العنوان رمضان.. هل يكون له قوة ورجال؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2012
مشاهدات 44
نشر في العدد 2013
نشر في الصفحة 33
السبت 28-يوليو-2012
يعيش المسلمون رمضان، ولكن لا يعيشون انتصاراته وأمجاده، وما ذلك إلا لغيبة رجاله وقعود فرسانه وضياع خيوله، فرمضان شهر القرآن، لا يتفاعل معه إلا جيل قرآني لا صبياني، ورجال صدق وجهاد لا غلمان كذب وإخلاد.
رمضان مدرسة للتربية، ودروس للهداية ومناهج للانطلاق، ومواقف البعث الهمة ومحطاته لتجميع الأمة، وإثارة طاقاتها الخيرة رمضان واحة تفيء إليها النفوس، وتتعانق حولها الأرواح، في أخوة وحب، وطاعة لله سبحانه وتعالى، وخضوع لأوامره، لهذا كان رمضان دائما يحمل مفاتيح النصر وبشائر الفوز، ولقد حملت إلينا سورة الأنفال عن واقعة بدر، تعاليم ينبغي أن تتحقق في محيط المسلمين كشروط للنظر ودلالات على الفوز، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (الأنفال: 2 -3).
إن هؤلاء المؤمنين الحقيقيين الذين أصلحوا ما بينهم، وعمرت قلوبهم بالإيمان حتى وجلت من خشية الله سبحانه لابد وأن يسيروا إلى حسن البلاء مستجيشة قلوبهم، بشعور التقوى والخوف من الله تعالى، ولابد للإيمان من صورة عملية يتحقق فيها ويثبت وجوده، فالإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل، وقد كانت غزوة بدر في رمضان تحقيقا عمليا لصدق الإيمان، وسلامة اليقين، وكان صدق الإيمان في هذه الغزوة يتمثل في برنامج عملي دفاعاً عن دين الله تعالى وصدا لجحافل الظلام والكفر في أخوة ورجولة حفظها التاريخ درساً للأجيال التي تريد الفوز في الحياة.
قال ابن إسحاق، وخرج رسول الله ﷺ في ليال مضت في شهر رمضان في أصحابه، وكانت إبل أصحاب رسول الله ﷺ يومئذ سبعين بعيرًا فأعتقبوها: أي كانوا يركبونها بالتعاقب، فكان رسول الله ﷺ، وعلي بن أبي طالب ومرتد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرًا، وكان أبوبكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرًا.
قال المقريزي في إمتاع الأسماع، ومضى رسول الله ﷺ حتى إذا كان دون بدر أتاه الخبر بمسير قريش، فاستشار الناس فقام أبو بكر فقال فأحسن ثم قام عمر رضي الله عنه فقال فأحسن. ثم قال يا رسول الله، إنها والله قريش وعزها والله ما ذلت منذ عزت والله ما أمنت منذ كفرت والله لا تسلم عزها أبدًا ولتقاتلنك فانتهب لذلك أهبته وأعد لذلك عدته، ثم قام المقداد ابن عمرو رضي الله عنه فقال يا رسول الله الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها اذهب أنت وربك فقاتلا إذا ها هذت قاعدون.. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك (برك الغماد موضع بأقصى اليمن)، فقال له رسول الله ﷺ خيراً ودعا له بخير.
ثم قال ﷺ أشيروا على أيها الناس ، وإنما يريد الأنصار، وكان يظنهم لا ينصرونه إلا في الدار لأنهم شرطوا له أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأولادهم. وذلك في بيعة العقبة الثانية التي هاجر على أساسها رسول الله ﷺ إلى المدينة.. فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه لك فقال أنا أجيب عن الأنصار، كأنك يا رسول الله تريدنا قال: أجل .. قال: إنك عسى عن أمر قد أوحى إليك يبدو أنك ربما تكون قد خرجت لأمرا فو الذي البحر فخضته لخضناه معك ما بقي منا رجل وصل من شئت. واقطع من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت من أموالنا أحب إلينا مما تركت والذي نفسي بيده ما سلكت هذا الطريق قط وما لي بها من علي وما تكره أن نلقى عدونا غداً، وإنا الصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء.
وفي رواية أن سعد بن معاذ قال: إنا خلفنا من قومنا قوما ما نحن بأشد حبا لك منهم ولا أطوع لك منهم، ولكن إنما ظنوا أنها العير، نبني لك عريشًا فتكون فيه ونعد عندك رواحلك، ثم تلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحبيناه، وإن تكن الأخرى جلست على رواحلك فلحقت من وراءنا. فقال له النبي خيراً. وقال أو يقضي الله خيرًا من ذلك يا سعد.. فلما فرغ سعد من المشورة قال رسول الله ﷺ: سيروا على بركة الله، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم.. فعلم القوم أنهم إنما يلاقون القتال وأن العير تفلت ورجوا النصر لقول النبي ﷺ، ومن يومنذ عقد رسول الله ﷺ الألوية، وهي ثلاثة لواء يحمله مصعب بن عمير ورایتان سوداوان إحداهما مع علي، والأخرى مع رجل من الأنصار هو سعد بن معاذ، وأظهر السلاح.
وكان خرج من المدينة على غير لواء معقود لأنه كان يظن أنه لا يلقى حرباً مع المشركين فلما أراد الله تعالى غير ذلك علموا أن الله قدر لهم لقاء المشركين في حرب وانكشف الأمر كان الامتحان أمام الخطر المباشر، وأراد الله سبحانه أن تكون ملحمة لا غنيمة، وأن تكون موقعة بين الحق والباطل، وأراد الله تعالى للعصبة المؤمنة أن تصبح أمة وأن تصبح دولة لها قوة وسلطان
وأراد الله أن تقاس القوة الحقيقية للإيمان وأن تعلم العصبة المؤمنة أن النصر ليس بالعدد والكثرة، وليس بالمال والخيل والزاد، وإنما هو بمقدار اتصال القلوب بالله تعالى وبقوته التي لا تقف لها قوة العباد، وأن يكون هذا كله عن تجربة يراها الناس رأي العين لا مجرد تصور ولتوفن كل عصبة مسلمة ذلك أنها تملك في أي زمان ومكان أن تغلب خصومها وأعداءها، مهما تكن قوتهم وعدتهم، وكانت غزوة بدر، هذه مثلاً للمسلمين، وبياناً عملياً يقرر دستور النصر والهزيمة لتقرأه الأجيال المسلمة وتعلم منه سنة الله الجارية في خلقه مادامت السماوات والأرض.
والعصبة المؤمنة اليوم تجاهد ما وسعها الوقت لإعادة النشأة الإسلامية إلى الحياة بعدما طمست معالمها الأهواء والشهوات وغلبت عليها الفان والضلالات وأنها لجديرة بأن تقف طويلاً هذه الأيام أمام بدر، وقيمها ودروسها وغيرها وأبعادها وأن تعلم أن النصر يحتاج إلى تضحيات وجهاد وعرق.
دربت للمجد والساعون قد بلغوا
جهد النفوس وألقوا دولة الأزرا
فكابدوا المجد حتى مل أكثرهم
وعائق المجد من أوفى ومن صبرا
لا تحسب للجد تبراً أنت آكله
لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
نسأله سبحانه العون والتوفيق.. أمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل