العنوان التعليق الأسبوعي (362)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1977
مشاهدات 63
نشر في العدد 362
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 09-أغسطس-1977
رمضان تقوى وجهاد..
رمضان، شهر الصوم.. شهر القرآن.. أفضل الشهور، كل هذه نعوت لهذا الشهر الكريم إذ يطل علينا بأيامه ولياليه، يطل على أمة المسلمين لمرات تزيد على الألف فتلحقها مئات من السنين وهو هو بالوصف والصورة التي شرحها لنا سيدنا المصطفى- صلى الله عليه وسلم- فإن من صامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه وإنه أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، ذلك هو رمضان شهر طاعة ومغفرة ورحمة وإحسان وصبر وجهاد... فهو متفرد بين الشهور كأنه أزهى زهرة في باقة الزهور، ولذلك كتب لرمضان أن يعبق بعطر الخير والخوف من الله والإقدام جهادًا لرفع راية الإسلام وإعلاء كلمة الله سبحانه وغدا أبرز ما يكون لتحقيق علامات الصبر والتقوى.
• أبواب التقوى
«رأس الحكمة مخافة الله» تلك حكمة أمست شعارًا بالذات للقضاة وفي دور العدل وامتثلها الناس ميزانًا للتحاكم... وما الخوف إلا تقوى الله جل وعلا وتلك الميزة التي جاءت ثمرة للصيام، أما السر فواضح بيّن؛ ذلك أنه قد جاء في الحديث القدسي قول الله الحق تبارك وتعالى إنه قال: «الصوم لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي» فدل ذلك على أن الصوم عبادة بين العبد وربه لا يعلمها غيره سبحانه، خلاف سائر العبادات من صدقة وصلاة وحج... إلخ...
والتقوى من أخذ الوقاية احتماء باللجوء إلى الله استجابة لأمره سبحانه وتحملًا لكل المشاق في هذا الأمر لرد الفواحش والشبه ودخائل الشيطان ونزعات النفس، ذلك أن الصيام يفتح أبواب التقوى إذ تصفد الشياطين وتفتح أبواب الجنة وتكون أبواب التقوى من الصبر والدعاء وتلاوة كتاب الله والإحسان والتعاطف الزائد بين المسلمين، وهكذا فقد ارتبطت التقوى بفرضية الصيام قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، الآية (البقرة: 183)، وفي التقوى الحاثة على الصبر والإنابة إلى الله سبحانه والخوف منه تربية النفوس وتهذيب الطباع، ومتى ما رسخت حقيقة التقوى التي فسرها ابن عمر فيما يرويه البخاري بأنها «ترك ما حاك في الصدر» متى ما رسخت في النفس كان الوجل ولبس المسلم رداء الحياء من ربه وانكمش تمامًا عما يغضب ربه وكان عنده حيث أمره وابتعد عن مواطن ما نهاه.. وهكذا الخوف والوجل إحساسًا بلهيب جهنم وعظم غضب البارئ جل وعلا وتتأكد حقيقة:
فالخائف لا يُقدم!! أترى خائفًا من النار يضع يده فيها؟؟ كما يكون من أبواب التقوى رجاء الله سبحانه، فهو جل وعلا غفّار لمن تاب وآمن، وهو الذي لا يرد سائلًا صادق المسألة، أما أن يكون رافع اليدين داعيًا ربه وهو غافل عن مراد ما يريد من خالقه وربه فليس ذلك من آداب الدعاء الذي يتحقق به الرجاء، وعليه فتتعدد أبواب التقوى لأنها كما تكون خوفًا وما يلحق به كذلك تكون رجاءً وما ينتج عنه.
• خيرات وبركات
ليس من شك أن كثرة تدارس القرآن الكريم وحصول التواد والتراحم بين المسلمين والاندفاع الجاد إلى تحصيل أسباب القوة والجهاد بالصبر وتحمل المشاق، كل ذلك حادث في هذا الشهر الكريم، وما هو إلا خيرات وبركات، وهل أكثر خيرًا من تدارس القرآن فقد ثبت عن سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام قام يدارسه القرآن مرتين في رمضان، وتزيد التلاوة في رمضان لما يكون هنالك من اعتكاف وقيام أكثر مما يكون في غيره من الشهور ومعلوم ما لاعتكاف العشر الأواخر من الأجر والثواب؛ إذ فيها غفران الذنوب والحصول على درجات النعيم في الجنة كما أن فيها ليلة القدر وكل هذه الأمور تتطلب الاستزادة من التلاوة وأي فضل أعظم من تنسم عبيق نسمات الجنة التي أعدها الله للمؤمنين، وحري بالمسلم أن يتحسس هذه الأطايب ما إن صدق العزم واغتنم ساعات العبادة والدعاء وزاده اندفاعًا ما لخلوف فم الصائم من كونه أطيب عند الله من ريح المسك، ومن بركات الصيام أن سيدنا الرسول- صلى الله عليه وسلم- كان جوادًا وأكثر ما يكون منه في رمضان؛ فهو كالريح المرسلة، وكذا يجب أن يكون التراحم بين المسلمين وناهيك أن يكون من بركات شهر رمضان إعلاء شأن الجهاد وذلك لما يكون التراحم بين المسلمين وناهيك ما يكون من ضياء ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10).
• المعارك في رمضان
لعله من إنارة السبيل لهذه الأمة أن تفضل الله عليها بمنه وكرمه، فكان لها التعليم من كون أن رمضان لا يقتصر على عبادة الصلاة والقيام والإحسان، وإنما يمتد إلى أن يكون إعدادًا، فقد جاء الإعداد في قوله سبحانه ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ..﴾ (الأنفال: 60)، جاء عامًا لا محدودًا بزمن معين وشاءت قدرة الله أن يكون كثير من المعارك في رمضان، ولا يخفى على أي من المسلمين عرف أدنى شيء عن الإسلام أن المعركة الأولى والموقعة الفاصلة بين الشرك والإيمان كانت غزوة بدر؛ ولم تكن هي وحدها وحسب على امتداد العهد النبوي، ومن ثم العهود الإسلامية الزاهرة شهدت معارك حاسمة، فما كان مع سيدنا الرسول- صلى الله عليه وسلم- في تلك المعركة الكبيرة، وإن لم تبدأ في أيام رمضان وإنما استمرت إلى أيامه، فتم الرجوع من غزوة تبوك، تلك التي كانت في الحر الشديد وذات المسافة البعيدة؛ كان الرجوع في أيام رمضان، كذلك تم فتح مكة في رمضان، وهي من الغزوات ذات النصر المبين، ومما حدث في تاريخ المسلمين تلك المعركة الكبيرة التي قادها المسلمون في عهد المعتمد بن عباد في إحدى جمع رمضان لعام 479هــ، بمواجهة نصارى الإسبان في الأندلس بموقعة الزلاقة أو يوم العروبة، وهكذا تتأكد لنا صورة القتال في رمضان لما جاء من ورودها في القرآن متناسقة مع فرضية الصيام، فقوله سبحانه ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (البقرة: 183) شبيه بقوله جل وعلا ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ (البقرة: 215) وبذلك يغدو القتال عاملًا قويًا ربانا عليه الصيام.
• المؤشرات السياسية في رمضان
إن صفاء الذهن معين على التفكير الدقيق والتخطيط السليم، وقد ساعد رمضان بما يحث من زيادة الابتهال إلى الله سبحانه، ويحث على اللجوء إليه ساعد على التخطيط لكثير من المعارك، وما المغازي التي نعرفها في تاريخ المسلمين إلا خطوة من خطوات السياسة والقيادة، هذه واحدة، والثانية من خطوات القيادة ذلك الأمر الإلهي بتوقيت بدء الصيام والفطر، إذ يبدأ من طلوع الفجر الصادق حتى غروب الشمس، وهو أمر تكمن فيه وحدة المسلمين... فلو أن بلدانًا اتفقت مواقيتها على أن تصوم وتفطر في أوقات واحدة؛ ناهيك عن انقياد المسلمين بمجموعهم للمعاني العبادية في رمضان، وهذا دون شك يؤكد ما لهذا الشهر الكريم من حوافز دافعة كي ينتبه المسلمون إلى ما في هذه المعاني من هدى وإرشاد لتوحيد صفوفهم بعد أن يتفقوا على توحيد كلمتهم!، ذلك أنه كم من رمضان مر سريعًا دون أن يتعظ منه قادة المسلمين وما لم ينتبهوا من تلك الغفوة التي ألمت بهم، فإنهم لن يكونوا أحسن حالًا من ذي قبل؛ إلا أننا نأمل أن يكون رمضان بما يحمل من عظيم المعاني والعظات أن يكون إعلامًا وأذانًا دائمًا يوقظ لا الغافلين والنيام فحسب، ولكن حتى من يريدون زيادة الخير والثواب..
• خطوات إلى الأمام..
قريبًا يهل هلال رمضان، وندعو ربنا بأن يكون هلال خير ورشد إن شاء الله، لكنه يختلف عن أهلة الشهور بما يحمل من نفحات الخير العميم...
فكم هي زكية الرائحة...
وكم هي كثيرة الخير...
وكم هي منبهة للإحساس والشعور...
ذلكم هو رمضان، وتلكم عطاياه؛ فطوبى ثم طوبى لمن عرف فلزم ولمن حرص فاغتنم رجاء أن يكون ممن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا فغفر له ما تقدم من ذنبه».