العنوان رمضان هل يكون له قوة ورجال؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 23-نوفمبر-2002
مشاهدات 59
نشر في العدد 1528
نشر في الصفحة 46
السبت 23-نوفمبر-2002
يعيش المسلمون رمضان ولكن لا يعيشون إنتصاراته وأمجاده، وما ذلك إلا لغيبة رجاله، وقعود فرسانه وضياع خيوله فرمضان شهر القرآن لا يتفاعل معه إلا جيل قرآني لا صبياني، ورجال صدق وجهاد، لا غلمان كذب وإخلاد.
رمضان مدرسة للتربية، ودروس للهداية، ومناهج للانطلاق، ومواقف لبعث الهمة، ومحطاته لتجميع الأمة، وإثارة طاقاتها الخيرة رمضان واحة تفيء إليها النفوس، ويتعانق حولها الأرواح، في أخوة وحب وطاعة لله سبحانه وتعالى وخضوع لأوامره، لهذا كان رمضان دائمًا يحمل مفاتيح النصر وبشائر الفوز ولقد حملت إلينا سورة الأنفال، عن واقعة بدر تعاليم ينبغي أن تتحقق في محيط المسلمين كشروط للنظر ودلالات على الفوز وذلك في قوله تعالى:
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) (الأنفال: 1 - 4)
إن هؤلاء المؤمنين الحقيقيين الذين أصلحوا ما بينهم، وعمرت قلوبهم بالإيمان حتى وجلت من خشية الله، لابد وأن يسيروا إلى حسن البلاء، مستجيشة قلوبهم، بشعور التقوى والخوف من الله ولابد للإيمان من صورة عملية يتحقق فيها ويثبت وجوده فالإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل، وقد كانت غزوة بدر في رمضان تحقيقًا عمليًا لصدق الإيمان وسلامة اليقين، وكان صدق الإيمان في هذه الغزوة يتمثل في : دین برنامج عملي دفاعًا عن دين الله وصدًا لجحافل الظلام والكفر في أخوة ورجولة حفظها التاريخ درسًا للأجيال التي تريد الفوز في الحياة.
قال ابن إسحاق وخرج رسول الله ﷺ في ليال مضت في شهر رمضان في أصحابه، وكانت إبل أصحاب رسول الله ﷺ يومئذ سبعين بعيرًا فاعتقبوها «أي كانوا يركبونها بالتعاقب، فكان رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرًا ، وكان أبوبكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرًا».
قال المقريزي في إمتاع الأسماع:
ومضى رسول الله ﷺ حتى إذا كان دون بدر أتاه الخبر بمسير قريش فاستشار الناس فقام أبو بكر - رضي الله عنه - فقال فأحسن - ثم قام عمر فقال فأحسن. ثم قال: يا رسول الله، إنها والله قريش وعزها والله ما ذلت منذ عزت والله ما أمنت منذ كفرت والله لا تسلم عزها أبدًا ولتقاتلنك فائتهب لذلك أهبته، وأعد لذلك عدته، ثم قام المقداد بن عمرو فقال يا رسول الله، امض لأمر الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك وبرك الغماد موضع بأقصى اليمن، فقال له رسول الله خيرًا ودعا له بخير.
ثم قال ﷺ أشيروا على أيها الناس، وإنما يريد الأنصار. وكان يظنهم لا ينصرونه إلا في الدار، لأنهم شرطوا له أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأولادهم وذلك في بيعة العقبة الثانية التي هاجر على أساسها رسول الله ﷺ إلى المدينة فقام سعد بن معاذ - رضي الله عنه - فقال: أنا أجيب عن الأنصار كأنك يا رسول الله تريدنا: قال «أجل». قال: إنك عسى أن تكون قد خرجت عن أمر قد أوحي إليك في غيره يعني كما يبدو أنك ربما تكون قد خرجت لأمر ثم أوحي إليك في غيره إذ كان قد خرج للعير ثم عرض النفير، فإنا قد آمنا بك. وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق، فأعطيناك مواثيقنا وعهودنا على السمع والطاعة فامض يا نبي الله لما أردت فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما بقي منا رجل. وصل من شئت وأقطع من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت من أموالنا أحب إلينا مما تركت والذي نفسي بيده ما سلكت هذا الطريق قط وما لي بها من علم، وما نكره أن نلقى عدونا غدًا، وإنا أصبر عند الحرب صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا بعض ما تقر به عيناك.
وفي رواية أن سعد بن معاذ قال: إنا خلفنا من قومنا قومًا ما نحن بأشد حبًا لك منهم، ولا أطوع لك منهم، ولكن إنما ظنوا أنها العير نبني لك عريشًا فتكون فيه، ونعد عندك رواحلك، ثم تلقى عدونا فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا، كان ذلك ما أحببناه، وإن تكن الأخرى جلست على رواحلك فلحقت من وراءنا، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- خيرًا، وقال: أو يقضي الله خيرًا من ذلك يا سعد، فلما فرغ سعد من المشورة قال رسول الله : سيروا على بركة الله، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم فعلم القوم أنهم إنما يلاقون القتال وأن العير تفلت ورجوا النصر لقول النبي ﷺ، ومن يومئذ عقد رسول الله كل الألوية، وهي ثلاثة لواء يحمله مصعب بن عمير، ورایتان سوداوان إحداهما مع علي والأخرى مع رجل من الأنصار هو سعد بن معاذ، وأظهر السلاح... وكان خرج من المدينة على غير لواء معقود، لأنه كان يظن أنه لا يلقى حربًا مع المشركين فلما أراد الله غير ذلك علموا أن الله قدر لهم لقاء المشركين في حرب وانكشف الأمر كان الامتحان أمام الخطر المباشر وأراد الله أن تكون ملحمة لا غنيمة، وأن تكون موقعة بين الحق والباطل، وأراد الله للعصبة المؤمنة أن تصبح أمة وأن تصبح دولة لها قوة وسلطان وأراد الله أن تقاس القوة الحقيقية للإيمان، وأن تعلم العصبة المؤمنة أن النصر ليس بالعدد والكثرة وليس بالمال، والخيل والزاد، وإنما هو بمقدار اتصال القلوب بالله وبقوته التي لا تقف لها قوة العباد، وأن يكون هذا كله عن تجربة يراها الناس رأي العين لا مجرد تصور ولتوقن كل عصبة مسلمة بعد ذلك أنها تملك في أي زمان ومكان أن تغلب خصومها وأعداءها، مهما تكن قوتهم وعدتهم، وكانت غزوة بدر هذه مثلًا للمسلمين، وبيانًا عمليًا يقرر دستور النصر والهزيمة لتقرأه الأجيال المسلمة وتعلم منه سُنة الله الجارية في خلقه مادامت السموات والأرض، والعصبة المؤمنة اليوم تجاهد ما وسعها الوقت لإعادة النشأة الإسلامية إلى الحياة بعدما طمست معالمها الأهواء والشهوات ، وغلبت عليها الفتن والضلالات، وأنها لجديرة بأن تقف طويلًا هذه الأيام أمام بدر، وقيمها ودروسها وعبرها وأبعادها وأن تعلم أن النصر يحتاج إلى تضحيات وجهاد وعرق.
دربت للمجد والساعون قد بلغوا *** جهد النفوس والقوا دولة الأزرا
فكابدوا المجد حتى مل أكثرهم *** وعانق المجد من أوفى ومن صبرا
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله *** لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
نسأله سبحانه العون والتوفيق أمين