العنوان زراعة خلايا الأعصاب في مخ الإنسان
الكاتب نجم عبدالله عبدالواحد
تاريخ النشر الثلاثاء 31-يوليو-1990
مشاهدات 60
نشر في العدد 976
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 31-يوليو-1990
· الإعجاز الصحيح أصبح حقيقة واقعة في حياتنا.
· يجب أن تُدرَّس الثقافة الطبية الفقهية في كليات الطب والمعاهد الصحية المختلفة للعلوم الطبية.
· الممارسة الطبية الشاذة عن القواعد الأخلاقية الصحيحة نشأت وترعرعت لغياب القوانين المنظمة لها.
· تحت ستار الاستفادة العلمية، جهات طبية محترفة تمارس تجارة واسعة وخفية في الأجنة المجهضة!!
إن المتأمل لموضوع زراعة خلايا الأعصاب لينظر إلى الإعجاز العلمي بعين الاحترام والتقدير للتقدم المذهل الذي تحقق نجاحه خلال سنوات قليلة في تطبيق الأبحاث العلمية التي يمتد عمرها ليصل إلى قرن من الزمان. صحيح أنه لم يتحقق حتى الآن نقل مخ إنسان إلى إنسان أو مخ حيوان إلى حيوان بالكامل بسبب استحالة نجاح توصيل كافة الأعصاب بعضها ببعض والتي أعدادُها تتجاوز الملايين، وهي مهمة شاقة جدًا حاول العلماء تجربتها على الكلاب والقردة ولكنها لم تنجح حتى الآن. ولكن التقدم العلمي المذهل الذي تحقق في هذه الأيام في موضوع زراعة خلايا الأعصاب في مخ الإنسان يرجع سببه إلى تغيير المفاهيم الطبية المهمة والتي ما زالت تُدرَّس في كليات الطب، فقد تحول المستحيل في مفهوم الطب إلى نجاح باهر، وذلك بأن خلايا الأعصاب التالفة أو المتقطعة يمكن أن تتجدد وتعمل من جديد بكفاءة عالية وأصبح هذا المستحيل واقعًا ملموسًا، وبذلك تُفتح صفحات ناصعة من التطور والتقدم العلمي والطبي ليعطي الأمل والتفاؤل لحالات طبية كثيرة كان مكتوبًا عليها اليأس والحرمان بسبب العجز الطبي في علاج تلك الحالات. وإن كان هذا الموضوع ما زال في أطواره الأولى ولكن الأدلة أغلبها من التجارب الحيوانية وبعضها من التطبيقات الطبية على الإنسان في بلدان ما زال عددها بحدود أصابع اليد الواحدة، وإن كانت السويد والمكسيك تأخذ قصب السبق في هذا المضمار وقد لحقت بها الصين وفرنسا وتشيكوسلوفاكيا. وعلى العموم سواء التجارب العلمية أو التطبيقات السريرية كلها تشير إلى الإمكانية العلمية في تحقيق هذا الإنجاز الطبي. وإن الناظر إلى السنوات القليلة القادمة سوف يشاهد هذه التطبيقات الطبية على الإنسان على مستوى واسع وعلى أنواع كثيرة ومختلفة من الأمراض والمشاكل العصبية وفي مناطق كثيرة من بلدان العالم، وفعلاً نجد في المؤتمر العالمي لجراحة الأعصاب الأخير الذي جرى في شهر أكتوبر عام 1989 في الهند مصداقية هذا القول في دخول بلاد جديدة وتطبيقات حديثة على هذا النوع من أنواع الجراحة ونقل الأعضاء.
أهم الأمراض ومدى الاستفادة
لذلك نود أن نستعرض أهم الأمراض ومدى استفادتها من زراعة خلايا الأعصاب سواء في المعلومات المتوفرة من التجارب الحيوانية أو التطبيقات الإنسانية، ويمكن أن نجد نوع الخلايا العصبية على أحد صنفين:
أولا: زرع الخلايا التي تفرز موادًا كيماوية عصبية وهرمونية
نجد من الأمراض والمشاكل العصبية ما ينتج عن تلف عضوي في الخلايا العصبية التي تفرز مادة كيماوية عصبية أو هرمونية مما يؤدي نقص هذه المادة الكيماوية إلى ظهور أمراض معينة تبعًا لنقصها في منطقة محدودة داخل المخ الإنساني كما هو الحال في الحالات المرضية التالية:
1- مرض الشلل الرعاش (PARKINSON'S DISEASE)
يظهر هذا المرض عادة في سن متقدمة أو نتيجة لتلف أو تصلب الشرايين، فيقل الغذاء الواصل للخلايا العصبية فتضمر وتتلف فيقل إفراز مادة الدوبامين وهي المادة المهمة لعمل الأعصاب في منطقة جذع المخ، فتبدأ عوارض المرض في الظهور مثل اهتزاز الأطراف والتيبس في حركة المفاصل. نجد أن هذا المرض يعالج حاليًا بعقار يحتوي المادة المطلوبة وبواسطته يتم تحسن المريض جزئيًا، وإن كان كثير من المرضى يصلون لمرحلة عدم الاستجابة لهذه الأدوية علاوة على وجود نسبة عالية من الآثار الجانبية التي قد تجعل المريض غير راضٍ بالاستمرار في تناول العلاج. لقد وُجد أن زراعة خلايا جنينية من المادة السوداء بجذع المخ (SUBSTANTIA NIGRA) تعطي نتائج أكثر إيجابية وأكثر استمرارية بشرط أن تكون هذه الخلايا العصبية المستزرعة قد أُخذت من أجنة إنسانية ما بين الأسبوع 2 و10 من الحمل. تتميز خلايا الأجنة في هذا العمر الصغير بخاصية النمو السريع علاوة على مقدرتها على فتح الانسدادات بسبب التلف الموجود في خلايا المخ وبذلك يتحقق المستحيل في تجدد الخلايا التالفة وإصلاح الخلايا المتقطعة في الجملة العصبية. فتكون عمليات زرع الخلايا العصبية ما هي إلا رقعة حية من الخلايا في منطقة تالفة فيتم إصلاح الخلل وتعود هذه الخلايا إلى إفراز المادة الكيماوية المطلوبة علاوة على امتداد جذورها لتصل الخلايا العليا بالخلايا السفلى للمخ فيتم شفاء المريض. نلاحظ أن سرعة نمو هذه الخلايا في هذه الأماكن المزروعة يوضح مدى الاستجابة في علاج الحالات بعد أيام قليلة من هذه العمليات. نجد أن أولى المحاولات السريرية كانت غير مشجعة عند إجراء زرع أجزاء من خلايا لب الغدة الكظرية وهي خلايا عصبية (ADRENAL MEDULLA) وكانت هذه المحاولات في السويد عام 1983 لشخصين عندما فشلت هذه المحاولة بعد أيام قليلة. ولكن عقب ذلك ظهرت نتائج مشجعة في استعمال هذا النوع من الخلايا العصبية كما هو الحال في محاولة السويد بأخذ هذه الخلايا العصبية من نفس الشخص، وفي عملية واحدة باستئصال جزء من لب الغدة الكظرية ونقلها إلى دماغه مباشرة. ولقد نجحت 5 حالات من أصل 8 في المكسيك عام 1987 وأربع حالات في الصين من نفس العام، ولكن الذي زاد الأمر إثارة أن فريق المكسيك نشر نتائج أكثر إيجابية عندما استعمل خلايا عصبية في لب الغدة الكظرية في الأجنة الإنسانية في عام 1988.
2- مرض الهرم المبكر (ALZHEIMER'S DISEASE)
يظهر هذا المرض عادة في سن مبكرة ولأسباب غير معروفة وهو عبارة عن شيخوخة ولكن قبل أوانها وينتج عن تلف عضوي مع نقص مادة كيماوية عصبية تسمى الكولين. وعلى العموم هذه الحالات لا يوجد لها علاج حتى الآن. نجد من التجارب الحيوانية بأن زرع الخلايا العصبية الجنينية التي تفرز مادة الإستيل كولين قد أظهرت تحسينات واضحة في استعادة قوة الذاكرة، ولكن ليس التحسن الكامل المطلوب، وعمومًا لم يتم حتى الآن التجارب السريرية الإنسانية وإن كانت الآمال معقودة على مثل هذه التجارب حيث اهتمام العلماء ليس فقط في علاج مثل هذه الحالات القليلة، وإنما في علاج الشيخوخة كمرض يصيب كل الناس في الكبر. ولا ندري إن كان مرض الهرم المبكر هو تمامًا كالشيخوخة أم فقط نقص هذه المواد الكيماوية. حيث نجد حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم واصفًا أن لا أمل في علاج الشيخوخة حيث يقول «ما نزل الله من داء إلا وأنزل له دواء إلا الهرم».
3- انفصام الشخصية (الشيزوفرينيا) (SCHIZOPHRENIA)
تأتي أكثر التجارب الإنسانية جرأة من تشيكوسلوفاكيا في عام 1987 حيث أُجريت 3 عمليات لزراعة خلايا عصبية جنينية على 3 مرضى مصابون بمرض انفصام الشخصية (الشيزوفرينيا). وقد جاء في تقرير الباحث أنه اعتمادًا على ما لوحظ من أن نقص المواد الكيماوية العصبية المسماة بالكاتيكولامين والسيروتونين في مثل هذه الحالات فقد تم بنجاح إرجاع نشاطها، وبأن هذا النوع من العمليات الجراحية قد أدى إلى تحسين واضح في العلاقات المرضية السريرية لهؤلاء المرضى وبالذات من ناحية الذاكرة. نلاحظ أن مثل هذه العمليات قد تكون بادرة حسنة في علاج مثل الحالات المستعصية.
4- التلف العضوي أو الوراثي للغدد الصماء
هناك نوعان من الغدد الصماء في المخ فنجد الغدة تحت البصرية وتسمى أيضًا الوطاء (HYPOTHALAMUS) والغدة النخامية (PITUITARY GLAND) وقد يحدث تلف عضوي أو وراثي لإحدى هذه الغدد الصماء. ونجد أنه في الوقت الحاضر أمكن معرفة وتصنيع مختلف أنواع الهرمونات الصادرة من هذه الغدد الصماء ومعرفة كيفية استعمالها ولكن طريقة استعمال هذه الهرمونات تتطلب مهارة وتدريبًا عاليًا من قبل الأطباء. لذلك فلا نستغرب أن سوء الاستعمال يؤدي إلى فشل العلاج كفشل علاج العقم مثلًا، وقد يكون فشل العلاج بواسطة الهرمونات عند غير المختصين خطيرًا كوفاة هؤلاء المرضى. لذلك تأتي فكرة زراعة خلايا الأعصاب لهذه الغدد الصماء أمرًا ضروريًا. وعلى العموم ما زالت المحاولات قائمة في زراعة الخلايا العصبية من الأجنة الحيوانية باستعمال خلايا عصبية تحتوي على خلايا الغدد الصماء ذاتها وتستزرع في مكانها المناسب. ونجد أن هذه المحاولات لا تزال في طور التجارب وهي تدلل على نجاح وإن كانت لم تطبق على الإنسان حتى هذا اليوم حيث نجد المؤتمر العالمي لجراحة الأعصاب المنعقد في الهند في شهر أكتوبر 1989 يخلو من التطبيقات السريرية الإنسانية، وإن كان هناك العديد من الأبحاث الحيوانية الناجحة في هذا الخصوص.
ثانيا - زرع الخلايا العصبية الحسية والحركية
نجد أن هناك أسبابًا عديدة تؤدي إلى تلف عضوي لهذه الخلايا فتتوقف الإشارات العصبية عن المرور ومن ثم تتوقف الحركة في اتجاه هذه الأعصاب علاوة على توقف الإحساس. ومن الأسباب العديدة للتلف العضوي نستطيع أن نستعرض حوادث السيارات أو الإصابات المختلفة للمخ أو العمود الفقري، علاوة على الإصابة بالجلطة وحرمان هذه الخلايا من الغذاء مما يؤدي إلى تلفها. أظهرت لنا التجارب على الحيوانات نتائج مشجعة في إعادة استصلاح هذا التلف إذا كان مصدر هذه الخلايا العصبية من أجنة هذه الحيوانات، وآخر هذه التقارير نجدها من فرنسا في المؤتمر الطبي العالمي لجراحة الأعصاب والذي انعقد في الهند في شهر أكتوبر 1989 حيث تم استرجاع 90% من المقدرة على الحركة بعد الشلل الكامل و90% في المقدرة على الإحساس وبهذا ندخل عصر التطور العلمي المذهل.
المصادر المشروعة لزراعة الخلايا العصبية
لقد انعقدت الندوة الفقهية الطبية الخامسة في الكويت في الفترة ما بين 23-26 أكتوبر 1989 بالتعاون بين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت ومجمع الفقه الإسلامي بجدة، ولم يكن لي الشرف حضور جلسات ومناقشات هذه الندوة والتي انصب معظم وقتها على هذا الموضوع لزراعة الخلايا العصبية وبحضور عدد كبير من الفقهاء والأطباء، ولكن كان لي شرف الاطلاع على البحوث الكتابية المقدمة لهذه الندوة والتي ساعدتني كثيرًا على فهم وكتابة هذا الموضوع. لذلك نجد المصادر المشروعة لزراعة الخلايا العصبية والتي أجازتها هذه الندوة الطبية الفقهية وحسب التوصيات المنشورة لهذه الندوة كالآتي:
1- الأجنة الإنسانية المجهضة
إن النجاح الذي تحقق في هذا النوع من العلاج الطبي للإنسان يرتكز مصدره إلى استعمال الأجنة الإنسانية في مراحل معينة من نموها، وبالذات قبل الأسبوع الثاني عشر وهي مرحلة قبل نفخ الروح، والسر في استعمال هذا التوقيت من نمو الجنين يرجع إلى قابلية هذه الخلايا إلى النمو في مخ الإنسان البالغ عند استزراعها وبصورة جيدة ومؤدية للنتائج المشجعة على النجاح المطلوب تحقيقه. ونظرًا لحرمة إجراء الإجهاض المتعمد للحصول على مثل هذه الخلايا الحية فإن الندوة الفقهية الخامسة أجازت فقط استعمال الأجنة المجهضة تلقائيًا أو لإجهاض مشروع لإنقاذ حياة الأم. ولكن هذا النوع من الأجنة المجهضة تلقائيًا أو لأمر مشروع غالبًا ما تكون متفتتة ولا تصلح لاستنبات أو لزراعة الأعصاب بسبب استعمال الطرق المختلفة للإجهاض أو بسبب توقيت حدوث الإجهاض هو أكثر من الأسبوع الحادي عشر. أما إن حدث الإجهاض التلقائي أو المشروع قبل الأسبوع الثاني عشر وكانت هناك استعدادات مباشرة لاستلام مثل هذه الخلايا وكانت نوعية هذه الخلايا جيدة فلا حرمة في استعمال مثل هذه الخلايا في زرعها بمخ الإنسان والاستفادة منها بالطريقة المناسبة.
2- الخلايا العصبية المستزرعة (CLONING)
نجد أن الطب الحديث بدأ في توفير خلايا متجانسة ومتوالدة عن طريق الاستنبات من أصل خلايا حية مصدرها من الأجنة الإنسانية. لذلك فإن المستقبل القريب إن شاء الله قد يحمل في طياته باستزراع خلايا الأعصاب المختلفة بهذا الأسلوب في مزارع علمية أجيالًا بعد أجيال للإفادة منها. فلا يوجد حرمة في اتباع مثل هذا الأسلوب في استعمال الخلايا المتوارثة بشرط أن يكون مصدر هذه الخلايا من أجنة مجهضة تلقائيًا أو لإجهاض مشروع.
3- البويضات الملقحة
نظرًا لإجازة العلماء الأفاضل في إجراء التجارب العلمية على البويضات الملقحة كما جاء في توصيات الندوة الفقهية الطبية الخاصة المنعقدة في الكويت في أكتوبر 1989، ونظرًا لانتشار علاج العقم بطريقة طفل الأنابيب فإنه قد يوفر لدى الأطباء ودون قصد أو إيذاء بويضات ملقحة وفائضة عن الحاجة، سواء حُفِظَت بوسائل التبريد الخاصة أو توفرت فور الانتهاء من علاج العقم بطريقة طفل الأنابيب والذي يظهر لنا في الوقت الحاضر استحالة الاستفادة أو استعمال مثل هذه الخلايا كمادة لزراعة الأعصاب، وكذلك استحالة استنبات مثل هذه البويضات الملقحة خارج الرحم الإنساني - في الوقت الحاضر - والوصول لمرحلة تكون الخلايا العصبية في الأسبوع الثاني، وبالتالي الاستفادة منها واستعمالها في زراعة خلايا الأعصاب، وإن كان التقدم العلمي والتكنولوجي قد يوفر في المستقبل القريب إن شاء الله أن يتحقق البحث العلمي في نجاح استنبات مثل هذه البويضات الملقحة، والوصول إلى مرحلة نمو الخلايا العصبية خارج الرحم الإنساني، وبالتالي زراعتها دون حرمة شرعية.
4- استعمال الخلايا العصبية لنفس الشخص
هناك إمكانية محدودة في استعمال خلايا عصبية مستخرجة من لب الغدة الكظرية (ADRENAL GLAND) أو في الجسم السباتي (CAROTID BODY) الموجود في الرقبة. علاوة على أنه يمكن استزراع مثل هذه الخلايا بطريقة التوالد (CLONING) وممكن توفير أنواع محدودة وجيدة لهذا النوع من الخلايا، ولكن مع الأسف نجاح مثل هذه العمليات في زراعة هذه الخلايا العصبية ما زال غير مشجع إذا كان مصدرها في نفس الشخص.
5- الأجنة الحيوانية
هناك تجارب في غاية الأهمية تؤكد نجاح فكرة نقل خلايا عصبية من أنواع مختلفة في الحيوانات إلى أنواع أخرى، ونجد أن التجربة الأهم والتي تمت بنجاح تخص نقل خلايا عصبية من جنين إنساني إلى حيوان يعاني من مرض الشلل الرعاش تمت التجربة بنجاح عام 1985، وهذا لا شك يفتح آفاقًا جديدة بأخذ خلايا عصبية من مخ جنين حيواني إلى إنسان دون أن يكون هناك مشكلة في الرفض المناعي علاوة على توفر الأدوية الحديثة لمعالجة مثل هذه المشكلة للرفض المناعي، فبذلك يكون المستقبل القريب مليئًا بالمفاجآت السارة في هذا الخصوص إن شاء الله.
الأخلاق الطبية
إن موضوع زراعة الخلايا العصبية يظهر لنا بصورة مشرقة من التفاؤل والفرحة في علاج حالات مستعصية، ولكن ومع الأسف هناك صورة قاتمة سوداء في نفس هذا الموضوع يجب علينا توضيحها ووضع حلول لإصلاح خللها. حيث نجد أن الممارسة الطبية في العصر الحديث خلقت موازين جديدة في أخلاقيات المهنة الطبية مما جعلت الباطل وكأنه حق مكتسب فلذلك نجد أن الإجهاض المتعمد أصبح أمرًا طبيعيًا وتحت حماية القانون في كثير من بلدان العالم وبغض النظر إن كان لأسباب مشروعة ومقبولة طبيًا، كتعرض الأم لخطورة الحمل وهي بالقياس تعتبر حالات قليلة ونادرة، أو الإجهاض المتعمد يكون لأسباب جنائية وبفعل فاعل لإنهاء استمرار الحمل كوسيلة من وسائل منع الحمل وتحت حماية القانون في كثير من بلاد العالم بحيث لا يأخذ الصفة الجنائية أو القتل العمد ولا يتعرض فاعله للمساءلة القانونية أو الإدارية. ونجد الإحصائيات بهذا الخصوص تدلل على أرقام مذهلة تصل إلى 50 مليون حالة إجهاض سنويًا في العالم أجمع، والذهول هنا نراه في أعين كثير من أبناء تلك البلاد حيث كونوا جمعيات معادية ومناهضة لهذا القتل الإنساني. نجد أن الأسوأ من ذلك هناك تجارة واسعة وخفية في الأجنة المجهضة تقوم بها جهات طبية محترمة تحت ستار الاستفادة العلمية من أجل الإنسانية لأن هذه الأجنة كما يقولون مصيرها أكياس القمامة، فالأولى الاستفادة منها في البحث العلمي الهادف إلى شفاء الأمراض، والأدهى والأمر من ذلك أن كثيرًا من الفتيات اللواتي يَحْمِلْنَ سفاحًا يغرر بهن لإزالة هذه الأجنة المجهضة جراحيًا بعمليات جراحية بفتح البطن وانتزاع الخلايا العصبية المطلوبة من مخ الجنين وهي حية وذلك بقتل الجنين تعمدًا وقسرًا من أجل إنجاح عمليات زراعة الخلايا العصبية بالمخ بحجة أن هذا الجنين قد أصبح مصيره كيس القمامة، بينما هناك إنسان آخر مريض يمكن أن يشفى بالاستفادة من هذه الأعضاء المنزوعة من هذا الجنين وهو حي دون أن تكون هناك حرمة لهذا الإنسان الجنين في بطن أمه ودون أن تكون هناك رحمة أو شفقة بحجة أن الرحمة والشفقة هما فقط للإنسان البالغ كما يدعون. كذلك نجد هناك نوعًا آخر من المحرمات الخطيرة والمتعمدة، فهناك فتيات يَحْمِلْنَ من جراء تلقيحهن اصطناعيًا من الحيوانات المنوية لآبائهن وبعد بلوغ الحمل مراحل معينة يتم الإجهاض عمدًا وبتخطيط مسبق بين الطبيب والفتاة من أجل انتزاع هذا الجنين والحصول على الخلايا العصبية من مخه بواسطة فتح بطن الأم جراحيًا وذلك لعمل زراعة الخلايا العصبية لوالد الفتاة والذي هو المريض وفي الوقت نفسه الأب الحقيقي لهذا الجنين، وبذلك تكون فرصة نجاح هذه العمليات عالية أولًا لتوفر الخلايا العصبية والتي تحمل الصفات الوراثية لنفس الشخص حيث إن الجنين هو نفسه ابن الفتاة والأم وبالتالي نجد فرصة رفض مثل هذه الخلايا تعتبر معدومة.
إن هذه الممارسة الطبية الشاذة عن القواعد الأخلاقية الصحيحة قد نشأت وترعرعت لغياب القوانين المنظمة لها من ناحية ولغياب الوازع الديني بخاصة عند الغرب من ناحية أخرى، وكذلك نظرًا لضغط المرضى المحتاجين للعلاج والذين لا تهمهم الأخلاق إلا أنانيتهم وحب نجاح العلاج بأي ثمن، وبغض النظر عن الأبعاد الخطيرة لهذه الأمور الحساسة علاوة على هذا وذاك تلك المكاسب العلمية والمالية للأطباء شجعت على مثل هذه الممارسات الخاطئة فنشأت تجارة واسعة وخفية دون وازع من ضمير أو احترام لشرف المهنة الطبية.
الدعوة إلى الله
إن الممارسة الطبية الخاطئة في هذا المضمار وفي تخصصات أخرى كثيرة مثل أطفال الأنابيب حيث يتم نقل البويضات من نساء إلى أخريات ويتم تلقيح بنات دون زواج وبإنشاء بنوك للمني وغير ذلك من الأمور اللاأخلاقية وغير السليمة والتي ترفضها الفطرة الإنسانية، تحتم علينا نحن المسلمين أن تكون لنا وقفة جادة في نصرة دين الله لضمان عدم تحقق مثل هذه الأمور الشاذة في بلاد المسلمين وللدعوة إلى الله في بلاد غير المسلمين والذين يشاع عندهم هذه الممارسات الخاطئة باسم العلم والتقدم العلمي ومصداقًا لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33) ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (آل عمران:110).
لذلك من أجل الدعوة إلى الله سبحانه يستلزم علينا نحن المسلمين أن نضع حلولاً لإصلاح مثل هذا الخلل الحاصل بالممارسة الطبية الخاطئة وهذه الحلول يكون فيها نصرة دين الله وتبليغ رسالة الإسلام سواء لوصول المعلومات الصحيحة والسليمة لأبناء المسلمين وعلمائهم، وكذلك لإبلاغ الناس كافة بحكم الله وهذا نجده في الحلول التالية:
1- الندوات والمؤتمرات الطبية والفقهية
إنه لمما يؤسف له أن تصدر فتاوى فردية تكون قاصمة للظهر كما يحدث في بعض الأحيان، والأمثلة على ذلك كثيرة لا داعي لذكرها، ولكن السر في الأسف في هذه الأمور يرجع إلى قلة الثقافة الطبية لدى الفقهاء وهذا أمر وارد. لذلك وبحمد الله نجد البدائل للفتوى الفردية وهي إقامة مجامع فقهية وظهور توصيات وفتاوى جماعية للفقهاء عند حضورهم ندوات ومؤتمرات يكون فيها متخصصون من الأطباء يكشفون أسرار مهنتهم فتصبح الحقائق جلية وواضحة لدى الفقهاء، ويكون الارتياح في الفتوى نابعًا من قناعات وافية. لكن تبقى هناك نقطتان أساسيتان:
- أولاهما:
ضرورة توفر القاعدة العريضة والواسعة في هذه المؤتمرات والندوات من المختصين
ومن الفقهاء من أجل الاستفادة العلمية الواسعة حتى يعم الخير.
- الأخرى: لا تكفي صدور التوصيات من هذه الندوات والمؤتمرات، بل
الواجب توصيل هذه المعلومات والتوصيات إلى أهل الفتوى حتى لا نرجع إلى الأسف
في صدور الفتاوى الفردية الشاذة بالرغم من وجود فتاوى جماعية، ولم تصل لصاحب
الفتوى الفردية. كذلك نحن مطالبون أن نخاطب الناس على قدر عقولهم فمن الواجب
أن تكون هناك برامج توعية بكل وسائل الإعلام المتاحة يتم فيها شرح هذه الأمور
بأبسط ما يكون الشرح مع تبيان ما يحبه الله ويرضاه حتى تتوفر الثقافة
الإسلامية الضرورية لكل مسلم من أجل ألا يسافر مسلم للعلاج وهو لا يعلم حدود
ما أنزل الله فيقع في الحرام، وهذا واجب أمانة في أعناق العلماء كما نقرأ في
كتاب الله سبحانه. ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ
مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ
إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾
(التوبة:122).
2- الثقافة الطبية الإسلامية
إنه لمن الضروري أن تدرس هذه الثقافة الطبية الفقهية في كليات الطب والمعاهد الصحية المختلفة للعلوم الطبية كالتمريض وغيرها. وذلك لأن موازين الغرب في الأخلاق الطبية أصبحت غريبة عن موازين الإسلام. لذلك فالمطلوب التفرقة في السلوك والتفكير حتى يستوعب أبناء الإسلام والدارسون والعاملون بالأمور الطبية منذ مراحل الدراسة الثقافية الطبية الإسلامية، فتكون تنشئتهم سليمة وبالتالي ممارستهم سليمة.
3- العمل الجماعي المنظم
إن المؤسسات الإسلامية كرابطة العالم الإسلامي والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية وغيرها يقع على عاتقها كثير من المهام في الاستفادة من هذه الثغرة ألا وهي الممارسات الطبية الخاطئة باسم العلم والإنسانية لتستغلها في الدعوة. ويمكن لهذه المؤسسات الاستعانة بأهل الخبرة الطبية والمشهود بصلاحهم سواء الذين يعملون في البلاد الغربية أو الذين سبق لهم العمل في تلك البلاد بدعوتهم إلى مؤتمر موسع والوصول إلى برنامج عمل جاد ومثمر. إضافة إلى ذلك يمكن لهذه المؤسسات دعم وتشجيع الأطباء المختصين للمشاركة بالمؤتمرات العالمية الطبية وطرح وجهة نظر الإسلام الخاصة بالأخلاق الطبية.
الخلاصة
إن الإعجاز الصحيح أصبح حقيقة واقعة في حياتنا وأصبح بالإمكان علاج أمراض كان مستحيلاً علاجها وتحسن أصحابها بالطرق المعهودة قبل ذلك. ونجد من هذه الإعجازات العلمية ما يخص زراعة خلايا الأعصاب في مخ الإنسان البالغ. ونظرًا لكون الأجنة الإنسانية هي أفضل المصادر لهذه الجراحات لذلك نجد أن الممارسة الطبية بدأت تسير بخطى خاطئة مستغلة العلم وخدمة الإنسانية على حساب شرف المهنة الطبية، وعلى العموم نجد أن هناك حلولًا بديلة وجيدة كمصدر لخلايا الأعصاب وليس فيها حرمة. لذلك يتطلب منا جميعًا أن نعرف الصواب من الخطأ علاوة على ضرورة تدخلنا لمعالجة مشكلة الممارسات الطبية الخاطئة والدعوة إلى الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
- أولاهما:
ضرورة توفر القاعدة العريضة والواسعة في هذه المؤتمرات والندوات من المختصين
ومن الفقهاء من أجل الاستفادة العلمية الواسعة حتى يعم الخير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل