; رواندا ضحية مخلفات الاستعمار | مجلة المجتمع

العنوان رواندا ضحية مخلفات الاستعمار

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مايو-1996

مشاهدات 66

نشر في العدد 1201

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 28-مايو-1996

لا غرو أن حديثنا في العدد قبل الماضي عن الأوضاع في ليبيريا قد جرنا إلى تسليط الضوء على دولة إفريقية أخرى تعيش محنة مماثلة لمحنة ليبيريا وهي دولة صغيرة تقع في وسط القارة الإفريقية شهدت هجرات إسلامية عربية إليها منذ القرن الهجري الأول، على وجه التحديد منذ عام ٧٦ هجرية حيث تجاوب سكانها مع دعوة الإسلام ثم دخلوا في دين الله أفواجًا، وهذه الدولة المنكوبة حاليًا هي رواندا، رواندا التي كثر الحديث عنها في وسائل الإعلام التي ما انفكت تمطر علينا وابلًا من الأخبار المدعومة بالصور المؤلمة التي تزخر بها رواندا في أيامنا هذا.

ولم ينفجر البركان الدموي في رواندا من فراغ، حيث ترجع جذور الصراع القبلي الذي تشهده رواندا حاليًا إلى تراكم ثم اندلاع النعرات القبلية بين القبيلتين الرئيسيتين في البلاد وهما قبيلة الهوتو التي تشكل ٩٠% من السكان وقبيلة التوتسي التي تشكل 90% من أصل ٧.٣ مليون نسمة وتنتمي هاتان القبيلتان إلى شعب واحد وهو البارندي الذي احتضنهما كأمة واحدة وجمعهما تاريخ واحد طوال حقبة زادت على ٤٠٠ عام وكانت تجمعهما أيضًا ثقافة واحدة ولغة واحدة عرفت بلغة الكيروندي، ومع مر العصور حدث توزيع في المهن بين أبناء القبيلتين فتخصص الهوتو في الزراعة والتوتسي في الرعي، واحتفظت كل قبيلة بوظيفتها إلى نهاية القرن التاسع عشر حيث التوتسي  وهم يمثلون الأقلية في حدود ١٥% من مجمل شعبي رواندا وبروندي المجاورة أكثر ثراء ونفوذًا من الأغلبية الساحقة المتمثلة في الهوتو، وقد ازدادت الفجوة بين القبيلتين إبان الحقبة الاستعمارية، بل اتخذت طابعًا سياسيًا نتيجة تعمد كل من المستعمر الألماني حتى الحرب العالمية الأولى والمستعمر البلجيكي حتى استقلال رواندا في عام ١٩٦٢م من استبعاد الهوتو (الأغلبية) من الإدارة الحكومية والاعتماد على التوتسي باعتبارهم أكثر رقيًّا فضلًا عن جعل التعليم والمنح الدراسية إلى الخارج حكرًا على أولاد التوتسي، مما مكن أبناء هذه القبيلة من إحكام سيطرتهم على الهوتو بل استعبادهم إلى حدًّ ما

تحول تاريخي

غير أن تاريخ رواندا عرف تحولًا كبيرًا في عام ١٩٥٩م عندما ثار الهوتو الذين يمثلون الأغلبية على الأوضاع السائدة، ثم تولى الحكم في عام ١٩٦٣م (سنة الاستقلال) أول رئيس لرواندا من قبيلة الهوتو وهو غريغوار كايبيلندا، وفي عام ١٩٧٣م قام الجنرال هابياريمانا بانقلاب سلمي ضده في أعقاب تمرد قام به التوتسي وتولى الحكم، وقد حاول الجنرال هابياريمانا القضاء على العداء بين القبيلتين عن طريق تشكيل حزب الثورة الوطنية للتنمية ليصبح الحزب الأوحد في البلاد غير أنه لم يلبث أن أغلق الحدود أمام مئات الآلاف من المبعدين من التوتسي إلى أوغندا في أعقاب ثورة عام ١٩٥٩م والذين كانوا يرغبون في العودة إلى رواندا، ولم تخل تلك المرحلة من أحداث دامية حيث ارتكبت قوات الهوتو مذابح بشعة ضد التوتسي وراح ضحيتها حوالي ٢٠ ألف شخص، كما شهدت هذه الفترة (١٩٥٩ - ١٩٦٤م). اعتقال أكثر من ١٥٠ ألف شخص وطرد حوالي ۷۰۰ ألف آخرين إلى خارج البلاد حيث توزعوا ما بين أوغندا وتنزانيا وزائير، وقد ظل نظام حكم الحزب الواحد سائدًا في رواندا خلال الفترة ما بين (١٩٦٢-۱۹۹۱) وهو حزب الحركة الوطنية الثورية للتنمية، وفي شهر يونيو ۱۹۹۱ صدر أول دستور يسمح بتعدد الأحزاب، فتم تشكيل ١٤ حزبًا تمثل كل شرائح المجتمع الرواندي.

 غير أن مبادرة الرئيس هابياريمانا قد واكبتها تطورات غير عادية حيث شهد شهر أكتوبر ۱۹۹۱م زحف حوالي عشرة آلاف من قوات جبهة رواندا الشعبية التي شكلها التوتسي المنفيون في أوغندا نحو البلاد في محاولة لغزوها والاستيلاء على السلطة، وهكذا اندلعت شرارة الحرب بين أفراد هذه الجبهة وبين الجيش في رواندا لمدة ثلاث سنوات مما اضطر الرئيس هابياريمانا إلى توقيع اتفاق أورو شاء للسلام في تنزانيا بغية تهدئة الأوضاع غير أنه لم يلتزم ببنوده، مما أدى إلى احتدام الصراع مرة أخرى بين الطرفين، وقد قام التوتسي بمحاولتين فاشلتين للإطاحة بحكومة الرئيس ها بياريهانا، إلا أنهم تراجعوا في كلتا المحاولتين ليس أمام الجيش الرواندي المؤلف من أغلبية ساحقة من الهوتو فحسب وإنما صدتهم أيضًا القوات الفرنسية المرابطة في رواندا، وكان ثمن تلك المحاولتين باهظًا حيث ارتكب الهوتو مجازر شنيعة بحق التوتسي، بل انتقم الجيش الحكومي من الأبرياء التوتسي فاتحًا أمامهم المقابر الجماعية أو اللجوء إلى الدول المجاورة.

 وفي محاولة لوقف مسلسل إبادة التوتسي على يد الجيش الحكومي الهوتي، قامت منظمة الوحدة الإفريقية بإقناع الفرقاء إلى إبرام اتفاق في أغسطس ۱۹۹۳م وهو اتفاق أروشا السالف الذكر، ولم يكن السلام على موعد مع رواندا مرة أخرى، إذ تم إسقاط طائرة الرئيس ها بياريهانا في ١٦ إبريل ١٩٩٤م في ظروف غامضة، وكان ذلك الحادث كافيا لنشوب حرب أهلية جديدة وطاحنة بين الهوتو والتوتسي أسفرت عن استيلاء  التوتسي على السلطة للمرة الأولى منذ استقلال رواندا، وتم ذلك في 4 يوليو بقيادة الجنرال الشاب بول كاغاميه، ولم يلبث هذا الأخير أن تبنى العرف الثأري، حيث قام الجيش الوطني التابع له باقتحام معسكر للاجئين الهوتو في مدينة كيبهو الرواندية الواقعة بالقرب من الحدود مع بوروندي المجاورة وذلك في ٢١ إبريل ١٩٩٥م وأسفر ذلك الهجوم عن مقتل ثمانية آلاف شخص من قبيلة الهوتو من أصل ٣٠ ألف لاجئ كانوا متكدسين في المنطقة الآمنة للقوات الدولية في عملية عرفت بعملية توركواز الفيروز، وسرعان ما تحولت هذه المنطقة الأمنة، في غضون يومين فقط إلى مقبرة جماعية مفتوحة للاجئين الهوتو في عقر وطنهم رواندا، وزاد من مأساتهم تفشي الأوبئة مثل الكوليرا بينهم وراح ضحيتها المئات من الكبار والأطفال، وذلك إلى جانب انتشار زهاء مليوني لاجئ رواندي في البلدان المجاورة.

 إن مستقبل رواندا غامض، وإن استتباب الأمن والاستقرار فيها يبدو بعيد المنال، لأن جذور مأساتها ترجع إلى عام ۱۹۲۳م عندما حلت بلجيكا محل ألمانيا في حكم رواندا حيث ترجح كفة الأقلية التوتسية على حساب الغالبية الهوتية ثم عمدت بعد الاستقلال في عام ١٩٦٢م إلى تسليم السلطة قبل انسحابها من رواندا إلى الهوتو كهدية ملغومة أو مسمومة في وجه التوتسي، وما إن خرجت بلجيكا من رواندا إبان الاستقلال حتى هبت فرنسا إلى التدخل في شئون البلاد وفرض وصايتها عليها تحت ذريعة أنها تنضوي تحت لواء الدول الناطقة باللغة الفرنسية، بل هناك من يتهمها بإسقاط الطائرة التي كانت تقل الرئيس الرواندي بياريهانا والرئيس البوروندي سيبريان نتارياميرا عندما كانا في طريقهما إلى إبرام اتفاقية سلام، وقد انحسر الوجود الإسلامي على الساحة الرواندية خلال العقود الماضية غير أن المؤسسات الإسلامية في رواندا انتهت مؤخرًا من إنجاز أول مشروع لإعادة تصحيح تاريخ الإسلام فيها.

 فقد أدى قيام المماليك الإسلامية التي نشأت في زنجبار التي تحد رواندا شرقًا إلى إثراء العمل الإسلامي في رواندا، كما أن سجل جهاد المسلمين الروانديين ضد المستعمر البلجيكي حافل بالبطولات، ولا تنسى أيضًا المذبحة التي راح ضحيتها ١٦٠ خطيبًا وإمامًا و30 قارئًا من حفظة القرآن مما ترك فراغًا كبيرًا في مجال الدعوة الإسلامية في رواندا، وليس من باب المستحيل مساعدة الشعب الرواندي لكي يخرج من محنته ويسود في روبوع رواندا السلام والاستقرار ولاشك أن تسوية النزاع تتطلب العودة إلى جذوره مثلما تتطلب إرادة دولية جادة لاستئصال الورم من الجسد الرواندي بدلًا من الاكتفاء بإجلاء الرعايا وإرسال المعونات الاستعراضية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2101

918

الثلاثاء 01-نوفمبر-2016

الحسابات التركية في معركة الموصل

نشر في العدد 2108

95

الخميس 01-يونيو-2017

أنا.. وهي.. ورمضان

نشر في العدد 1349

66

الثلاثاء 11-مايو-1999

وماذا بعد..؟