; روسيا: في الذكرى الأولى لتوقيع معاهدة السلام بين موسكو وجروزني | مجلة المجتمع

العنوان روسيا: في الذكرى الأولى لتوقيع معاهدة السلام بين موسكو وجروزني

الكاتب د. حمدي عبد الحافظ

تاريخ النشر الثلاثاء 26-مايو-1998

مشاهدات 39

نشر في العدد 1301

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 26-مايو-1998

استراتيجية شيشانية لتعزيز الاستقلال وتحقيق التنمية الشاملة

تتواصل الاحتفالات الشعبية والرسمية في كافة المدن الشيشانية والعاصمة جروزني ابتهاجًا بالذكرى الأولي لتوقيع معاهدة السلام بين الجمهورية الشيشانية وروسيا الاتحادية في الثاني من مايو عام ١٩٩٧م.

وفي كلمته أمام المشاركين في العرض العسكري الذي نظمته القوات المسلحة الشيشانية بمناسبة يوم الاستقلال، قال الرئيس الشيشاني أصلان مسخادوف إن استراتيجية العمل في المرحلة القادمة تتمثل في النهوض بالاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية الشاملة وإزالة آثار الحرب الروسية الأخيرة وما خلفته من دمار شامل للبنية التحتية إلى جانب الخسائر البشرية الفادحة التي تخطت مائة ألف شهيد من أبناء الشعب الشيشاني، واعتبر مسخادوف المرحلة الآنية ملائمة لتعزيز الاستقلال الوطني ودعا مواطنيه إلى العمل الجاد والمسؤول لبناء المجتمع الشيشاني المسلم، على هدي القرآن والشريعة الإسلامية، كما دعا الأحزاب والقوى السياسية إلى توحيد الجهود في مواجهة الإرهاب الأسود الذي يسعى لتلطيخ وجه «الجمهورية الإسلامية في الشيشان» ودمغها بالإرهاب والتخلف.

 والمعروف أن معاهدة السلام بين موسكو وجروزني التي جرى التوقيع عليها في الكرملين حظرت استخدام القوة أو التهديد بها، لدى معالجة الخلافات القائمة أو التي تستجد في المستقبل، وأشارت الاتفاقية التي جاءت مكملة لاتفاقية «خسافيورت» التي وقعها الطرفان في أغسطس عام ١٩٩٦م إلى العمل بالمبادئ الدولية وبقواعد القانون الدولي في بناء العلاقات الثنائية بين موسكو وجروزني ولم تشأ المعاهدة التطرق إلى الوضع النهائي للعلاقات المستقبلية بين روسيا والشيشان، وأرجأت بحث هذه المسألة إلى ما بعد عام ٢٠٠١م، أي بعد انتهاء الولاية الرئاسية الثانية والأخيرة للرئيس الروسي.

وإلى جانب المعاهدة الروسية- الشيشانية وقع رئيسا الحكومتين الروسية والشيشانية أيضًا على اتفاقية اقتصادية استهدفت الإسراع بإعادة إعمار الاقتصاد الشيشاني وإزالة آثار الحرب التي خلفها الغزو الروسي للأراضي الشيشانية في ١١ ديسمبر عام ١٩٩٤م، كما وقع رئيسًا البنكين الوطنيين في كل من روسيا والشيشان على اتفاقية مكملة لتنظيم المعاملات النقدية بينهما، وضمان الإشراف المشترك على المساعدات الروسية «رغم ضآلتها» المخصصة لإعادة إعمار الشيشان، وجاء الاتفاق النفطي بين روسيا والشيشان، لتقاسم عائدات نقل النفط الأذري المستخرج من بحر قزوين عبر الأراضي الروسية- الشيشانية، ليعزز الأسس الاقتصادية للعلاقة الجديدة بين الطرفين ويخفف من مشاعر العداء التي سادت العلاقات بين موسكو وجروزني طوال القرون الأربعة المنصرمة. 

ونظرًا للمغزى السياسي والتاريخي لاتفاق الكرملين في ١٢ مايو عام ۱۹۹۷م قررت القيادة الشيشانية الاحتفال بهذا اليوم من كل عام واعتباره عيدًا وطنيًّا يجسد الاعتراف الروسي باستقلال الجمهورية الشيشانية ويجعل من مبادئ القانون الدولي الأساس لتسوية النزاعات القائمة بين الطرفين.

 وإذا كان إتفاق الكرملين قد أنهى حالة الحرب بين الروس والشيشانيين إلا أنه لم ينجز بعد التطبيع الكامل للعلاقات بينهما, ناهيك عن تأثيره المتواضع في جلب الاستقرار إلى منطقة شمال القوقاز، نظرًا للطبيعة العرقية والقومية المعقدة فيها.

ورغم إنهاء الوجود العسكري الروسي في الشيشان، تنفيذًا لقرار الرئيس الروسي في ٢٣ نوفمبر عام ١٩٩٦م تتواصل المناوشات الكلامية بين الطرفين ويتم تبادل الاتهامات حول مسؤولية الأحداث العنيفة التي تشهدها المنطقة من أن الآخر، تجسيدًا لحالة «اللاحرب واللاسلم» السائدة بين موسكو وجروزني.

فقد شهد العام المنصرم، جملة من الأحداث والعاصفة التي كادت تعصف بالاستقرار في منطقة شمال القوقاز بأكملها، نتوقف عند ثلاثة منها:

- إغلاق الممثلية الروسية في جروزني وطرد العاملين فيها، في الأول من أكتوبر الماضي، احتجاجًا على عدم تنفيذ الجانب الروسي للالتزامات التي قطعها على نفسه بتقديم التعويضات المناسبة عن خسائر الحرب.

- الاعتداء على مجموعة من كبار المفتشين في السادس عشر من إبريل الماضي,  مما أدى إلى مقتل أربعة من كبار القادة العسكريين الروس، من بينهم نائب قائد منطقة شمال القوقاز العسكرية الروسية.

وطبقًا لما كشفته التحقيقات الروسية في ملابسات الحادث، فإن رئيس هيئة الأركان للقوات المسلحة الروسية الجنرال أناتولي كفاشنين «الذي قاد الحرب الروسية في الشيشان عام ١٩٩٥م» كان المستهدف الأول من الهجوم على موكب العسكريين الروس عن بلدة مازودك في جمهورية أوسيتيا الشمالية المجاورة.

  • اختطاف ممثل الرئيس الروسي في شمال القوقاز فاليري فلاسوف، في الأول من مايو الجاري، على أيدي مجموعة مسلحة مجهولة الهوية وفشل جهود البحث عنه وإطلاق سراحه حتى هذه اللحظة.

السياسة الروسية لتطويق المد الإسلامي في آسيا الوسطي والبلقان

موسكو- المجتمع: في غضون الأيام القليلة الماضية.. أقدمت موسكو على اتخاذ خطوتين مهمتين استهدفتا تفعيل وتنشيط سياستها الخارجية في منطقتين من المناطق الساخنة: آسيا الوسطى والبلقان، وذلك بهدف مواجهة المد الإسلامي.

 فعلى ساحة آسيا الوسطى أسفرت القمة الروسية- الأوزبكية التي جرت في الكرملين في السادس من مايو الجاري عن تشكيل مجلس ثلاثي، يضم في صفوفه الرئيس الروسي يلتسين، والأزوبكي إسلام كريموف، والطاجيكي إمام علي رحمانوف، استهدف وضع استراتيجية شاملة لإحلال السلام في منطقة آسيا الوسطى ومكافحة التيارات الانفصالية، ولم يخف الرئيسان الروسي يلتسين والأوزبكي كريموف، أثناء مباحثاتهما في الكرملين في السادس من مايو الجاري، القلق من جراء تعاظم نفوذ التيارات الإسلامية في بلدان آسيا الوسطى السوفييتية السابقة ومن استمرار تدخل البلدان الأجنبية، وبخاصة إيران وأفغانستان، في شؤونها الداخلية.

لقد وصف الرئيس الروسي أثناء إعلانه عن ولادة الاتحاد الثلاثي الجديد «روسيا، وأوزبكستان، وطاجيكستان»، الصحوة الإسلامية بالخطر الجدي على أمن بلدان رابطة الكومنولث، ودعا إلى تكثيف الجهود المشتركة لحماية الحدود الجنوبية للرابطة والحيلولة دون انتقال «خطر الجنوب» إلى مناطق أخرى داخل الرابطة، وبخاصة إلى منطقتي شمال وما وراء القوقاز.

 وقد تناولنا هذه القضية بالتفصيل في العدد الماضي.

في منطقة البلقان لم تخل السياسة الروسية من منطلقات ومخاوف مشابهة، فكثيرًا ما ينطلق الكرملين في مواقعه تجاه التطورات التي تشهدها منطقة البلقان «سواء في فترة الحرب في البوسنة والهرسك أو النزاع الدائر حاليًّا بين بلجراد وإقليم كوسوفا» من المبالغة المتعمدة في الدوافع الدينية وراء مطالبة الألبان المسلمين «ومن قبلهم البوسنيون» في إقليم كوسوفا بحقوقهم في تقرير المصير وفي تصريف شؤونهم باستقلالية أكبر عن المركز اليوغسلافي.

وكانت روسيا قد رفضت أثناء الاجتماع الأخير لمجموعة الاتصال الدولية «بتأييد فرنسا وإيطاليا» فرض عقوبات اقتصادية جديدة على بلجراد، ودعت المجتمع الدولي إلى عدم التمييز بين «أشكال الإرهاب» في إدانة واضحة لممارسات جيش التحرير الوطني في إقليم كوسوفا، وفي لقائه مع نظيره الألباني، على هامش أعمال مجلس وزراء خارجية بلدان المجلس الأوروبي الذي انعقد في ستراسبورج يوم الثلاثاء قبل الماضي، حذر وزير الخارجية الروسي يفجيني بريماكوف من مخاطر انجرار ألبانيا إلى النزاع الدائر بين يوغسلافيا المنطقة وإقليم كوسوفا، واعتبر التوتر المتصاعد في خطرًا يهدد الأمن والاستقرار الهشين في منطقة البلقان بأكملها.

كما اتخذت روسيا موقفًا متشددًا من مسألة مشاركة قوات حلف الناتو لحماية مسلمي كوسوفا من مخاطر وقوع مجازر واسعة على أيدي القوات والمتطرفين الصرب أو للحيلولة دون هجوم يوغسلافي مرتقب على الأراضي الألبانية بحجة تعقب الانفصاليين الألبان الذين فروا من كوسوفا.

 وبالفعل أفلحت الضغوط الروسية إلى جانب عوامل أخرى تخص حلف الناتو، في إقناع قيادة الحلف بعدم إرسال قواتها إلى منطقة النزاع أو إلى مناطق الحدود اليوغسلافية – الألبانية.

وتزامن رفض حلف الناتو المشاركة في الترتيبات الأمنية الجديدة في البلقان مع إبلاغ السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي عنان لمجلس الأمن عجز المنظمة الدولية عن المشاركة في فرض الرقابة على صادرات الأسلحة إلى الأطراف المتنازعة في يوغسلافيا السابقة، نظرًا للعجز المالي الشديد الذي تعانيه الأمم المتحدة، واقترح عنان على منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، إلى جانب حلف الناتو والاتحاد الأوروبي واتحاد غرب أوروبا القيام بمهمة الإشراف على فرض الحظر على صادرات الأسلحة إلى يوغسلافيا السابقة، تنفيذًا لقرار مجموعة الاتصال الدولية الذي صدر في الأول من أبريل الماضي، في أعقاب الصدامات الدامية التي وقعت من الصرب والألبان الكوسوفيين.

وهكذا.. تواصل روسيا جهودها لتطويق الصحوة الإسلامية في آسيا الوسطى والبلقان... فهل تنجح فيما فشلت فيه في الشيشان؟.

الرابط المختصر :