العنوان روحانية الداعية.. الحلقة الخامسة غذاء الروحانية
الكاتب عبدالله علوان
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يوليو-1984
مشاهدات 60
نشر في العدد 678
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 10-يوليو-1984
سبق أن ذكرنا في الحلقات الماضية أن مما يغذي الروحانية في الداعية وينميها:
- الإكثار من تلاوة القرآن الكريم مع التدبر والخشوع.
- مصاحبة النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته العطرة المعطاءة.
- مصاحبة الأخيار من أصحاب القلوب وأهل المعرفة بالله.
ففي هذه الحلقة نتكلم عن عاملين مهمين في تغذية الروحانية، ألا وهما المداومة على ذكر الله في كل الأوقات والأحوال، والبكاء في الخلوات من خشية الله.
أما المداومة على ذكر الله فقد جاء الأمر بها والحض عليها في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة.
فمن هذه الآيات:
- ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (البقرة: 152).
- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا*وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الأحزاب: 41-42).
- ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ﴾ (النساء: 103).
ومن هذه الأحاديث:
- «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر الله مثل الحي والميت» رواه البخاري.
- «ليبعثن الله أقوامًا يوم القيامة في وجوههم النور على منابر اللؤلؤ، يغبطهم الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء، فجثا أعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله حلهم «صفهم» لنعرفهم قال: هم المتحابون في الله من قبائل شتى، وبلاد شتى يجتمعون على ذكر الله يذكرونه» رواه الطبراني.
- وفي الحديث القدسي: «أنا عند حسن ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب مني شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلى ذراعًا تقربت منه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» رواه الشيخان.
والذكر معناه: استحضار عظمة الله سبحانه في جميع الأحوال.... سواء أكان هذا الاستحضار ذهنيًا، أو قلبيًا، أو لسانيًا، أو فعليًا... ويشمل الفعل التلاوة، والعبادة، والعلم.. وهذا المعنى للذكر هو ما بينه القرآن الكريم والرسول عليه الصلاة والسلام في مناسبات كثيرة:
- ففي المعنى الذهني يقول القرآن الكريم في سورة النور: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (النور: 37).
- وفي المعنى القلبي يقول القرآن الكريم في سورة الرعد: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).
فاستحضار عظمة الله مستقرة في القلب، متغلغلة في النفس... يجد المؤمن حلاوتها وسكينتها في الحنايا والضلوع...
- وفي المعنى اللساني، فكل الآيات والأحاديث التي تأمر المؤمن بذكر الله عز وجل يدخل في مضمونها ذكر الله باللسان دخولًا أوليًا، لأن اللفظ هو أول ما يحتمله، والأمر هو أول ما يشمله... ومما يؤكد هذا حديث أبي هريرة -فيما رواه ابن ماجه وابن حبان- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله عز وجل يقول: أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه».
وفي رواية الترمذي عن عبد الله بن بسر أن رجلًا قال: يا رسول الله: إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتشبث به؟ قال: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله».
ويدخل في الذكر اللساني: كل الأدعية والمأثورات التي صحت روايتها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأثرت عن أصحابه الكرام، والسلف الصالح رضي الله عنهم، سواء ما يتعلق بأدعية الصباح والمساء، أو أدعية الطعام والشبع، أو أدعية السفر والإقامة، أو أدعية الدخول والخروج، أو أدعية النوم واليقظة، أو أدعية التهجد والظواهر الكونية.. كما يدخل في الذكر اللساني كل الاستغاثات الإلهية، والاستغفارات الربانية... التي ذكرها القرآن، ورويت عن نبينا عليه الصلاة والسلام.
- وفي المعنى الفعلي الذي يشمل التلاوة: يقول الله سبحانه في سورة الحجر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).
والمقصود بالذكر في الآية: القرآن الكريم.
- وفي المعنى الفعلي الذي يشمل العبادة: يقول الله سبحانه في سورة الجمعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: 9).
والمقصود بالسعي إلى ذكر الله في الآية صلاة الجمعة.
- وفي المعنى الفعلي الذي يشمل العلم: يقول الله سبحانه في سورة الأنبياء: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43).
والمقصود بأهل الذكر في الآية المختصون من العلماء الذين يعلمون ويعملون... أعرفت -أخي الداعية- أن الذكر لا يقتصر على حالة واحدة، ولا يختص بطقوس معينة، وإنما يشمل أمورًا كثيرة سبق ذكرها وتعدادها من ذهن وقلب ولسان وفعل؟!!! فاجتهد -أخي الداعية- على المداومة على ذكر الله لترتفع بنفسك إلى أعلى مراتب الروحانية، وتنهض بروحك إلى الوقوف في الحضرة الإلهية... على أن تكون المسلم العابد الذاكر المخبت الخاشع... الذي لا تدنسه معصية، ولا يهم بفاحشة... وهذا والله غاية التقوى والصلاح والخلق الحسن والاستقامة على شرع الله.
وصدق الله العظيم القائل في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ*الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 190-191).
ما أكرمك -أخي الداعية- عند الله وعند الناس حين تذكر الله عز وجل في كل أحوالك، سواء كنت قائمًا تمشي في مجتمعك، أو قاعدًا بين أهلك وإخوانك أو مستلقيًا وأنت على فراشك!! وما أعظم مقامك عند الله وعند الناس حين تتفكر في خلق السماوات والأرض لتزداد إيمانًا بواجد الوجود جل جلاله، وأنه سبحانه ما خلق هذا الوجود باطلًا ولا عبثًا... وإنما خلقه ليصل العبد إلى معرفة الله وتوحيده وخشيته والاستعانة به والتوكل عليه والتسليم لجنابة فيما ينوب ويروع.. ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 191).
فدم -أخي الداعية- على ذكر الله، وتفكر دائمًا في خلق السماوات والأرض، وراقب الله في كل الأحوال في السر والعلن في المتقلب والمثوى لتصل إن شاء الله إلى منازل المتقين الأبرار، ومراتب الربانيين الأخيار... وما ذلك على الله بعزيز.
«والآن نتكلم عن عامل مهم من عوامل تغذية الروحانية في الداعية ألا وهو «البكاء في الخلوات من خشية الله» ففي تبيان هذا العامل نقول وبالله التوفيق:
لا شك أن الداعية حين يخلو إلى ربه بينه وبين نفسه ويستعرض تنويه السابقة واللاحقة، ويتذكر جهنم وأحوالها، والآخرة وأهوالها، ... ويمر بخاطره على الموت وما بعده، ویوازن بين عمله وعمل السابقين الأولين.... فإن قلبه يخفق، وإن نفسه ترتجف، وإن عينه تدمع.. فيقبل بعد هذه التذكرة إلى ربه تائبًا منيبًا مستغفرًا ذاكرًا حافظًا لحدوده، متبعًا لأوامره، منتهيًا عن نواهيه... بل يكون من السابقين إلى الخيرات والمقبلين على الطاعات والمحبين لله رب العالمين..
وأعلم -أخي الداعية- أن البكاء يكون نتيجة الخوف، والخوف من ماذا؟ الخوف من الاستدراج بالنعم الذي يؤدي إلى سوء الخاتمة، الخوف من سكرات الموت ونزع الروح، والخوف من سؤال الملكين وعذاب القبر، الخوف من الحساب والعبور على الصراط، الموت قبل التوبة، الخوف من النار وأهوالها، الخوف من حرمان الجنة ونعيمها..
وأعظم من ذلك: أن يخاف الرياء حين يتعبد، والعجب حين يرتفع، والنفاق حين يخالط والكبر حين يتزين، والغرور حين تأتيه الدنيا... إلى غير ذلك من أمراض القلوب، وآفات النفوس، وأخوف الناس أعرفهم بنفسه وبربه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم- كما ثبت في الصحيح: «أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية». وقال تعالى في سورة فاطر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28).
وإذا عرف الإنسان نفسه، وخشي ربه... تملكه الخوف، وفاض أثره على قلبه، ثم ظهر الأثر على جوارحه، فأسفر وجهه، وارتجفت أعضاؤه ودمعت عيناه... ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة... ولا يكون له هم سوى محاسبة النفس في الخطرات والخطوات والكلمات... وبهذا تصلح حاله، وتستقيم أعماله، ويتدرج نحو الكمال، ويصل إلى أعلى مراتب الروحانية...
وإليك -أخي الداعية- فضل البكاء من خشية الله:
أ- إنهم في ظل الله يوم القيامة: روى الشيخان: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله... ومن جملتهم: ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه».
ب- إنهم في مأمن من عذاب الله: روى الترمذي عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله».
ج- إنهم في كنف المحبة الإلهية: روى الترمذي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطره دموع من خشية الله، وقطرة دم تهراق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله «أي في الجهاد» وأثر في فريضة من فرائض الله «أي صلاة الجماعة».
د- إنهم في عفو الله ومغفرته: روي ابن حبان والبيهقي عن عباس ابن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه «أي تناثرت» كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها».
ولو نقبنا عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وعن حياة الصحابة والسلف... لرأينا الصور الصادقة والنماذج الصالحة.. في إخباتهم لله، وبكائهم من خشيته، واستشعارهم جبروته وعظمته..
وإليكم بعض الصور والنماذج:
(1) روى الشيخان عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال في النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ على القرآن قلت: يا رسول الله أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، قال: «حسبك الآن «أي يكفيك» فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان!!».
(2) وروى مسلم عن أنس قال: قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها، فلما انتهيا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها!!
(3) روى البخاري: أن عبد الرحمن بن عوف t أتى بطعام وكان صائمًا فقال: قتل مصعب بن عمير t وهو خير مني، فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة إن غطى بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطى بها رجلاه بدا رأسه، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام!!
4) وروى البيهقي والأصبهاني عن أنس قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ ﴾، فقال: أوقد عليها ألف عام حتى أحمرت وألف عام حتى ابيضت وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة لا يطفأ لهيبها، قال: وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل أسود فهتف بالبكاء، فنزل عليه جبريل عليه السلام فقال: من هذا الباكي بين يديك؟ قال: رجل من الحبشة وأثني عليه معروفًا، قال: «فإن الله عز وجل يقول: وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي لا تبكي عين في الدنيا من مخافتي إلا أكثرت ضحكها في الجنة».
5) روى ابن أبي الدنيا موقوفًا عن عبد الله بن عمرو قال: «لو أن رجلًا من أهل النار أخرج إلى الدنيا لمات أهل الدنيا من وحشة منظره ونتن ريحه» ثم بكى عبد الله بن عمرو بكاء شديدًا.
فاجتهد -أخي الداعية- على أن تخلو خلوات بينك وبين ربك، وأن تذكر الموت وما بعده، وأن تستعرض الآخرة وأعوانها، وأن تحاسب نفسك بما قدمت لهذا اليوم الموعود، عسى أن تأخذك الخشية، ويملكك البكاء... فتكون ممن استأهلوا الاستظلال في ظل عرش الله يوم القيامة، وممن نجوا من عذاب الله يوم الفزع الأكبر، ممن شملهم عفو الله ومغفرته في اليوم الذي لا ينفع مال ولا بنون، وممن غمرتهم المحبة الإلهية في الدنيا والآخرة... وممن تدرجوا أيضًا في مدارج الكمال، وارتفعوا في معارج الروحانية وبلغوا مقام الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا..
أما عن عامل «التزود من عبادة النافلة على الدوام» فسنتولى الحديث عنه في العدد القادم من هذه المجلة إن شاء الله، فإلى العدد القادم والسلام عليكم ورحمة الله.
«يتبع في العدد القادم»