; زوجات الدعاة | مجلة المجتمع

العنوان زوجات الدعاة

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1988

مشاهدات 73

نشر في العدد 861

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 05-أبريل-1988

  • وافدة النساء:

    أخرج مسلم في صحيحه أن أسماء بنت يزيد الأشهلية أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه فقالت: "بأبي وأمي أنت يا رسول الله أنا وافدة النساء إليك، إن الله عز وجل بعثك إلى الرجال والنساء كافة، فآمنا بك وبإلهك وإنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم -معشر الرجال- فضلتم علينا بالجُمع والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله عز وجل، وإن الرجل إذا خرج حاجًا أو معتمرًا أو مجاهدًا حفظنا لكم أموالكم وغزلنا أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفما نشارككم في هذا الأجر والخير؟" فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كله، ثم قال: "هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من سادتها في أمر دينها من هذه؟" فقالوا: يا رسول الله، ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها فقال: "افهمي أيتها المرأة، وأعلمي من خلفك من النساء، أن حسن تبعُّل المرأة لزوجها وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته يعدل ذلك كله، فانصرفت المرأة وهي تهلل" (1).

    زوجة الداعية:

    الداعية إلى الله ليس كباقي الرجال الذين هم بعيدون عن أعباء الدعوة، ومن الصعب أن يكون مثلهم في كل شيء، إنه صاحب هم ورسالة؛ هم على ضياع أمته، وانتشار الفساد وزيادة شوكة أهله، وهم لما يصيب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من مؤامرات وظلم وجوع وإذلال، وما يصيب الدعاة منهم من تشريد وتضييق وتنكيل. وبعد ذلك هو صاحب رسالة واجب عليه تبليغها للآخرين، حيث أن هذا الوجوب على الجميع، ولكن الذي فرق بينه وبين الآخرين أنه هو الذي بادر من بينهم لحمل هذه الأمانة، وقبل أن يتحمل تبعاتها ومشاقها. ولا شك أن واجب الدعوة إلى الله يتطلب وقتًا طويلًا قد يأخذ عليه أوقات نومه وراحته، وأوقات زوجته وأبنائه ويتطلب تضحية بالمال والوقت والدنيا بأسرها، ما دام ذلك في سبيل مرضاة الله سبحانه وتعالى. ورجل مثل هذا لا تصلح له أي زوجة وإن أوتيت من الأخلاق والتقوى والجمال والحسب ما أوتيت. إنه ليحتاج إلى زوجة تدرك واجب الدعوة وأهميته، وتدرك تمامًا ما يقوم به الزوج، وما يتحمله من أعباء، وما يعانيه من مشاق، فتقف إلى جانبه تيسر له مهمته وتعينه فيها، لا أن تقف عائقًا وشوكة في طريقه.

    زوجات الصحابة:

    ويبدو من الحديث أن جميع الأوصاف التي يريدها الداعية إلى الله في المرأة قد تجسدت في زوجات الصحابة رضي الله عنهم، كما بينت ذلك الصحابية الجليلة أسماء بنت يزيد رضي الله عنها، ومع ذلك فهي تحسن تبعلها لزوجها، أي أنها لا تؤذيه في قول أو فعل، فلا تضايقه بكثرة السؤال عن تأخره بليل أو نهار، ولا تلح عليه بأن يخرجها للتنزه أو السفر للخارج، ولا تعيره بالرجال الآخرين الذين لا يرتبطون بالدعوة. فيقول له: "انظر إلى فلان ماذا يفعل لزوجته، وفلان ماذا يعطي زوجته، وفلان ماذا يشتري لزوجته ... إلخ". ومع تقصيره في حقوقها، وتأخره عن المنزل، وانشغاله حتى عن نفسه في أمور الدعوة، تراها دائمة الابتسامة "إذا نظر إليها سرته .... الحديث" لا تغضب، بل ترضى وتفرح لشرف انشغال زوجها بما يحب الله، واختيار الدار الآخرة على الدار الفانية، فهي مستيقنة أن زوجها لا يوجد من هو أحسن قولًا منه عند الله، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:33) (2). بل إن بعض زوجات الصحابة رضي الله عنهن، كن يشاركن أزواجهن الجهاد، وبعضهن كن يتمنين الموت في سبيله، وكن يغبطن الرجال على الجهاد في سبيل الله، وذلك واضح في كلمة "وافدة النساء" وكن يطردن أزواجهن إذا فروا من الزحف، ويغلقن في وجوههم الأبواب.

    نماذج من زوجات الدعاة:

    ونترك الصحابية الجليلة أم المؤمنين أم سلمة تتحدث عن نفسها وتقول: "لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة، رحَّل لي بعيره ثم حملني عليه، وجعل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج يقود بي بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة، قاموا إليه فقالوا هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده وأخذوني منه، قالت: وغضبت عند ذلك بنو عبد الأسد، رهط أبي سلمة، وقالوا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، فتجاذبوا ابني سلمة، بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، قالت: ففرق بيني وبين ابني وبين زوجي، قالت: فكنت أخرج غداة فأجلس في الأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي، سنة أو قريبًا منها - حتى مر بي رجل من بني عمي، أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون من هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها، وبين ولدها؟ قالت: فقالوا لي الحقي بزوجك إن شئت" (3).

    أم سليم:

    جاء في ترجمة "الرميصاء بنت ملحان، أم أنس بن مالك رضي الله عنها، والتي كانت تكنى "بأم سليم" عن أنس ولدها قال: "ثقل ابن لأم سليم، فخرج أبو طلحة إلى المسجد، فتوفي الغلام فهيأت أم سليم أمره، وقالت: لا تخبروه. فرجع، وقد سيرت له عشاءه، فتعشى، ثم أصاب من أهله: فلما كان من آخر الليل، قالت: يا أبا طلحة، ألم تر إلى آل أبي فلان استعاروا عارية، فمنعوها، وطلبت منهم، فشق عليهم، فقال: ما أنصفوا. قالت: فإن ابنك كان عارية من الله فقبضه. فاسترجع وحمد الله فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: أعرستم الليلة؟ قال: نعم. قال: اللهم بارك لهما في ليلتهما. فولدت غلامًا" (4). وهي التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: "دخلت الجنة، فسمعت حشفة بين يدي، فإذا أنا بالغميصاء بنت ملحان" (5). أي ثبات ورباطة جأش تملكها هذه الزوجة المجاهدة، إنها تصبر، بل وتربي زوجها على الصبر بأسلوب ينبع من فهم عميق لهذه العقيدة، ولا عجب بعد ذلك أن تكون من أهل الجنة.

    معاذة العدوية:

    زوجة صلة بن أشيم السيد الكبير الذي مات شهيدًا قبل شيخه ابن عباس كما أورد الإمام الذهبي ترجمته في سير أعلام النبلاء (6)، وكانت من العابدات الزاهدات فعن "ثابت البناني أن صلة بن أشيم كان في مغزى له ومعه ابن له فقال: أي بني تقدم فقاتل حتى أحتسبك فحمل فقاتل حتى قتل -رحمه الله- ثم تقدم فقتل، فاجتمعت النساء عند امرأته معاذة العدوية، فقالت: مرحبًا إن كنتن جئتن لتهنينني فمرحبًا، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن" (7). إنها لا تلطم ولا تشق الجيوب، ولا تجزع، إنما تفرح وتريد من النساء أن يهنئنها على شهادة زوجها، يا لهن من نساء بمثلهن تنجح الدعوة، ويزداد انطلاق الدعاة.

    1.     صحيح مسلم.

    2.     فصلت:33.

    3.     البداية والنهاية 3/170.

    4.     أخرجه البخاري 9/509 ورواه مسلم (2144). وفي سير أعلام النبلاء 2/310.

    5.     مسلم (2456) والبخاري 7/34.

    6.     سير أعلام النبلاء 4/333 و509 والبداية والنهاية 9/15.

    7.     الزهد لأحمد 208.

     

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 7

142

الثلاثاء 28-أبريل-1970

ركن الأسرة - العدد 7

نشر في العدد 530

68

الثلاثاء 26-مايو-1981

فقهوهن في دين الله