; رمضان كبسولة علاج للروح والخلق والعقل والجسد | مجلة المجتمع

العنوان رمضان كبسولة علاج للروح والخلق والعقل والجسد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 14-أكتوبر-2006

مشاهدات 59

نشر في العدد 1723

نشر في الصفحة 54

السبت 14-أكتوبر-2006

«كبسولة» علاج للروح والخلق والعقل والجسد

رمضان

«من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» 

الصيام مدرسة لتغيير النفس والأسرة والمجتمع والأمة

    إذا أردنا بحق أن ننتقل في رمضان وما بعده من الانفعالات والتأثر إلى الإصلاح والتغيير فلا بد من الانتصار على النفس في أهوائها الجامحة لنسعد في حياتنا الزوجية والأسرية، ونحقق الوحدة العربية والإسلامية.

د. صلاح سلطان (*)

     وهذا هو الطريق الطبيعي لننتصر في الميدان، لنكون الأمة الراقية الشاهدة على العالم كله، لنعيد إلى العالم انتصارات بدر وفتح مكة وحنين وتبوك وحطين وعين جالوت، وهي الخطوات الإصلاحية التي ربى عليها النبي ﷺ الصحابة، وهذه خطوات الإصلاح والتغيير من خلال مدرسة الصيام التربوية.

أولًا- الصيام مدرسة التغيير للنفس: إن طريق الإصلاح والتغيير يبدأ بالنفس لقوله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ﴾ (سورة الرعد: 11) إنها هي الأصعب حيث استطاع إنسان القرن الحادي والعشرين أن يملك ما حوله، لكنه فقد السيطرة على نفسه، يضغط على زر فتفتح له الأبواب للبيوت والسيارات، أو تفتح على الفضائيات والبلاد والعباد عبر البحار والمحيطات على الإنترنت والتلفونات، لكنه ينهار أمام الشره على الطعام، أو السعار على الجنس، أو الحماقة في الغضب، أو البذاءة والثرثرة في اللسان، والصيام يعين الفرد على تجاوز هذا الضعف أمام هوى النفس التي قال عنها ربنا -سبحانه-: ﴿ ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ ﴾ (سورة يوسف: 53)، أو التي قال عنها سفيان الثوري: «ما عالجت أمرًا أشد عليَّ من نفسي» وقال عنها الحسن البصري: «ما الدابة الجموح بأحوج إلى اللجام من نفسك».

     إن الصيام يعطي كل فرد ثقة هائلة في نفسه، إنه -بعون الله تعالى- قادر على ضبط زمام الهوى، وكبح جماح النفس، ليس في الامتناع عن المحرمات من أكل الحرام، أو الزنا، أو السكر، والتدخين، أو الظلم، والطغيان، بل الامتناع عن الحلال بكلمة الله أكبر عند الفجر، ثم يباح بكلمة الله أكبر عند الغروب، ليستقر في أعماق كل مسلم ومسلمة أنه ما زال إنسانًا يحمل الفطرة النقية.

      إن كبسولة الصيام تعالج في الفرد الروح والخلق والعقل والجسد في آن واحد على النحو التالي:

أ-علاج قسوة القلوب وجفاف الروح: إن التجرد بالصيام لله سر بين العبد وربه، ويعلمه أن يكون باطنه خيرًا من ظاهره، وقراءة القرآن وطول الصلاة

والقيام، والأذكار والدعاء والقنوت في أجواء مهيأة من تقييد مردة الشياطين، ونزول الرحمات، وتجول الملائكة، ووجود المسلم بين إخوانه، أو المسلمة بين أخواتها الذين تنبع منهم كل أفعال الخير- هذا كله يجعل الروح تأخذ قسطها الوافي من العلاج الشافي من أمراض قسوة القلوب، وجفاف الروح وجمود العين عن البكاء، وقصور اليد عن التضرع والدعاء، وخمول اللسان عن الذكر والثناء. 

ب – علاج دنايا الأخلاق: إن الشهوات الأربع في كل إنسان هي لعمارة الأرض، واستمرار النسل، وبقاء القيم، لكن بشرط الاعتدال في استعمالها، لكن ثوران شهوات البطن والفرج والغضب والكلام كفيل لتحطيم الإنسان لنفسه وأسرته ومجتمعه وعالمه، والصيام مدرسة تربوية رائعة، تضع لجامًا اختياريًا على هذه الشهوات الأربع في وقت واحد، ليكون المسلم أهلًا لرضى الله بالجنة، لما رواه مسلم بسنده عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: «اضمنوا لي ستًا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: أوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا أؤتمنتم، واصدقوا إذا تحدثتم، وغضوا أبصاركم واحفظوا فروجكم، وكفوا أيدكم».

ج – علاج جمود العقل حقًا «إن المبطنة تذهب الفطنة». كما أخبرنا الحبيب محمد ﷺ، «فكثرة الطعام تستوجب ذهاب أكثر الدم من الدماغ إلى البطن لتهضم الطعام الزائد، وهنا يسترخي العقل، أو ينام فيحرم الإنسان من حب العلم التعلم والفكر والتدبر والاختراع والإبداع». 

د – علاج أمراض الجسد، إن شهوة طعام بغير لجام الصيام تجعل الفرد مصاب بأخطر الأمراض، ومنها الجلطة، وضغط الدم، والسكري، والسرطان، وقرحة المعدة والأمعاء، والتهاب القولون، والمرارة، والمفاصل، والحصوات، والبروستاتا، والنقرس، والأملاح، والحساسية، والحكة، والغازات كريهة، كما أن عادات التدخين والشيشة التي ابتلي بها الملايين تحرم هؤلاء من طيب الفم، وصحة الجسم؛ فهي أكبر مسببات السرطان، والسل، والالتهاب الرئوي، والضعف الجنسي، كما تؤثر سلبًا على الإنتاج والاقتصاد.

     وشهوة الجنس بغير لجام الصيام يصيب الجسد بالإيدز، والسل، والسيلان، والتقيح في الفروج والأبدان.

*رمضان فرصة لاستعادة الثقة بأننا نحمل فطرة نقية، وعزيمة قوية لترك عادات الأكل الكثير أو التدخين.

     وشهوة الغضب تؤدي إلى التوتر العصبي، والاعتداء على الغير فتجرح أو تبتر بعض الجسد، أو تنتهي بالقتل العمد، لكن كبسولة الصيام وقاية وحماية وعلاج وشفاء من كل هذه الأمراض التي تحول الإنسان إلى العفيف الشريف القوي الفتي الهمام النشيط، ولعل صيام رمضان فرصة لاستعادة الثقة في أننا نحمل فطرة نقية وعزيمة قوية على ترك عادات الأكل الكثير أو التدخين، إن استحضر في هذا الشهر الكريم ثقته في نفسه، ودعا ربه أن يعينه على نفسه قال -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة العنكبوت: 69) وهكذا تصنع مدرسة الصيام المسلم والمسلمة صاحب القلب التقي، والخلق النقي، والعقل الذكي، والجسد الفتي، وهذا لعمري مفتاح كل رقي.

أغنياء الأمة مطالبون بالمبادرة إلى إعلان عالمي لكفالة فقراء العالم من المسلمين.

 ثانيًا- التغيير لإصلاح الأسرة:

      الصيام يربي الأسرة زوجًا وزوجة على الحب القلبي والتفاهم العقلي والتناغم الجسدي، ويرتقي بالأولاد إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات، ورفيع الشمائل، والمكرمات، ويتضح ذلك مما يلي:

١-مدرسة الصيام تصنع الزوجين قبل العقد والبناء ليكونا متوازنين معتدلين في الطبع والمزاج والخلق والجسد، وهما أكبر أمان للحياة الزوجية السعيدة.

٢- الصوم لمن لا يقدر على الزواج، وجاء من الانحراف والانجراف الذي يؤدي إلى التمادي في الحرام والعزوف عن الحلال مما يؤدى إلى العنوسة، وهي أخطر أمراض المجتمع.

3-المودة والرحمة هما أساس السعادة الزوجية كما قال -سبحانه-: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ﴾ (سورة الروم: 21) وهما لا يشتريان بأي مال، بل تنزل الرحمات مع أول عشر من رمضان حتى آخره، وتتوالى الرحمات مع تلاوة القرآن والذكر والقيام، وتنزل الملائكة تستمع إلى القرآن، وتصلي على المتسحرين، وتؤمن على دعاء الصائمين والقائمين والقانتين، فتهرب الشياطين، وتفتح أبواب الحب القلبي.

4-علاج شهوة الجنس بالقدرة على الامتناع عن الحلال هي أكبر ضامن للزوجين، ألا تزل قدم بعد ثبوتها، فتنهار أمام فتنة الحرام.

٥-شهر رمضان تربية للأسرة كلها فهم يتسحرون معًا، ويصلون في المسجد معًا، ويعتكفون معًا، لتكون الأسرة كلها في معية الله وحفظه.

ثالثًا- إصلاح المجتمع:

     يحدث الصيام سلامًا اجتماعيًا كبيرًا لا نظير له في أي مجتمع آخر، ويتجلى ذلك فيما يلي:

١-في رمضان تصفد مردة الشياطين، وتنادي ملائكة الرحمن يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، كما ورد عن النبي ﷺ؛ فتجد المساجد ملأى، والصدقات تتزايد، والأرحام تتزاور، ومع الصيام والقيام والذكر والدعاء تهدأ النفوس، ويشيع الهدوء والسلام والعفو والتسامح والغفران بين أبناء المجتمع الإسلامي.

٢-يرغب كل مسلم في إطعام الطعام، وإفشاء السلام هذا مع شعيرة القيام وهي السلالم إلى الجنان، كما أخبر نبينا -عليه أفضل الصلاة والسلام- وإطعام الطعام يتنوع بين دعوة ذوي الأرحام والأهل والأقارب والأصدقاء والجيران مسلمين وغير مسلمين كي يتناولوا جميعًا طعام الإفطار؛ مما يساهم بقوة في توثيق الأواصر الإنسانية والروابط الاجتماعية والوحدة الوطنية بين أبناء المجتمع الواحد.

٣- كما يكثر الإطعام على سبيل التهادي، فإنه يزيد كثيرًا أيضًا على سبيل التصدق والبر والصلة للفقراء والأيتام، وهذه الكفارات العديدة، وإفطار الصائمين مما يجلب مغفرة الذنب، والعتق من النار، وكذلك حقائب رمضان لكفالة المحتاجين مما ينزع فتيل الأحقاد والأغلال بين الأغنياء والفقراء، فأي سلام أعظم من هذا الحب والانسجام بين أبناء المجتمع الواحد؟

٤- في رمضان تكون أعظم فرصة لإنهاء الخصام، وجمع المسلمين الذين فرقهم الشيطان، وأحدث فجوة بين الإخوان أو الأهل والخلان أو الأقارب الجيران، فهنا تكون أعظم فرصة مع هدوء النفس، وعظم الأجر، وانتشار الخير أن يتسامح كل مع الآخر، وهنا يأتي دور المصلحين الذين يدركون عظمة أجرهم لما رواه ابن ماجة أن النبي ﷺ قال: «ألا أدلكم على خير من الصلاة، والصدقة، والصلة، والصيام؟ قلنا: بلى يا رسول الله ﷺ قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين».

رابعًا- إصلاح الأمة:

1-إن الصيام في رمضان من أعظم الشعائر التي تساهم مساهمة فعالة في جمع الأمة العربية والإسلامية بكل دولها ومذاهبها ولغاتها وأعرافها؛ حيث يتفق جميع أبناء الأمة في العالم كله على أن الصيام في رمضان واجب وليس نافلة، وأنه واجب في شهر رمضان وليس في أي شهر آخر غير رمضان، كما يتفقون على أن الصيام من الفجر إلى المغرب، كما أن جميع المسلمين يمسكون عن المفطرات نفسها من طعام وشراب وجماع، وهذا هو الذي يجعل كل عاقل من الأمة ينظر إلى نقاط الاتفاق والوفاق التي تمثل جذع الشجرة بجذورها العميقة المستندة إلى النصوص القطعية في القرآن والسنة؛ مما لا يختلف عليه أحد من المسلمين، لكن هناك فروعًا عديدة في الفقه مثل فروع الشجرة، هذه الثوابت مع الفروع تعد جزءًا من مرونة الإسلام، واحترامه لاختلاف العقول وأساليب الاستنباط.

2-يحرص كثير من المسلمين الميسورين على إخراج زكاة أموالهم في رمضان؛ طمعًا في مضاعفة الأجر، وهذا له تأثير كبير على الدولة والأمة الإسلامية في جوانب كثيرة، منها ما يلي:

أ – علاج مشكلات البطالة والجريمة في آن واحد، فالسياج الإيماني للزكاة والصيام يعالج البطالة التي تؤدي غالبًا إلى الجريمة.

ب – الزكاة ومعها الصدقات الكثيرة في رمضان تساهم في إنهاء الفقر العالمي، وإذا كانت مجلة التايم الأمريكية قد نشرت في صفحاتها الأولى في مارس٢٠٠٥م أن هناك مليارًا ومائة مليون فقير فقرًا شديدًا في العالم، فإن أغنياء الأمة الإسلامية هم أول من يجب أن يبادروا إلى إعلان عالمي لكفالة فقراء العالم تحت شعار: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ﴾ (سورة المائدة: 32) وهذا مما تؤكده أكثر من مائة وثلاثين آية في القرآن الكريم ومئات من الأحاديث النبوية في الحث على الإنفاق، وبذل المال لكل محتاج مسلمًا أو غير مسلم، وبهذا يُساهم أغنياء الأمة في إعطاء صورة ناصعة عن الإسلام والمسلمين مغايرة لصورتنا المشوهة في العالم الآن.

ج- تساهم الزكوات والصدقات في تقوية الوقف الإسلامي للمساجد والمدارس والمؤسسات ذات النفع العام دعمًا لفعل الخير ونفع الغير. 

٣-في أحكام الصيام ما يؤكد استقلال الأمة وتميزها بخصائص وأعراف وقيم وتقاليد لا يجوز تذويبها في بوتقة العولمة التي تدعو إلى التحلل من القيم الاجتماعية والخصائص الذائبة لكل شعب أو أمة.

4-شهر رمضان والصيام يذكر بانتصارات الأمة عبر تاريخها العريق فأكبر نصرين في عهد النبوة غزوتا بدر وفتح مكة كانتا في رمضان، وفتح الأندلس بقيادة طارق بن زياد كان في ٢٨ رمضان سنة ٩٢ هـ، وموقعة عين جالوت التي هزم فيها السلطان قطز مع سلطان العلماء العز بن عبد السلام أكبر قوة في هذا الوقت وهم المغول كانت في ١٥ رمضان سنة ٦٥٨هـ، وكذا حرب العاشر من رمضان سنة ١٣٨٣هـ على الصهاينة المغتصبين لأرضنا ومقدساتنا في فلسطين وسورية ولبنان.

     هذه كلها نتيجة طبيعية لأن الأمة إذا تعمق الإيمان في قلوب رجالها ونسائها وانتصرت على أهوائها وشهواتها وتجمعت صفًا واحدًا خلف قادتها وعلمائها فإنها قطعًا تكون جديرة بالنصر والعزة والتمكين وفقًا لوعد الله رب العالمين القائل: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ سورة الروم: 47)، وهذا مما يعيد إلى الأمة العربية والإسلامية الأمل قبل العمل ثم البذل والتضحية وجهاد أعدائهم وليس تصويب مدافعهم إلى صدور أبنائهم في الملة الواحدة.

هذه بعض آثار مدرسة الصيام لإحداث تغيير حقيقي في كيان هذه الأمة الواحدة ذات الجذر والجذع الواحد. 

الصحابة في رمضان.

مسعود صبري:

     في زمن غابت فيه القدوة الصالحة أو كادت تغيب، وغيب كثير من الصالحين عن مخالطة الناس، وتصدرت موجات الفساد وأهله ليكونوا هم قدوة المسلمين؛ يحن المسلم إلى السلف الصالح، ليتزود من سيرتهم ويسلك نهجهم، ورحم الله الإمام مالكًا -رضي الله عنه- فقد كان يستأذن أصحابه بعد انتهاء درس العلم ليجلس مع الصحابة ساعة فيدارس كتبهم، ويقرأ قصصهم، فتنطبع في نفسه تلك القدوة التي لم يقدر له أن يعيش معهم، فإن حرم معاشرتهم حية فسيرتهم زاد له على الطريق.

    وكان الصحابة يدركون أن من أهم أهداف المسلم في رمضان تكفير الذنوب، ولهذا كانوا يستقبلونه بهذا المعنى كما ورد عن عمر أنه كان يقول إذا أقبل رمضان «مرحبًا بمطهرنا من الذنوب»، بل كانوا يجعلون من أهم أدعيتهم غفران الذنوب؛ لأنه من أهم المحصلات الرمضانية، فقد كان عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما– إذا أفطر يقول: «اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي».

مع القرآن:

     ولقد علم الصحابة رضوان الله عليهم منزلة القرآن الكريم في رمضان، فكان من أهم أولوياتهم في العبادة والطاعة، فكان عثمان بن عفان -رضي الله عنه- ليختم القرآن مرة كل يوم، حتى لا يمر اليوم إلا وقد دخل القرآن جوفه وقلبه.

     ولم يكن حال القرآن مع الصحابة في رمضان مجرد قراءة، بل كانت الخشية غالبة عليهم في قراءتهم للقرآن الكريم، فقد أخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: ﴿أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُون َوَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾ (سورة النجم: 60)، بكى أهل الصفة متى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع رسول الله ﷺ أصواتهم بكي معهم فبكينا لبكائه، فقال رسول الله ﷺ: «لا يلج النار من بكى من خشية الله، فانظر بكاء أهل الصفة من الصحابة وتأثرهم بقراءة القرآن، ذلك أنه جرى على قلوبهم قبل أن يجري على ألسنتهم.

      وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- كثير البكاء عند قراءة القرآن، فقد ورد أنه قرأ سورة المطففين حتى بلغ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة المطففين: 6) فبكي حتى خر وامتنع عن إكمال السورة، أما عن القيام وصلاة التراويح، فقدا كان الصحابة يطيلون الصلاة؛ لأن هذا هو المقصود من صلاتي التراويح والقيام، لا أن يقرءوا بآية أو آيتين كما يصنع بعض السلمين، فقد ورد عن السائب بن يزيد قال: أمر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أبي بن كعب -رضي الله عنه- وتميم الداري -رضي الله عنهما- أن يقوما بالناس في رمضان، فكان القارئ يقرأ بالمئين حتي كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر، بل كان الصحابة يعدون من يقرأ سورة بقرة في اثني عشرة ركعة من المخففين، عن داود بن الحصين عن عبد الرحمن بن الرمز قال سمعته يقول: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في شهر رمضان، فكان القراء يقومون بسورة البقرة في ثماني ركعات، فإذا قام بها القراء في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف عنهم.

     وفي قيام الليل والتهجد كان الصحابة يقومون من الليل حتى يقترب الفجر، وما كاد أحدهم ينتهي من السحر حتى يؤذن فجر، فعن مالك عن عبد الله بن أبي بكر -رضي الله عنهما- قال: سمعت أبي يقول: «كنا ننصرف في رمضان من القيام ويستعجل الخدم بالطعام مخافة الفجر».

     وقد كان الصحابة يراعون حال الناس في القراءة، لهذا اختلفت قراءتهم للقرآن في القيام حسب القارئ، فعن أبي ثمان النهدي قال: «أمر عمر بثلاثة قراء يقرءون في رمضان، فأمر أسرعهم أن يقرأ ثلاثين آية، وأمر أوسطهم أن يقرأ بخمس عشرين، وأمر أدناهم أن يقرأ بعشرين، وعن نافع بن عمر بن عبد الله قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: كنت أقوم بالناس في شهر رمضان فأقرأ في الركعة «الحمد لله فاطر»، ونحوها، وما يبلغني أن أحدًا يستثقل ذلك».

*علموا منزلة القرآن في الشهر الفضيل فكان من أهم أولوياتهم.

*أدركوا أن تكفير الذنوب من أهم أهداف رمضان فكانوا يلحون على الله بالدعاء ليغفر لهم ذنوبهم.

الخلوة للعبادة:

     وكان من حال الصحابة أن كان يقيم بعضهم الليل منفردًا بعد انتهاء الناس من الصلاة حتى يفرغ للعبادة بينه وبين الله، فيطيل ما يشاء في القراءة والصلاة، بل يواصل العبادة حتى صلاة الصبح، كما ورد عن نافع مولى ابن عمر أنه قال: كان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقوم في بيته في شهر رمضان، فإذا انصرف الناس من المسجد أخذ إداوة من ماء، ثم يخرج إلى مسجد رسول الله ﷺ ثم لا يخرج منه حتى يصلي الصبح.

      وكان بعض الصحابة يختم القرآن كل سبع ليال، يعني أنه يختم القرآن في التراويح أربع مرات في رمضان، كما ورد عن عمران بن جدير قال: كان أبو مجلز يقوم بالحي في رمضان يختم في كل سبع.

* كانوا يطيلون صلاتي التراويح والقيام حتى اعتمد بعضهم على العصي.

* وكان بعضهم يقيم الليل منفردًا بعد انتهاء الناس من الصلاة.

النساء والشيوخ: بل كان القوم يحرصون على طول القيام مع كبر سنهم، ولم يكن هذا مانعهم من أن يطيلوا، فقد ورد عن سعيد بن عامر عن أسماء بن عبيد قال: دخلنا على أبي رجاء العطاردي، قال سعيد: زعموا أنه كان بلغ

ثلاثين ومائة، فقال: يأتوني فيحملوني كأني حتى يضعوني في مقام الإمام فأقرأ بهم الثلاثين آية، وأحسبه قد قال: أربعين آية في كل ركعة يعني في رمضان، بل ورد أن أبا رجاء كان يختم بالناس الصلاة في قيام رمضان كل عشرة أيام، فكان يختمه ثلاث مرات في رمضان.

    ولم تكن النساء أقل نصيبًا في صلاة التراويح من الرجال، فيروي أبو أمية الثقفي عن عرفجة أن عليًا كان يأمر الناس بالقيام في رمضان، فيجعل للرجال إمامًا، وللنساء إمامًا، قال: فأمرني فأممت النساء.

     وقد وصل من حرص الصحابة على القيام مع طوله أن يتكئ بعضهم على العصا، غير أنهم لم يكونوا يتخلفون عن القيام أبدًا، يروي السائب بن يزيد، فيقول: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب في شهر رمضان بعشرين ركعة، قال: وكانوا يقرؤون بالمائتين، وكانوا يتوكئون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان من شدة القيام.

الإفطار مع الفقراء:

     أما عن إفطارهم، فكان الصحابة لا يكثرون من الطعام في الإفطار، وكان بعضهم يحب أن يفطر مع المساكين مواساة منه لهم، فكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعه أهله عنهم لم يتعش تلك الليلة، وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام، وقام فأعطاه السائل، فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة، فيصبح صائمًا ولم يأكل شيئًا.

ليلة القدر:

     أما ليلة القدر فكانوا يجتهدون فيها اجتهادًا منقطع النظير، اقتداء بالنبي ﷺ، بل كانوا يستعدون لها استعدادًا خاصًا، فكان بعضهم يغتسل في هذه الليلة ويتطيب استعدادًا للإقبال على الطاعة، فيكونون بين صلاة وذكر وقيام وقراءة قرآن ودعاء وتضرع لله -تعالى-، سائلينه أن يعتق رقابهم من النار.

      واهتمام الصحابة بليلة القدر لا ينسى؛ فقد فسرها ابن عباس -رضي الله عنهما- بأنها ليلة السابع والعشرين، واجتهد فيها اجتهادًا كبيرًا، وذلك لإدراكه قيمة تلك الليلة. 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 35

98

الثلاثاء 10-نوفمبر-1970

مع القراء (35)

نشر في العدد 1238

76

الثلاثاء 11-فبراير-1997

المجتمع الثقافي  العدد 1238