العنوان «مريم» الصربية لـ«المجتمع»: رمضان فرصة لقراءة القرآن وأفضل قضاءه في «سراييفو»
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 29-أغسطس-2009
مشاهدات 63
نشر في العدد 1867
نشر في الصفحة 20
السبت 29-أغسطس-2009
في أصعب الأماكن وفي أصعب الأوقات هناك من يتجاوز الحملات المغرضة ويتحدى الدعاية المضادة للإسلام ويبصر الشمس بين الغيوم، ويلامس الحرية من وراء السدود، وواقع الصدود عن الإسلام، ويصل إلى الحقيقة من خلال الشبهات والتشكيك! «مريم الصربية» ... أحد أعلام الموسيقى (سابقًا) في غرب البلقان، وهذا ليس اسمها الحقيقي، ولكنه الاسم الذي دفعتها إليه ظروف الإقامة والوجود بين المسلمة لـ«المجتمع»: أناس أعماهم الحقد، وران على قلوبهم الجحود والكراهية للإسلام والمسلمين!
في صربيا.. لا يستطيع المسلمون الجدد إظهار إسلامهم أو ممارسة عباداتهم بحرية.. ويُضطرون لإخفاء أسمائهم.
المسلمون حاليًا في حاجة لتجديد إيمانهم.. وعندما يتحقق هذا ستتحسن أوضاعهم على مختلف المستويات.
مسجد وحيد في «بلجراد» من أصل ۲۰۰ مسجد هدمها الصرب.. رغم وجود نحو ٢٠٠ ألف مسلم في العاصمة!
لا يستطيع المسلمون الجدد في صربيا إظهار إسلامهم، أو ممارسة عباداتهم بكل حرية فيضطرون لإخفاء انتمائهم الإسلامي، ويمارسون الشعائر الإسلامية خفية في المسجد الوحيد المتبقي في «بلجراد»، من أصل ۲۰۰ مسجد هدمها الصرب، رغم وجود أكثر من ۲۰۰ ألف مسلم في العاصمة الصربية.. كما أنهم يُضطرون لإخفاء أسمائهم التي قاموا بتغييرها بعد إسلامهم، مثل الأخت التي رجت «المجتمع» عدم ذكر اسمها، والاكتفاء بالإشارة إلى «مريم» الصربية.
تقول «مريم» (٤٧ عامًا): أحب القراءة منذ الصغر، وقد دفعني الفضول القراءة القرآن، وكتب الإمام أبي حامد الغزالي وغيرها.. وشعرت بقربي من الإسلام ولم يصدني عن ذلك تسجيل والدي لي بمعهد الموسيقى في «بلجراد».
وتتابع: «كنت مسلمة بروحي وسلوكي منذ سن الشباب، وبعد اعتناقي للإسلام دعوت أسرتي للدخول في الإسلام، فأختي والحمد لله، مسلمة وكذلك أمي وابنتي التي تحفظ عددا من سور القرآن».
عائلة نصرانية متعصبة
وعن طفولتها تقول: «ولدت في بلجراد في كنف عائلة مسيحية (نصرانية) متعصبة قوميًا ودينيًا، وتكره الإسلام، ولم يكن والدي يرغب في مشاهدة الكتب الإسلامية التي كنت أجلبها للبيت، واصفًا الإسلام والمسلمين بشتى النعوت السيئة، وكان يرغبني في الذهاب إلى الكنيسة وقراءة الكتب النصرانية ولكني كنت أمقتها، وأبين له ما فيها من أخطاء.. وقد مات قبل أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله».
أما عن زواجها فتذكر أنها تزوجت من صربي قبل أن تسلم، مشيرًة إلى أنها لا تزال تدعوه إلى الإسلام فتقول: «أسلمت قبل سبعة أعوام، وكذلك أختي، واتبعتني ابنتي (۱۹عامًا) التي تدرس بكلية الفلسفة، أما زوجي فأنا أحاول معه، وكذلك مع ابني (٢٥سنة)».
وعن موقف زوجها من إسلامها تقول: «إنه يعلم كم أنا جادة في حياتي، لذلك لم يعترض على إسلامي، فأنا أصلي في البيت وأصوم ولا أجد أية مضايقة منه، وقد فاتحته عدة مرات للدخول في الإسلام، وأرجو أن يهدي الله قلبه مع ابني الذي أحبه من كل قلبي».
وتوضح «مريم» أنها تكتم إسلامها في المحيط الذي تعيش فيه بالعاصمة «بلجراد»، كغيرها من المسلمين الجدد في صربيا الذين يُعدون بالمئات أما الذين أسلموا ولم يعلنوا إسلامهم في المساجد أو في غيرها من المراكز فلا يعلم عددهم إلا الله.. ورغم وجود قانون يحمي الحريات الدينية في صربيا، إلا أن المحيط المتعصب - على مختلف المستويات الرسمية، والكنسية والشعبية - يدفع الكثير من المسلمين الجدد في «بلجراد» إلى إخفاء إسلامهم، ويسمون هذه المرحلة بمرحلة «دار الأرقم» (إشارة إلى المرحلة الأولى للدعوة الإسلامية في مكة، التي كان كثير من المسلمين فيها يخفون إسلامهم، ويجتمعون سرًا في دار الأرقم بن أبي الأرقم)، ويجدون - كما تقول مريم - فسحة من الحرية والوقت لأداء العبادات المفروضة في المساجد عند المجيء إلى العاصمة البوسنية «سراييفو» ولاسيما في رمضان دون خوف أو وجل من أحد، أو رد فعل متعصب كما هي الحال في «بلجراد».
وبخصوص رمضان الذي تقضيه في «سراييفو» هذا العام، قالت: «رمضان فرصة لقراءة القرآن ومطالعة الكتب الإسلامية وأفضل قضاءه في سراييفو».
المنطلق الصحيح
وعن وضع المسلمين في «صربيا» بصفة عامة وفي «بلجراد»، بصفة خاصة تقول «مريم»: «وضع المسلمين في العالم يثير شجوني، فهناك إسلاموفوبيا (خوف مَرَضي من الإسلام) موازية لما هو موجود في الغرب، أو بلجراد.. ولن تتغير أحوال الشعوب الإسلامية التي تعاني من الفقر والأمية والدكتاتورية دون الاتجاه إلى حلول إسلامية
لقضاياها.. أما حال المسلمين في البلقان أو غيرها فهي صدى لحال المسلمين في المركز زد عليه الكراهية للإسلام والمسلمين التي تتغذى من وضع المسلمين في العالم».
وتضيف: «لقد ساد المسلمون العالم عندما كان الإسلام يسوسهم، بينما لم يتقدم الغرب إلا بعد أن كفر بالكنيسة.. وأخطاء الكثيرين في العالم الإسلامي تتمثل في اعتقادهم بأن التقدم لا يتحقق إلا إذا نبذوا الإسلام كما فعل الغرب مع الكنيسة، وها هم - منذ مائة عام وأكثر - يتخبطون في مشكلاتهم، ورغم غياب سلطان الإسلام المباشر، واتباعهم لمناهج الغرب، إلا أنهم لم يصلوا إلى ما وصل إليه الغرب؛ لأنهم ركبوا المتاهة، ولم يعرفوا كيف ينطلقون، وهم الآن في متاهة، والعودة للإسلام هي المنطلق الصحيح.
القابضون على الجمر!
وعن دور دوائر الاستخبارات في تفريق المسلمين تقول: «الاستخبارات الدولية تعمل على جعل بأس المسلمين بينهم شديدًا، وتساعد حملات التنصير في العالم الإسلامي بالمال والمعلومات ووسائل الإعلام، وأحيانًا من أموال المسلمين المدفوعة لمنظمة الأمم المتحدة تحت ستار وكالات الإغاثة التابعة لها.. أما الاستخبارات في العالم الإسلامي فهي ضحية لحسابات السياسة، وللغش الاستخباراتي والإعلامي الخارجي فهي لحماية الأنظمة وليس لحماية الأمن القومي والفكري للأمة».
ووصفت «مريم» المسلمين الملتزمين بالإسلام والمسلمين الجدد بأنهم في وضع وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم قبل ١٤٣٠ عامًا، بأن الواحد منهم كالقابض على الجمر».. وعن أسباب الإقبال على الإسلام رغم كل الحملات التي يشنها الغرب عليه، تقول: «هناك الكثير من الغربيين يستخدمون عقولهم، ولا يرضخون لأبواق الدعاية، وهناك من أسلم؛ لأن الحملات المذكورة فاقت حدود التعبير عن الرأي إلى ما يشبه الحروب الصليبية، وهي حروب تستخدم فيها أحيانًا القوة العسكرية، كما نرى في فلسطين والعراق وأفغانستان، وباكستان والصومال والسودان.. وأحيانًا أخرى باستخدام ما توصف بالقوة الناعمة وهذا ما تختلف فيه إدارة الرئيس الأمريكي «باراك أوباما»، عن إدارة سلفه «جورج بوش» فالحرب بمفهومها العسكري مكلفة جدًا ولكن الحرب الأيديولوجية - أو استخدام القوة الناعمة - لا تكلف كثيرًا؛ حيث مجموعة من الأبواق الإعلامية تكفي - في نظرهم - لإخراج المسلمين من الإسلام إذا لم يتم تنصيرهم وتهيئتهم للغزو العسكري بعد تجريدهم من قوتهم الكبرى، وهي الروح الإسلامية ومبدأ الجهاد».
وحول ما إذا كان ابنها الشاب له ميول مختلفة عن توجهها الإسلامي تنفي ذلك قائلة: «أدعو الله صباحًا ومساء أن يهديه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من الأنبياء والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا» (قالتها وهي تتعتع باللغة العربية).
إسلام المسلمين!
وعادت «مريم» للحديث عن الضغوط التي يتعرّض لها المسلمون في «بلجراد»؛ موضحة أن المسلمين الصرب يعيشون في واقع يشبه محاكم التفتيش الكنسية في الأندلس ويمارس الإعلام باستمرار دور المحرض على المسلمين.
وعن واقع المسلمين عامة، تقول: «المسلمون أنفسهم في حاجة للدخول في الإسلام فعندما يصبح المسلمون مسلمين حقيقيين ستتحسن أوضاعهم على مختلف المستويات وسيشجع هذا الآخرين على الدخول في الإسلام».. وتضيف: «إنني أعتبر كل مسلم أخي، وكل مسلمة أختي في الإسلام، وهذا ما يجب أن يعتقده كل مسلم، فلماذا العصبيات الوطنية والقبلية والطائفية، فالإسلام قبل الكل وفوق الكل، ولكن كثيرًا من المسلمين لا ينظرون للأمور بهذا المنظور».
وفي الختام، أكدت «مريم» أن لديها رغبة في أداء فريضة الحج، وقالت: «لا أعرف بالتحديد متى سأذهب إلى الحج، ولكني آمل أن يكون هذا في أقرب وقت ممكن، فأنا مقتدرة والحمد لله».