العنوان زوال ليل الظالمين
الكاتب جاسم بن محمد مهلهل
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أكتوبر-1984
مشاهدات 73
نشر في العدد 688
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 23-أكتوبر-1984
اللهم قد طال ليل الظالمين، واشتد الكرب على الداعين المصلحين، وتفرعن كل طاغية مبين، وضعف كل مصلح كريم من ورائه سوط جلاد بدين وسجن مفسد لعين. اللهم ألطف بنا بسمت أيمن أصيل، وفهم دين عميق واستبانة كل مجرم عنيد... اللهم آمين آمين.
الخير بالنوع المبين لا بالغث السمين
إن مجيء الظالمين لم يكن بمجرد الصدفة العارضة بل هو نتاج عمل مستمر طويل كان من خلفه اليهود يخططون ويعملون ويبرمجون، فلذلك لا بد بالمقابل لمن أراد أن ينهي هذا الكابوس المخيف أن ينظر بمنظار العمل البعيد تاركًا خلفه الملل والاستعجال والكسب السريع، سائلًا العون والسداد والتوفيق من الله العزيز، وقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة في حديث مسلم في كتاب الفتن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليست السنة بأن لا تمطروا ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا ولا تنبت الأرض شيئًا».
فالنص بين أن الأمر ليس بالكثرة الكاثرة ولا بالظواهر البراقة والبهرج الزاهي اللاهي عن حقيقة الأمور، بل الأمر متعلق بالتأصيل العقائدي الراقي وفق منهجية النبي صلى الله عليه وسلم في تكوين القاعدة الصلبة المنطلقة شهادة الحق لا إله إلا الله محمد رسول الله، والتي من أفرادها من وزن بالأمة ليس فيها النبي صلى الله عليه وسلم فرجح!!
ولكن هذه الحقيقة تغيب حتى على من درسها وأصلها وذلك في زحمة التنافس والتسابق إلى تجميع الأنصار، ويكون كذلك قليل الفقه الذي ينظر إلى كم المطر ولا يبحث عن الأثر المترتب على الماء النازل من السماء، وينسى أنه ليس غاية في ذاته بل هو وسيلة لإنبات الزرع.
وقد نبه السيد قطب رحمه الله على ذلك في كتابه القيم معالم في الطريق الذي لا بد للداعية في مسيرته للدعوة إلى الله من قراءته وفهمه ومدارسته بعد حفظه لمتون الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد ولنصوص شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في الرسالة التدمرية والحموية وغيرهما فإن الجهد والتعب في انتقاء المنهج يقي المصارع وعدم الانتقاء في المنهج والأعوان سيجمع ويكثر ولكن سيكون ذلك كالمطر الذي ينزل وينزل ولا تنبت الأرض وتظل السنة موجودة، وهكذا يتجمع الناس من كل صوب وحدب وتعقد المؤتمرات والمهرجانات ويشعر الدعاة بالثراء، ويتولد عندهم الاطمئنان ويشعرون بالضمان وينسون قواعد الولاء والنصرة وتحت إطار الوحدة والتكاثر يدعون إلى التجاوز عن معاني البدع كعامل من عوامل التمييز غافلين عن قول الفضيل بن عياض «من أعان صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه».
العنف لا ينفي النصح
من المسلم به أن الرفق ما كان في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شأنه وهذه القاعدة الواردة بالأثر منطلقة من قوله تعالى ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾. (طه: 44) ولكن هذا لا يمنع أنه إذا اشتد الأمر ومن منطلق الحب والنصح تقسو العبارة، وهنا لا تمنع خشونة الكلمة الأخذ بها، فهذا الطبري رحمه الله يروي لنا كيف تمثل العباس بن الوليد بن عبد الملك وهو من بني أمية بأبيات يحذر بها بني قومه وينذرهم فيقول:
إني أعيذكم بالله من فتن
مثل الجبال تسامى ثم تندفع
أن البرية قد ملت سياستكم
فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا
لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم
إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا
لا تبقرن بأيديكم بطونكم
فثم لا حسرة تغنى ولا جزع
ولا يقول قائل إن ذلك من باب الهدم بل هو من قبيل الحرص على استمرار مقومات البقاء ولكن الخاسر من كره مبادرات الناصحين.
مماشاة الظالمين ظلم
تحت وطأة الواقع واشتداد المحن واستمرارية الظلام وعجز الثقات تلين عراك أصحاب الدعوة إلى الله فيركنون إلى الذين ظلموهم ظانين أنهم إنما يقدمون للدعوة خيرًا كثيرًا ببناء مسجد أو تشييد ملجأ فتمسهم النار وهم لا يشعرون لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث صفية «لا ينتهي الناس عن غزو هذا البيت حتى يغزو جيش حتى إذا كانوا بالبيداء أو ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم. ولم ينج أوسطهم. قلت يا رسول الله فمن كره منهم؟ قال يبعثهم الله على ما في أنفسهم». قال الترمذي حديث حسن صحيح.
وفي هذا الحديث بيان واضح في الأمر بالتباعد عن أهل الظلم والتحذير من مجالستهم لأنه من كثر سواد قوم جرى عليهم حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا. ذكر ذلك الزمام النووي.
لذلك أنشد الشاعر:
فقل لبني الظالمين حيث حلوا
وإن خفت المهند والقطيعا
إلا أف لدهر كنت فيه
هدانا طائعًا لكم مطيعًا
أجاع الله من أشبعتموه
وأشبع من بجوركم أجيعا
لذلك قال السيد قطب رحمه الله مبينًا ما على نظرة الداعية للصراع مع الباطل بأن المسلم «ينظر إلى غالبه من عل ما دام مؤمنًا. ويستيقن أنها فترة وتمضي وأن للإيمان كرة لا مفر منها، وهبها كانت القاضية فإنه لا يحني لها رأسًا. إن الناس كلهم يموتون، أما هو فيستشهد. وهو يغادر هذه الأرض إلى الجنة، وغالبه يغادرها إلى النار وشتان شتان. وهو يسمع نداء ربه الكريم: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (197) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (198) لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾. (سورة آل عمران: 198-197).
والجاهليون يغفلون عن هذه الحقائق التي ينطلق منها دعاة الإسلام فيشردونهم، ويضيقون عليهم، لكنهم يخسرون كل جولة في النهاية. بما صادموا من الفطرة التي جبل الله عليها الدعاة إليه.
الدعاء الصادق سلاح فاحذروه
إن زوال الباطل وذهاب الظلم كما هو بالسلاح والإعداد هو كذلك بالدعاء وصدق التوجه وهذا بين في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم:
عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي لتنفقن كنوزهما في سبيل الله».
وتدور الأيام ويذهب ملك كل من الدولتين ولكن يختلف ذهاب عن ذهاب فقيصر بقي ملكه وإنما ارتفع من الشام وما والاها أما كسرى فقد ذهب ملكه أصلًا ورأسًا وذلك لأن قيصر لما جاءه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قبله وكاد أن يسلم. وكسرى لما أتاه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم مزقه فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أن يمزق ملكه كل ممزق.
لذلك كان تحذير «أبو حامد» الغزالي صاحب الأحياء من دعاء أهل طوسي لأنه مجرب ولهم ميزة الصلاح وبهذا صح بالأثر اتقوا دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب.
تصديق المسلمين لبعضهم البعض سبيل إلى الخير
الأصل بالمسلم أن لا يشك بإيمانه وبمنهجه وبطريقه لأنه إنما سلكه على علم ونور لا على تقليد وجهل ولكنه كلما أتاه أخوه المسلم بما يثبت ما هو عليه من حق كان ذلك أدعى إلى فرحه فالمسلمون كالبنيان يشد بعضه بعضًا وهنا نسوق قصة تميم الداري ففيها الشاهد حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر قومه عن الدجال وما من نبي إلا حذر قومه منه وفي أحد الأيام في المدينة وفي وقت القيلولة يأتي الخبر الذي يثبت ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق الذي لا يحتاج إلى برهان على صدقه ومع ذلك يفرح فرحًا يمنعه من القيلولة ويجعله صلى الله عليه وسلم يجمع المسلمين من غير جمعة.
فعن فاطمة بنت قيس قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، وصعد المنبر. وكان لا يصعد عليه، قبل ذلك، إلا يوم الجمعة، فاشتد ذلك على الناس، فمن بين قائم وجالس فأشار إليهم بيده أن اقعدوا «فإني والله! ما قمت مقامي هذا لأمر ينفعكم، لرغبة ولا لرهبة، ولكن تميما الداري أتاني فأخبرني خبرًا منعني القيلولة من الفرح وقرة العين، فأحببت أن أنشر عليكم فرح نبيكم. ألا إن ابن عم لتميم الداري أخبرني أن الريح ألجأتهم إلى جزيرة لا يعرفونها. فقعدوا في قوارب السفينة. فخرجوا فيها. فإذا هم بشيء أهدب أسود. قالوا له: ما أنت؟ قال: أنا الجساسة . قالوا: أخبرينا. قالت: ما أنا بمخبرتكم شيئًا، ولا سائلتكم. ولكن هذا الدير، قد رمقتموه. فأتوه فدخلوا عليه. فإذا هم بشيخ موثق، شديد الوثاق يظهر الحزن شديد التشكي. فقال لهم: من أين؟ قالوا: من الشام. قال: ما فعلت العرب؟ قالوا: نحن قوم من العرب. عم تسأل؟ قال: ما فعل هذا الرجل الذي خرج فيكم؟ قالوا: خيرًا ناوي قومًا. فأظهره الله عليهم. فأمرهم اليوم جميع: إلههم واحد. ودينهم واحد. قال: ما فعلت عين زغر؟ قالوا: خيرًا. يسقون منها زروعهم. ويستقون منها لسقيهم. قال: فما فعل نخل بين عمان وبيسان؟ قالوا: يطعم ثمره كل عام، قال: فما فعلت بحيرة الطبرية ؟ قالوا: تدفق جنباتها من كثرة الماء. قال: فزفر ثلاث زفرات، ثم قال: لو انفلت من وثاقي هذا، لم أدع أرضًا إلا وطأتها برجلي هاتين إلا طيبة ليس لي عليها سبيل». قال النبي صلى الله عليه وسلم «إلى هذا ينتهي فرحي. هذه طيبة. والذي نفسي بيده ما فيها طريق ضيق ولا واسع ولا سهل ولا جبل، إلا وعليه ملك شاهر سيفه إلى يوم القيامة».
وهكذا يتناصر المسلمين بعضهم مع بعض يزول ليل الظالمين والله سبحانه خير معين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل