلامية في مصر
أولًا: إن مصر هي زعيمة العالم الإسلامي وحاميته على مدى القرون، ومنارته عبر
الأجيال.. بها يهتدون، ومنها يستمدون، وفي أزهرها الشريف يتعلمون أسمى المعارف وأرقى
العلوم وإن المصريين القدماء كانوا يؤمنون بالدين ويقدسون شعائره، قامت حضارتهم القديمة
منذ أكثر من سبعة آلاف عام مضت.
ثم أصبح المصريون في تاريخهم الحديث حماة الأمة الإسلامية والخلافة الإسلامية
ومهبط آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.. إن الصحوة الإسلامية التي تشهدها مصر
الآن ليست نتوءًا في تاريخنا، بل هي تعبيرٌ صادقٌ من صميم وجدانها ومكنون مشاعرها..
أدركت هذا يا سيادة الرئيس منذ أكثر من خمسين عامًا مضت، رغم أن الاستعمار وأدواته
من المبشرين والمستشرقين كانوا يشيعون عكس هذا، بالنشر والتربية والثقافة والتعليم
وسائر أنشطة الحياة لكن الشعب المصري ضرب بآرائهم عُرْضَ الحائط، وأثبتت الأيام إصرار
الشعب على الاحتفاظ بجوهره، وأصالته، ووفائه لدينه، وعقيدته.
ثانيًا: وأعتقد يا سيادة الرئيس إذا أعملنا نص المادة الثانية من الدستور، فإننا
سنجد في ظل مبادئ الشريعة الإسلامية الغراء وفي ضوء الإسلام الحنيف، أفضل الحلول وأعدلها
لكل مشكلة من المشاكل المعاصرة ليست هذه عبارة تمليها العاطفة الدينية فقط، وإنما هي
حقيقة يقررها المنطق المجرد ويؤيدها الباحثون العدول في الشرق والغرب وعلى أعلى المستويات،
ولا استطرد في تفصيل ذلك وحسبي أن أعرض بإيجاز للأزمة الاقتصادية التي تعاني منها مصر
حاليًا.
إن هذه الأزمة لا تعود كما يصورها البعض إلى عدم الاستقرار، فالأوضاع ولله الحمد
مستقرة ولا تعود أيضًا- كما يذكر آخرون- إلى زيادة نسبة معدل السكان عن نسبة الزيادة
في الناتج القومي؛ لأن المفروض أن زيادة الأيدي العاملة، وهي عنصر هام من عناصر الإنتاج،
تؤدي إلى زيادة الإنتاج لو أحسن توجيهها، والاستفادة منها ولم تترك لتكون مجرد أفواه
فاغرة وأمعاء خاوية تطلب الطعام صباح مساء.
الأزمة الاقتصادية أزمة أخلاقية أولًا
وإنما الأزمة في جوهرها أزمة أخلاقية، فقد تحول معظم المنتجين- مع التدني الشديد
في مستوى الفضائل وتدهور الأخلاق- عن الإنتاج المثمر الذي وجدوا الطريق إليه صعبًا،
وأصيب المنتجون الشرفاء نتيجة لذلك بأزمة ثقة في جدوى العمل الشريف، وعائده عليهم،
وهكذا قل الإنتاج، بينما تدور عجلة الاستهلاك فتفاقمت الأزمة فضلًا عن اضطراب السياسة
الاقتصادية وكثرة تغيير القوانين المؤثرة في الأوضاع الاقتصادية ناهيك عن الربا وأثره
سواء في القروض الخارجية أو الاقتصاد الداخلي.
هذه هي الحقيقة التي لا مناص من تقريرها، والتي تؤيدها كل الشواهد والبراهين،
وحسبنا في ذلك تحقيقات المدعي الاشتراكي وحيثيات الأحكام الصادرة من محكمة القيم، والتي
نرجو أن تكون موضع عناية ودراسة لنصل معًا إلى هذه الحقيقة وهي أساس الداء ومصدر البلاء.
ومهما حاولت الحكومة أن تضع الخطط وأن ترسم المناهج وأن تبذل من جهود فلن يؤدي
ذلك إلى تقدم كبير، طالما أن عنصر الأخلاق مفقود في عامة الأمة سواء مع الأسف الأجهزة
الحكومية أو الشعبية فلا نهضة بغير خلق وصدق الله العظيم ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ
لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا
بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال:53).
السيد الرئيس:
إننا إذا نشدنا الخلق الفاضل والمثل العليا لنقيم عليها نهضة الوطن وسعادة الأمة
فلابد من الدين فلا خلق بغير دين، والأخلاق هي رسالة الأنبياء عليهم السلام، وصدق رسول
الله صلى الله عليه وسلم «إنما بُعِثتُ لأُتَمِّمَ مكارم الأخْلاقِ» (أحمد:8939) ورسول
الله عليه وسلم صلى الله وهو المثل الكامل للخلق الفاضل وصدق الله تعالى حيث يقول:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:4) والدين وحده هو الذي يقيم في الفرد
الأخلاق الفاضلة، على أقوى الأسس وأرسخ الدعائم؛ لأن الفرد قد يخالف قواعد التربية
التي نشأ عليها، وقد يخالف عرف المجتمع الذي ترعرع فيه، وقد يخالف حكم القانون الذي
يسود هذا المجتمع، قد يفعل ذلك ما دام يستطيع أن يهرب من عقاب هؤلاء جميعًا، ولكن إذا
آمن بالله سبحانه وتعالى وبثوابه وعقابه وبمقدرته جل وعلا ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ
وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (غافر:19) فأين يهرب من صدى هذه العقيدة في نفسه التي بين
جنبيه.. إن صداها قد يكون أشد ألمًا من كل جزاء أدبي أو اجتماعي أو قانوني وصدق الله
العظيم إذ يقول: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾
(القيامة:14-15) وأين يهرب بعد ذلك من عقاب الله في الدنيا والآخرة؟
أحكام الشريعة الإسلامية
ثالثًا: هذه الحقائق يا سيادة الرئيس تجعلنا نؤمن إيمانًا راسخًا بأنه تجاوبًا
مع روح الشعب المصري وتعبيرًا عن إرادته وهو الأصل والدولة وكيل، إعمالًا لنص المادة
الثانية من الدستور الذي أقسم الجميع على احترامه وعلاجًا للأزمات الطاحنة التي يمر
بها الوطن المفدى، وخاصة الأزمة الاقتصادية فإنه ينبغي على الدولة بكافة أجهزتها والمسؤولين
فيها أن يتوجهوا إلى مبادئ الإسلام الحنيف وشريعته الغراء، نصًا وروحًا قولًا وعملًا
تشريعًا وتطبيقًا، وهذا يقتضي الكثير من العمل، وحسبي أن أقرر هنا بعض الاقتراحات:
أ- في مجال تقنين أحكام الشريعة الإسلامية:
۱-
سرعة تقنين أحكام الشريعة الإسلامية في كافة المجالات عملًا بنص المادة
الثانية من الدستور مع تجريم كل ما يخالف روح الإسلام وشريعته الغراء.
٢- العمل على دعم
جميع الأجهزة الحكومية، العاملة في حقل الدعوة الإسلامية وتيسير وسائل الأعلام لها
من إذاعة وصحف وتلفاز، حتى تسري روح الشريعة ومقاصدها النبيلة في الأمة وتواكب تقنينها.
٣- إطلاق حرية جميع
الأفراد والهيئات والجماعات العاملة في حقل الدعوة الإسلامية حتى تقوم بواجب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وحتى تؤدي دورها في تربية أفراد الشعب على مبادئ الإسلام
وتعاليم القرآن.
قيود على الحريات العامة
إن القيود المتعددة التي فرضت على الحريات العامة لتثقل كاهل الأفراد وتفقدهم
الإحساس بالطمأنينة والأمان وتنتقص بشدة من حقوقهم المشروعة في إبداء الرأي وتشكيل
الأحزاب والجماعات وفي إصدار الصحف والمجلات والنشرات، وتكاد تمنع منعًا باتًا الاجتماعات
العامة، كما أن ما أضيف إليها من قيود أخرى كثيرة بإعلان حالة الطوارئ لأكثر من خمس
سنوات، دون مبرر أو ضرورة ملجئة، كل ذلك قد أعاق إلى حد كبير حركة التطور الديمقراطي،
وحرم أبناء هذه الأمة من حقوق أصيلة لهم قررتها الشريعة الغراء وتضمنتها الوثائق العالمية
وفي مقدمتها وثيقة حقوق الإنسان ونص عليها الدستور.
واضمحلت بذلك فرص ظهور الكفاءات من أبناء هذا الشعب المعطاء وهم بحمد الله كثر،
لو فتحت أبواب الحريات لبرزوا وعرفوا وأفادوا بعلمهم وعملهم ونتاج أفكارهم، كما أنه
بلا شك فإن هذه القيود والعراقيل تلقى ظلالًا قاتمة على صورة مصرنا الحبيبة، مما ينفر
المستثمر الداخلي والخارجي على حد سواء ويؤثر تأثيرًا سيئًا على الحالة الاقتصادية
التي نحن في أشد الحاجة إلى دفع عجلة سيرها بكل قوة وجهد..
وبالإضافة إلى ما تقدم، فقد أعطت هذه القيود الفرصة لمن أساء استعمالها والوقوع
في أعمال شاذة منحرفة، يأباها العدل ويلفظها الضمير، ويكفي الإشارة إلى اعتقال العديد
من الأبرياء دون اتهامات محددة أو أدلة مبررة، بل ورغم صدور الأحكام ببراءتهم وإطلاق
سراحهم، كما لابد من الإشارة إلى إدانة القضاء لأعداد كبيرة من رجال الشرطة بارتكاب
جرائم تعذيب المسجونين والمعتقلين.
وإني لأهيب بكم يا سيادة الرئيس أن تبادروا مشكورين مأجورين من الله تعالى ومن
جميع أبناء هذه الأمة الشرفاء إلى إلغاء حالة الطوارئ، وكذلك تلكم القوانين التي اتفق
الجميع على الإشارة إليها بأنها القوانين سيئة السمعة.
ب- يجب أن تحرص الحكومة وكافة المسؤولين
بها على أن يكونوا قدوة حسنة للاستمساك بتعاليم الإسلام في كل التصرفات الشخصية حتى
يتوافر المظهر الإسلامي الكريم لدولة عريقة تحكمها الشريعة الغراء وهذا يقتضي:
الحكومة يجب أن تكون قدوة
1- أن تكون تصرفات الوزراء وكبار المسؤولين في الدولة متفقة مع روح
القانون الذي يحكمها والشريعة التي تطبقها، وهي الشريعة الإسلامية، فهم من الأمة بمثابة
الرأس من الجسد وأعضاؤها قدوة، والناس لهم تبع ولن يستقيم الظل والعود أعوج.
2- أن تحرص الدولة على توفير الوقت اللازم لأداء الفرائض الإسلامية
في جميع مؤسساتها وخاصة الصلاة، فليس أشق على نفس المسلم من أن يحرم من أداء صلاته
في وقتها، وليس أشق عليه من أن يسمع من أن اجتماعًا يقام وقت صلاة الجمعة، أو أن حفلًا
رسميًا يمتد من قبيل المغرب إلى ما بعد العشاء، أو أن يجتمع قوم على إهدار فريضة من
فرائض الله في غير ضرورة ولا حاجة ملحة.
3- ألا يفرق قانون
العاملين في الدولة بين التصرفات الشخصية والناحية الإدارية فينبغي أن يؤاخذ كل مسؤول
في الدولة عن تصرفاته الشخصية إذا تعارضت مع أحكام الإسلام.
4-
أن توفر الدولة لجميع العاملين الكفاية في أجورهم والعدل فيما بينهم.
جـ - لابد أن تستمد كافة منابع الثقافة في الأمة من روح الإسلام الحنيف وهذا
يقتضي:
1- إصلاح التعليم،
فينبغي أن يتوحد التعليم في مصر حتى تتقارب ثقافات أبناء الوطن الواحد، ولابد أن يكون
التعليم في مستوى عالمي، يحفظ للأجيال المصرية قدرًا من العلم لا يقل بحال عن أندادهم
في الدول الأخرى. ولابد أن يكون التعليم تعليمًا قوميًا لا يضيع معه تراث الوطن وتاريخ
الأمة، ولا تطغى عليه الثقافات الأجنبية كل هذا مع الحرص التام على تدريس المواد الدينية،
في كافة مراحل التعليم كل بما يناسبها بالقدر الذي ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يعلمه
من أمور دينه، وأيضًا فإنه ينبغي العناية والتربية والسلوك والعمل حتى يشب النشء على
مبادئ الأخلاق الفاضلة الكريمة.
2- ترشيد وسائل الأعلام- الصحف والمجلات والمطبوعات والإذاعة والتلفاز
والمسرح وأدوات العرض «سينما- فيديو»- فلا ينبغي أن ينشر أو يذاع ما يخالف روح الإسلام
أو ما يؤدي إلى إهدار الأخلاق وهدم القيم وثلم المثل العليا.
3- يجب أن تحرص الدولة على توفير أماكن ووسائل
التربية الرياضية للشباب، على مستوى عواصم المحافظات والمراكز والقرى مع الحرص أن تسود
هذه النوادي والمعسكرات روح الإسلام الحنيف، كما يجب أن تحرص الدولة على تيسير وسائل
وأماكن السياحة الترفيهية بشكل لا يتعارض مع آداب الإسلام حتى تجد الأسر المسلمة مجالًا
نظيفًا يروحون فيه عن أنفسهم وعن أسرهم.
للمرأة دور هام أيضًا
السيد الرئيس:
بقي بعد هذا أمران، أود أن أنوه إليهما:
الأول بخصوص إصلاح شؤون المرأة المصرية فإنني أعتقد أن للمرأة دورًا هامًا، في
نهضة أمتنا ومستقبل بلادنا، فهي نصف المجتمع، وتحت رعايتها وعنايتها ينشأ المجتمع كله
وعلى قدر توفيقها في تربية أطفالها يتوقف الكثير من مستقبل هذا الوطن العزيز.
ولذا: فنحن نريد للمرأة عناية خاصة في تعليمها مما يجعلها قادرة على العناية
بأطفالها من الناحية الثقافية والصحية والأخلاقية ومن شب على شيء شاب عليه.
ونريد لها إسهامًا في رقي المجتمع وعملًا في المجالات التي تتناسب مع طبيعتها
ومع قدراتها لخدمة غيرها من بنات جنسها.
ونريد بعد ذلك للمرأة زواجًا صالحًا يبنى على الأصول الشرعية، وقوانين الشريعة
العادلة، التي حفظت لكل طرف من أطراف عقد الزواج حقه كاملًا غير منقوص، ولا يستطيع
المقنن أن يخالف قواعد هذه الشريعة فنحلل حرامًا ونحرم حلالًا. وتريد بعد ذلك دورًا
لرعاية المرأة توفر لها حماية قوية في أية أزمة تعرض لها من الأزمات حفظًا لكرامتها
وشرفها في كافة المجالات العامة ووسائل المواصلات.
والأقباط!
والأمر الثاني بخصوص المواطنين من الأقباط:
فلا أعتقد- يا سيادة الرئيس- أن في هذه المقترحات السالفة الذكر ما يمس الإخوة
المواطنين المسيحيين بسوء، فلا نعرض لأي أمر من أمور عقيدتهم أو دينهم، وقد عاش الأقباط
مع المسلمين قرونًا عديدة فلم يروا إلا العدل الكامل والإنصاف الشامل، ولا تزال كلمة
الخليفة الثاني لأميره على مصر، مدوية في الآذان مرددة على كل لسان: «یا عمرو، متى
استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!» وليس بغريب على النظام الإسلامي والأمة
الإسلامية التي يعلمها كتاب ربها فيقول:
﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ
فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا
إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة:
٨)
يا سيادة الرئيس:
في يقيني أن الشعب المصري ليس عاجزًا أو ضعيفًا، عن أن يوفر لنفسه كل ما يلزمه،
وأعتقد أنه لو اتجهت الدولة إلى الإسلام الصحيح، وامتنعت مظاهر التسيب وفساد الخلق،
واستعاد الشعب ثقته في نفسه، وأقبل على العمل بروح إسلامية جديدة فإنه سيفعل المعجزات
وسيقهر كل العقبات ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٢١) والله أسأل أن يأخذ بأيدينا جميعًا إلى خير ما يحبه
ويرضاه، وأن يوفق أمتنا إلى صراطه المستقيم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد حامد أبو النصر
المرشد العام للإخوان المسلمين
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل