العنوان رفقًا بنا وبشبابنا يا تلفزيون
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1988
مشاهدات 79
نشر في العدد 856
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 01-مارس-1988
السيد مدير
تلفزيون الكويت المحترم
تحية طيبة وبعد،
لقد سمعت عنك
الكثير، ثناءً على صدق توجهك لتغيير كل ما هو ضار من برامج التلفزيون. هذا الخُلق
الذي فيك يزيد من مسؤوليتنا في الإصلاح والنصح والتعاون فيما بيننا للارتقاء
ببرامج التلفزيون بما يتناسب وقيم هذا المجتمع المحافظ وعاداته وتقاليده الأصيلة
المستمدة من ديننا الحنيف، ولحفظ جيل الشباب، رجال المستقبل، من الانهيار في حمأة
التقليد اللاواعي لكل ما هو مستورد، وانعدام الشعور بمصلحة هذا الوطن وحمايته من
الأضرار الداخلية والخارجية.
أخي العزيز: لقد
لاحظ الكثير في الآونة الأخيرة تغيرًا واضحًا في برامج التلفزيون من حيث الكم
والكيف، الأمر الذي جعلنا نخشى أن يؤثر هذا النوع من التغيير على المسيرة التربوية
التي تتبناها الكثير من المؤسسات في هذا الوطن، وعلى رأسها الجهاز الذي أمر
بتكوينه صاحب السمو أمير البلاد لدراسة مشكلات الشباب، ووضع الحلول الناجعة لإنقاذ
الشباب مما هم مقبلون عليه من الانحراف.
خاصة إذا ما
وضعنا بعين الاعتبار ما دار في ندوة القبس التي شارك فيها نخبة من المتخصصين في
مجال التربية، والتي دار النقاش فيها عن "الانحراف: كيف، ولماذا، وإلى
أين؟" وقد ذكرت فيها السيدة نجيبة الخرافي بأن "52،1 بالمائة من مجموع
قضايا الانحراف يمثلها كويتيون." لهذا السبب ولغيره من الأسباب التابعة لهذا،
أحببنا أن نشارك بالنصح لتعديل المسار الذي أحسبه قد حاد عن الجادة التي نريد أن
يسير عليها جيل المستقبل، لعلمنا أن التلفزيون من أكبر الوسائل الإعلامية المؤثرة
في المواطن، وخاصة جيل الشباب والأحداث، والذي أثر عليهم تأثيرًا عميقًا جعل أستاذ
التاريخ الدكتور شاكر مصطفى يصفهم في زاويته "خواطر" بـ"جيل
التلفزيون" ويقول: "أما اليوم فأبناؤنا هم أبناء وسائل الإعلام التي
افترست الأسرة لدينا افتراسًا، دمرت كل مفاهيمها وآدابها. الإذاعات التي تبث مئات
الساعات في اليوم، السينما التي تفتح الأعين كلما أتى على لون من الحياة جديد،
المجلات بالأطنان وعلى الأرصفة بما تتحدث وتصور. وفوق هذا، ذلك الجهاز الشيطاني
الذي تصدر كل بيت يربي الأسرة كلها على هواه 'التلفزيون'. لقد تسلم دون المدرسة
والأسرة زمام المجتمع وشرد به، ونريد من جيل التلفزيون أن يكون ما نريد؟"
الأخ العزيز
مدير التليفزيون:
لقد عانينا نحن
العرب وما زلنا نعاني من آلام الهزائم المتتالية، والمؤامرات التي حيكت وما زالت
تحاك ضد أوطاننا، والمخططات التي تهدف للقضاء تمامًا علينا، منذ الحملات الصليبية
حتى زماننا هذا. وفي زمن الغفلة هذا الذي نعيشه، تقدم غيرنا في جميع الميادين
وتقدم أعداؤنا الذين قتلونا من قبل وما زالوا يقتلون، تقدموا في جميع الميادين إلا
ميدان الأخلاق. وعندما أردنا أن نتقدم ونقوم من كبوتنا، عفوًا من نومتنا، لم
نقلدهم بعلمهم ومخترعاتهم، بل قلدناهم بأخلاقهم وقشورهم، وخاصة جيل الشباب من
أمتنا. فكل ما يعرض في التلفزيون من أخلاق وقشور المجتمع الغربي، يؤصل في نفوس
شبابنا النوم الأبدي الذي لا صحو من بعده، ما لم نأخذ باللب منهم، ونضيف إليه
أخلاقنا الأصيلة من مصادرنا الأصيلة.
الأخ العزيز
سالم الفهد:
إن من التغيير
الذي حدث، عرضًا لكثير من هذه القشور المستوردة من حضارة الغرب، وعلى رأسها بعض
البرامج الغربية. ماذا نريد بعرض مثل هذه البرامج؟ أنريد أن نترك شخصيتنا وهويتنا
لنرتمي بأحضان الغرب؟ أنريد أن نظل تابعين لغيرنا، ذليلين وراء كل ناعق ما دام من
الغرب؟ أنريد أن نزيد من نسبة الانحراف في مجتمعنا بعرض مثل هذه النماذج؟ وسؤال
بريء أريد أن أوجهه للمسؤولين في التليفزيون، هل تعرض تليفزيونات الغرب البرامج
العربية في تليفزيوناتها بالرغم من كثرة الجالية العربية هناك؟ أم أننا نعيش في
عصر الانحطاط الذي من أبرز صفاته الذلة للغرب؟
وإن من التغيير
الذي حدث السماح للمناظر المخلة بالآداب وخاصة في القناة الثانية وزيادة المسلسلات
العربية التي لا تخرج عن إطار الحب والغرام والعشق والآهات والخيانة الزوجية
والتمرد على سلطة الوالدين إلى آخر هذه القائمة الممجوحة.
وكذلك المسلسلات
الغربية التي تشجع وتغري على الجريمة والعنف، والمغامرة في قيادة السيارات، حتى
لمحت كثيرًا من الحركات التي يقوم بها مغامرو الطرق السريعة، مقتبسة من المسلسلات
الغربية وخاصة "السيارة العجيبة" الذي كان يعرض سابقًا.
إرضاء جميع
الأذواق:
أخي العزيز: إن
العذر الذي نسمعه بين فترة وأخرى بأن هذا التغيير بسبب محاولة التلفزيون إرضاء
جميع الأذواق، عذر غير مقبول، ولا يقول به عاقل؛ إذ كيف يمكن التوفيق بين أذواق
الذين يرغبون في التمثيلية الهادفة، والرقص الماجن، والأغنية الخليعة، والبرامج
الدينية، والبرامج الثقافية، والترفيه البريء، إلا ضمن إطار محدد للذوق يقوم على
أساس قيم المجتمع ودينه وأخلاقه وتاريخه، وآماله وآلامه وتخطيطه المستقبلي وعاداته
وتقاليده الأصيلة.
أما إذا لم يوضع
هذا الإطار العام، فكيف ستكون الخلطة العجيبة، غير المتناسقة لا بالشكل ولا بالطعم
ولا بالرائحة، كما يقول المثل المصري "سمك لبن تمر هندي"؟ فلا يمكن ضمن
هذا الإطار إرضاء ذوق من الأذواق على حساب أخلاقي وقيمي وديني وعاداتي وتاريخي.
إننا لا ندعو
إلى تحويل التلفاز إلى جهاز يبث آيات القرآن الكريم ثم يعقبها أحاديث شريفة للنبي
-صلى الله عليه وسلم- ثم تمثيليات دينية وأخبار، إنما نريد أن يعرض كل شيء ينفع
المواطن ضمن هذا الإطار الذي ذكرنا، ونريد أن نعرض برامج الترفيه البريء ولكن ألا
نريدها أن تطغى على البرامج التوجيهية والعلمية والتربوية حتى تكون هي الأصل
وغيرها مجرد نوع من الديكور.
كما أن هذا لا
يعني أن التليفزيون خالٍ من البرامج التوجيهية والتربوية والعلمية والدينية،
ولكنها إذا قُيست بغيرها من البرامج التي تثير الشهوات وتؤصل الانحراف تكون نقطة
في بحر، فهل نأمل في المستقبل القريب إعادة النظر في هذا التغيير الذي حدث ومحاولة
غربلة ما لم يتناسب مع الإطار الذي اقترحناه لكي نرتقي ببرامجنا التلفزيونية إلى
الدرجة التي تحقق أهدافنا التربوية والتوجيهية لكي تساهم في صناعة الرجال الذين لن
نخاف من تسليمهم أماكننا بعد الرحيل؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل