; روسيا وحلف الناتو.. والطريق الشاق إلى التفاهم | مجلة المجتمع

العنوان روسيا وحلف الناتو.. والطريق الشاق إلى التفاهم

الكاتب د. حمدي عبد الحافظ

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1997

مشاهدات 82

نشر في العدد 1243

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 25-مارس-1997

● بريما كوف يهدد باستخدام الخيار النووي الرد المتكافئ، إذا ما أقدم حلف الناتو على توسيع عضويته

استضافت استراحة ميشيرينا الواقعة في ضواحي موسكو المباحثات الشاقة والمطولة التي جرت في العشرين من يناير الماضي بين السكرتير العام لحلف الناتو خافير سولانا ووزير الخارجية الروسي يفجيني بريماكوف حول توسيع عضوية حلف شمال الأطلسي والموقف الروسي منه، والبحث عن صياغة مقبولة للعلاقة بين الحلف وروسيا بشكل لا يؤثر سلبًا على الوضع الأمني في أوروبا وعلى الساحة الدولية.

ورغم عدم التوصل إلى اتفاق محدد تجاه القضايا المطروحة للنقاش، فإن أهمية هذه المباحثات تكمن في أنها تمثل البداية الحقيقية والجادة للحوار الصعب بين روسيا والحلف الصياغة علاقاتهما في مرحلة ما بعد الحرب الباردة للحيلولة دون تعريض أمن القارة الأوروبية للخطر، لقد قدم سولانا مقترحات جديدة إلى موسكو حاملًا تفويض البلدان الستة عشر الأعضاء في حلف الناتو لتقديم بعض المقترحات الجديدة للمسؤولين الروس منها:

  • موافقة الحلف على إعادة النظر في معاهدة تقليص الأسلحة التقليدية في أوروبا بما يسمح للكرملين بمضاعفة ترسانته التقليدية في مناطق القوفاز والأجزاء الجنوبية من روسيا.
  • الموافقة على منح روسيا وضعية خاصة داخل الحلف تتيح لها مناقشة القضايا الأمنية في القارة الأوروبية دون منحها حق الفيتو أسوة ببقية أعضاء الحلف
  • تقديم المزيد من المساعدات الاقتصادية لانتشال الاقتصاد الروسي من أزمته وتسريع تكامله وانخراطه في الاقتصاد العالمي.

سولانا واللاءات الثلاث

وعشية وصوله إلى موسكو، أكد سولانا عزم الحلف على قبول ثلاثة من بلدان أوروبا الشرقية السابقة «بولندا، وتشيكيا، والمجر» في عضوية الحلف أثناء قمة مدريد في يوليو المقبل لقادة البلدان الأعضاء فيه.

كما تقدم سولانا بثلاث ملاءات، قاطعة تمثلت في:

  • لا.. للفيتو الروسي على توسيع عضوية حلف الناتو، خاصة وأن روسيا ليست عضوًا فيه.
  • لا.. للفيتو الروسي داخل حلف الناتو بعد التوقيع على الاتفاق المزمع بين الجانبين.
  • لا.. للربط الزمني بين توسيع عضوية الحلف والتوقيع على الاتفاق مع روسيا.

الاتفاق المرتقب

بدورها أشارت المصادر الدبلوماسية الروسية في أعقاب انتهاء المباحثات بين بريماكوف وسولانا إلى الخلاف المتفجر حول الوضع القانوني للاتفاق المرتقب، حيث أصرت موسكو على أن تكون له قوة قانونية دولية، مما يتطلب مصادقة برلمانات كافة الدول الأعضاء في الحلف «١٦ دولة» وروسيا الاتحادية، وفي المقابل يرى القائمون على حلف الناتو في الاتفاق المرتقب مجرد وثيقة لها قوة الالتزام الأدبي ولا تتطلب مصادقة البرلمانات في الدول المعنية تحاشيًا للتعقيدات وكسبًا للوقت.

ومن غير المنتظر أن يتمكن الطرفان- روسيا والحلف- من الاتفاق السريع على تسوية القضايا محل الخلاف، ومن ثم التوقيع على وثيقة رسم العلاقات المستقبلية بينهما لظروف خارجة عن إرادة الناخبين، فعلى الصعيد الروسي يواجه بريماكوف صعوبة كبيرة في ظل غياب الرئيس الروسي «المسؤول الأول عن رسم السياسة الخارجية» بسبب مرضه، وفي ظل غياب فلسفة الأمن القومي وتعثر الإصلاح الاقتصادي والعسكري في تحديد موقف الكرملين تجاه القضايا المطروحة، كما تواجه السكرتير العام لحلف الناتو مشاكل من نوع آخر، إذ يتوجب عليه الحصول على موافقة الدول الست عشرة الأعضاء في الحلف قبل الموافقة أو رفض أي من المقترحات الروسية.

خطوات جوابية

ومن بين الخطوات الجوابية التي هددت روسيا باتخاذها ردًّا على توسيع عضوية الحلف:

  • تشكيل حلف وارسو جديد ولو مصغر بين روسيا وحلفائها الحاليين انطلاقًا من معاهدة طشقند، للدفاع المشترك بين مجموعة من الجمهوريات السوفييتية السابقة.
  • عدم المصادقة على معاهدة ستارت الثانية الخاصة بتقليص الأسلحة النووية الاستراتيجية ووقف التفاوض بشأن «ستارت- الثالثة».
  • الانسحاب من معاهدة تقليص الأسلحة التقليدية في أوروبا.
  • إعادة نشر الأسلحة النووية فوق أراضي بعض الجمهوريات السوفييتية السابقة الحليفة لموسكو «بيلوروسيا وكازاخستان».

وتبدو بعض الخطوات الجوابية الروسية في متناول يد موسكو، ويمكنها تنفيذها بالفعل رغم التغيرات الجيوبولينيكية الجذرية التي يشهدها عالم اليوم.

غير أن تصريح أو تهديد وزير الخارجية. زيارته الأخيرة الروسي يفجيني بريماكوف أثناء لواشنطن، والتي أكد فيها عزم موسكو على الرد المتكافئ إذا ما أقدم الحلف على توسيع عضويته واقترابه من الحدود الروسية، أصاب المحللين والمراقبين الروس والأجانب بحيرة شديدة.

فليس سرًّا على أحد أن الاقتصاد الروسي المنهك لا يحتمل نفقات مجابهة جديدة بين موسكو والعواصم الغربية، وحتى إذا توافرت الإرادة السياسية والإمكانات المادية للكرملين، فإنه في احتياج لعشرات السنين للحاق بالقوة العسكرية للحلف وإعادة التوازن العسكري معه. 

وفي ظل الأوضاع الروسية القائمة يبدو أن «الخيار النووي»، بوصفه الأقل تكلفة والأكثر تدميرا، هو ما يعنيه وزير الخارجية بريماكوف وغيره من المسؤولين الروس عند الحديث عن الرد المتكافئ.

تجسس روسي

وطبقًا لما ذكرت صحيفة «ينزا فسيمايا» الروسية أن مسؤولين روس رفيعي المستوى أصدروا تعليمات بتنشيط العمل الاستخباري في مقر قيادة حلف الناتو لكي يتم موافاة الكرملين بالمعلومات الصادقة والآتية عما يجري هناك ودعت التعليمات الروسية بهذا الشأن إلى التركيز على إيجاد مصادر معلومات وسط المقربين من السكرتير العام لحلف الأطلسي خافير سولانا، كما سيتم التركيز على إيجاد مصادر معلومات في أوساط المسؤولين عن القوات النووية الاستراتيجية لبلدان الحلف خاصة في قاعدتي فاسلاين وإيل لونج البحريتين الحربيتين البريطانية والفرنسية.

وتدخل إلى قائمة أولويات التجسس الروسي المعلومات الخاصة بنماذج الأسلحة الغربية والمعدات العسكرية التي لا تزال قيد التصميم أو الاختبار وتعتزم هيئة المخابرات الروسية تفعيل نشاطها في أوروبا عما قريب.

وبرأي موسكو أن الوثيقة «۲۸صفحة» التي بعثت بها قيادة حلف الناتو إلى القيادة الروسية الشرح وجهة نظرها حول مبررات توسيع عضوية الحلف لم تقدم إجابة شافية عن السؤال التالي:

لماذا التوسيع؟

وفي الوقت الذي تؤكد فيه وثيقة الناتو على أن توسيع الحلف من شأنه أن يضاعف من ضمانات الأمن والاستقرار في القارة الأوروبية لا يخفي المرشحون الجدد لنيل عضويته «خاصة بولندا، وليتوانيا، وأستونيا، ولاتفيا، وحتى أوكرانيا» مخاوفهم من روسيا ومحاولة الاحتماء بمظلة الحلف من تهديدات الدب الروسي، ومما له دلالة في هذا السياق، تبرير القيادة الفرنسية الجديدة إقدامها على استئناف التفجيرات النووية بالخطر الروسي.

 وإذ تؤكد الوثيقة على الدور «المقدس» لحلف الناتو «بعد التجديد» في حفظ الأمن والاستقرار في أوروبا، ترفض بشكل قاطع ذوبانه داخل منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، أو أي منظمة أوروبية أخرى، الأمر الذي تفسره موسكو على أنه رفض للاستراتيجية الموحدة للأمن في القارة الأوروبية التي طرحتها الدبلوماسية الروسية على المحافل الأوروبية.

ولم تفلح الوثيقة الغربية رغم تخصيصها لفصل كامل عن علاقات «الشراكة بين روسيا والناتو»، في زحزحة الموقف الروسي المناهض لتوسيع عضوية الحلف وانضمام بلدان شرق ووسط أوروبا إليه واقترابه من الأراضي الروسية.

ويرى المراقبون أن الطرفين- روسيا الاتحادية والحلف- ابتعدا كثيرًا عن جوهر المشكلة، فموسكو لا ترى ضرورة للتوسيع وبروكسل تصر عليه وترفض الفيتو الروسي على منظمة هي ليست عضوًا فيها.

 ومن شأن الوقوف على متطلبات التوسيع الفعلية «النفقات المادية والتبعات السياسية» أن يدفع العديد من الدول الأعضاء في الحلف إلى التمهل في قبول عضوية دول شرق ووسط أوروبا إليه.

إمكانية الحل الوسط

ويرى البعض «الحل الوسط»، في البناء الهرمي للمؤسسات الأمنية الأوروبية مما يجعل كافة المنظمات الإقليمية القائمة- المجموعة الأوروبية والاتحاد الأوروبي الغربي وحلف الناتو وغيرها- وحدة متكاملة تتولى التنسيق تجاه القضايا الأمنية. 

ويحدد أصحاب هذا الموقف مهام المولود الأوروبي الجديد الذي «لم يتشكل بعد» في كفالة حقوق الإنسان والرقابة على الأسلحة في القارة الأوروبية وتفادي النزاعات وتسوية القائم منها تمهيدًا «لولادة أوروبا الكبرى».

وتتلخص وجهة النظر البديلة في أن ولادة أوروبا الكبرى تعيق اندماج روسيا في العمليات الأوروبية، وهذا ما يبرر اعتراض موسكو على توسيع الناتو وتركيزها على دعم المؤسسات الأوروبية الأخرى في إطار منظمة الأمن والتعاون الأوروبي.

الموقف الثالث يرى أن توحيد أوروبا وتشكيل مجموعة «أمان» موسعة تستجيب للمصالح الروسية مقارنة مع الدعوة لتجزئة القارة إلى مجموعة من الدول أو المجموعات المتناحرة بغية الاستفادة من التناقضات بينها.

الوقوع في المأزق

والحال أن هناك شعورًا بالوقوع في المأزق لا يبارح المسؤولين في روسيا والناتو، فالغرب يرفض الفيتو الروسي لمنع انضمام المزيد من الأعضاء في الحلف وموسكو تهدد بالرد المتكافئ وربما ارتاحت الأطراف الأخرى التي من مصلحتها عودة المجابهة على الساحة الأوروبية أو «الدولية» من وقوع مثل هذا السيناريو، وعلى من لا يناسبه هذا التطور فليس أمامه سوى العمل للاستفادة من الإمكانات المتوافرة للحيلولة دون انقسام القارة الأوروبية. 

وبهذا الصدد لابد من الإشارة إلى خصائص الوضع الناجم:

  • يشكل توسيع حلف الناتو مشكلة حقيقية لروسيا، ليس لأنه يقترب من حدودها الشرقية فحسب وإنما في احتمال إثارته لردود فعل متسرعة من جانب موسكو يطلقون عليها في الكرملين «الردود المتكافئة».
  • إن الدعوة إلى مجابهة الغرب في الظروف الراهنة، تعنى استنزاف لا طائل من ورائه للقوى الروسية المنهكة في ظل تعثر الإصلاحات السياسية الاقتصادية التي انتهجتها القيادة الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
  • إن موسكو وهي تعارض الآن انضمام بلدان شرق ووسط أوروبا للحلف تقف على أرضية مغايرة لما كانت عليه أثناء الحرب الباردة بعد أن أجهزت على النظام الشيوعي وأعادت للاقتصاد الحر اعتباره.
  • إن افتراض المجابهة الشاملة بين روسيا والحلف لم يعد قائمًا، بعد أن تغير ميزان القوى بنسبة 1 إلى 4 «بين روسيا والحلف».

وسيتغير ميزان القوة بصورة أكبر الصالح الحلف بعد الانتهاء من تنفيذ بنود معاهدتي ستارت الأولى والثانية لتقليص الأسلحة النووية وتنص «ستارت- الثانية»، على تساوي الحدود القصوى للوسائل الاستراتيجية الروسية والأمريكية «ولا تطول نظيرتها لدى دول الحلف الأخرى خاصة الدول النووية منه- فرنسا وبريطانيا»، وطبقًا للحسابات التي أوردها الخبير العسكري الروسي ي. ب. فولكوف أن القوات الاستراتيجية الروسية ستتخلف كثيرًا مقارنة مع نظيرتها الأمريكية بعد تنفيذ معاهدة «ستارت- 2» وذلك لتخلف الصواريخ الروسية. 

وأثناء تقييم ميزان القوى الاستراتيجي، يجب الأخذ في الاعتبار مجموعة من العوامل المؤثرة وإن كانت لا تمت بصلة مباشرة للأسلحة الاستراتيجية لدى روسيا والولايات المتحدة منها

  • وجود حلفاء يملكون أسلحة هجومية استراتيجية لدى الولايات المتحدة الأمريكية.
  • امتلاك واشنطن لوسائل التدمير غير النووية ذات المستوى العالي من التطور وبالدرجة الأولى الأسلحة العالية الدقة لدى سلاح الطيران التي تستطيع تدمير الأسلحة الهجومية الاستراتيجية في المراحل الأولى من النزاع.
  • التقدم الهائل الذي أحرزته الولايات المتحدة على طريق تشكيل منظومات الدفاع المضادة للصواريخ.
الرابط المختصر :