العنوان على هامش تمديد بعثة المينورسو بالصحراء المغربية 6 أشهر.. سباق أمريكي روسي للقضية أجواء الحرب الباردة
الكاتب مصطفي الخلفي
تاريخ النشر السبت 17-أغسطس-2002
مشاهدات 58
نشر في العدد 1514
نشر في الصفحة 38
السبت 17-أغسطس-2002
محور أمريكي مغربي يتبنى الحكم الذاتي في مواجهة محور روسي جزائري يتمسك بالاستفتاء على تقرير المصير
مواقف الجزائر إزاء الملفات المغربية الساخنة مع إسبانيا والبوليساريو تشعل صراعًا سياسيًا عاصفًا بين البلدين. متى تزول هذه الخلافات التاريخية؟!
المتأمل في التطورات الأخيرة لقضية الصحراء المغربية داخل مجلس الأمن يسترجع ذكريات ماضية لوقائع الحرب الباردة والتي يبدو أنها مازالت تحكم التعاطي الدولي مع هذه القضية، فقد برز للعيان تقاطب أمريكي روسي إزاء مستقبل التعامل الدولي مع هذا النزاع. وبموازاة ذلك فإن هناك اصطفافًا مغربيًا وراء الولايات المتحدة الأمريكية التي حشدت إلى جانبها كلًا من فرنسا وبريطانيا في مقابل اصطفاف جزائري وراء روسيا التي حشدت هي الأخرى إلى جانبها الصين.
ولكن لم يبد أن هناك إحياء لأجواء الحرب الباردة في هذه القضية.
التقاطب الدولي برز أيضًا على صعيد إحياء الملفات القديمة وعلى رأسها ملف الحدود بين المغرب والجزائر الذي اندلعت بسببه حرب عاصفة في عام ۱۹٦٣ حرب الرمال. ولم يكن إحياء هذا الملف مسألة معزولة، بل جاء في سياق زيارة وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بلخادم إلى فرنسا يوم ٢٥ يوليو الماضي كما ارتبط أيضًا بالموقف الغريب للجزائر إزاء النزاع المغربي الإسباني حول جزيرة ثورة، هذا فضلًا عن مناخ سباق التسلح الذي تتزعمه الجزائر في المنطقة المغاربية وتوجته في ربيع هذه السنة بتوقيع اتفاق عسكري ضخم مع روسيا.
التقاطب الأمريكي الروسي حول مشروع تسوية النزاع
في نهاية أبريل الماضي فشلت الولايات المتحدة في إجازة مشروع أمريكي مدعوم من بريطانيا وفرنسا يقضي بتبني الخيار الثاني في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول النزاع المتمثل في خيار الحل السياسي القائم على اتفاق إطار يضمن السيادة المغربية، ويسمح بصلاحيات واسعة في مجالات التسيير والتدبير المحلي السكان الصحراء، وهو ما يعني إلغاء الخيارات الأخرى المتمثلة في كل من خيار الاستفتاء وخيار التقسيم ثم خيار انسحاب الأمم المتحدة من النزاع، وقد ارتكز المقترح الأمريكي على دعوة المبعوث الشخصي للأمين العام جيمس بيكر الإدخال تعديلات جديدة على مشروع الاتفاق الإطار الذي سبق للأمم المتحدة أن أعلنت عنه في يوليو ۲۰۰۲ ليكون بمثابة أرضية للحل السياسي إلا أن رفض الجزائر والبوليساريو لهذا الاتفاق جعل إمكانات التوصل إلى حل سياسي جد ضعيفة، مما فرض البحث عن خيارات أخرى.
وقد توصل مجلس الأمن منذ ثلاثة أشهر إلى إحالة المقترح الأمريكي على لجنة الخبراء في الأمم المتحدة لدراسته وإنضاجه استعدادًا للتداول حوله من جديد داخل مجلس الأمن، وهو ما لم يؤد الغرض المقصود حيث تجدد نفس الخلاف الروسي الأمريكي في اجتماعات مجلس الأمن في يوم ٢٦ يوليو ٢٠٠٣، عندما تقدمت روسيا بمجموعة تعديلات تكشف من خلالها عن تبني الأطروحة الجزائرية التي تعطي الأولوية لإجراء الاستفتاء.
ولفهم أبعاد هذه التعديلات الروسية تعرض في البداية لنص المقترح الأمريكي المقدم المجلس الأمن في صيغة مشروع قرار أمريكي بريطاني فرنسي يقترح تكليف المبعوث الشخصي جيمس بيكر بإعداد اتفاق نهائي ينص على تقرير المصير مع مراعاة المشاغل التي أعرب عنها الطرفان وجهات أخرى لها خبرة في ة في هذا الشأن وتقديم مقترح نهائي إلى مجلس الأمن يجري استعراضه ثم عرضه على الطرفين، كما يقترح مشروع القرار تمديد ولاية بعثة المينورسو إلى نهاية نوفمبر المقبل أي أربعة أشهر إضافية.
وقد عقد مجلس الأمن جلستين مغلقتين الدراسة هذا المشروع: الأولى يوم ٢٣ يوليو الماضي والثانية يوم ٢٦ من نفس الشهر، وبموازاة ذلك نشطت المشاورات والاتصالات والمراسلات بين الأطراف المعنية في اتجاه مجلس الأمن وكذا اعضائه من أجل التأثير على القرار النهائي للمجلس، وفي هذا الإطار تقدمت روسيا بتعديلات على مشروع القرار الأمريكي البريطاني الفرنسي تعيد الاعتبار لخيار الاستفتاء ضمن هذا المشروع. فقد اقترحت روسيا صيغة جديدة تدعو إلى تكليف جيمس بيكر «لإعداد اقتراحات إضافية لتسوية سلمية للنزاع حول الصحراء الغربية، مع الأخذ في الاعتبار المبادئ والأسس الموجودة في خطة التسوية وفي مشروع اتفاق الإطار الذي ينص على حق تقرير المصير، مع مراعاة المشاغل التي أعرب عنها الطرفان وجهات أخرى لها خبرة في هذا الشأن واستطلاع اقتراحات مع الأطراف».
وقد تولد عن كل من مشروع القرار الأمريكي والتعديلات الروسية عليه نقاش حاد بين الطرفين المعنيين مباشرة بالنزاع بين المغرب والجزائر والبوليساريو فمن جهة عمدت كل من الجزائر والبوليساريو إلى تشديد رفضهما المشروع القرار الأمريكي وإعلانهما عدم الاستعداد المطلق للتعامل في إطاره، بل إن الجزائر دخلت في مواجهة مفتوحة مع هذا المشروع الذي اعتبرته ليس سوي مشروع أقلية في مجلس الأمن، وفي المقابل دعم المغرب بشكل كبير هذا المشروع الذي اعتبره «ينطلق من ضرورة التوصل إلى حل سياسي وسط يتم بموجبه منح سلطات واسعة للسكان المعنيين في إطار احترام امتيازات السيادة المغربية».
أما بخصوص التعديلات الروسية فقد لاقت هي الأخرى تصادمًا مغربيًا جزائريًا. فمن جهة دعمت الجزائر والبوليساريو التعديلات الروسية واعتبرتها بمثابة مخرج، وأنها تستحق «التشجيع» في الوقت الذي ناهضها المغرب بشكل مطلق، موضحًا أنه «لا يمكن للتعديلات الروسية أن تكون أساسًا لأي حل سياسي في إطار وساطة بيكر والمغرب ليس مستعدا لأن يشارك في أية عملية مبنية على الغموض»، وأن النتيجة المنطقية لتبني مقترح يجمع بين خياري الاستفتاء والحكم الذاتي هي الفشل.
أمام هذا الرفض المتبادل لكلا المقترحين دخلت المشاورات الأممية مأزقًا حادًا فرض تأجيلها لأجل تنظيم جلسة مغلقة ثالثة لبحث مستقبل التسوية الأممية لنزاع الصحراء. وهو ما حصل في نهاية المطاف إذ صادق مجلس الأمن في ٣٠ يوليو المنصرم بالإجماع على القرار رقم ١٤٢٩ القاضي بتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء لستة أشهر إضافية، وقد مزج في القرار بين خياري الحل السياسي القائم على فكرة الحكم الذاتي الموسع للصحراء والذي يحبذه المغرب وخيار إعمال مبدأ تقرير المصير والذي تدافع عنه كل من الجزائر وجبهة البوليساريو، مما أدى لرضا كل الأطراف وخاصة المغرب والجزائر عن نص القرار.
مستقبل التدبير الأممي للنزاع
محور أمريكي مغربي يتبنى الحكم الذاتي في مواجهة محور روسي جزائري يتمسك بالاستفتاء على تقرير المصير
يرتبط مستقبل التدبير الأممي للنزاع بمحددين مركزيين:
الأول احتمال حصول تفاهم أمريكي روسي حول الموضوع.
الثاني يتعلق بمصير الأزمة المغربية الجزائرية المتصاعدة.
بخصوص المحدد الأول فإن هذا الاحتمال وارد لكن ليس في اتجاه إقرار تسوية نهائية للنزاع بقدر التفاهم حول تمديد ولاية المينورسو حتى استكمال المشاورات عبر إحالة مشروع القرار الأمريكي والتعديلات الروسية المقدمة عليه إلى لجنة الخبراء بالأمم المتحدة، أو صياغة قرار يجمع بين الطرحين الروسي والأمريكي على أساس أن تتاح لجيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق والمبعوث الشخصي للأمين العام كوفي عنان صلاحية إدارة التفاوض بين الأطراف الصياغة مشروع حل متفاهم عليه.
وبالنسبة للأزمة المغربية الجزائرية الراهنة فإن احتمالات تسويتها تبقى ضعيفة في الظرف الراهن بسبب الاتجاه السلبي المتنامي في المواقف الجزائرية تجاه المغرب
من خلال تحليل رد الفعل الجزائري تجاه التطورات الأخيرة لقضية الصحراء المغربية وقبلها قضية جزيرة ثورة المغربية يمكن أن نلحظ وجود اتجاه لدفع الأزمة المغربية الجزائرية إلى أعلى مستويات التوتر والتعقيد، ذلك أن الجزائر أقدمت في الآونة الأخيرة على تبني ثلاثة مواقف اعتبرت مناهضة للمغرب. فمن جهة كان موقفها من قضية جزيرة ثورة مخالفًا للإجماع العربي والإسلامي الداعم للمغرب وذلك بإعلانها رفض سياسة الأمر الواقع بعد إقدام المغرب على إنشاء مركز مراقبة أمنية فوق جزيرة ثورة، وهو ما شكل دعمًا للموقف الإسباني الذي ارتكز هو الآخر على رفض سياسة الأمر الواقع». ورغم حدة النقد الذي وجه للموقف الجزائري إلا أن بلخادم في حديثه الصحفي له اليوم. الجزائرية اعتبر أن الموقف من قضية الجزيرة ثابت ومنسجم تمامًا مع موقف الجزائر من قضية الصحراء، وهو ما يدل بشكل غير مباشر على أن هناك التقاء إسبانيًا جزائريًا في مواجهة المطالب السيادية للمغرب.
الموقف الجزائري الثاني ارتبط بالسعي الجزائري المفاجئ لطرح ملف الحدود مع المغرب عبر إعلان وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بلخادم أن بلاده سترفع ملف الحدود مع المغرب إلى الأمم المتحدة وذلك من أجل الفصل فيه وبصفة نهائية على المستوى اللجان المختصة للأمم المتحدة وهو موقف مستفز لأنه يكشف عن إرادة جزائرية الاستغلال الظرف الحالي المتسم بوجود مواجهة حدودية مع إسبانيا من أجل فتح جبهة جديدة أمام المغرب في جبهة الحدود مع الجزائر، وعلى الرغم من أن المغرب عبر السنوات عن إرادته في تسوية مشكلاته مع الجزائر بالحوار المفتوح والصريح إلا أن الجزائر باختيارها رفع ملف الحدود إلى الأمم المتحدة فهي تنزع إلى تدويل الملف بكل ما يعني ذلك من فتح الموضوع كلية ليتجاوز الاتفاقيات الأولية التي أبرمت في نهاية الستينيات.
وعلى صعيد ثالث ذهبت الجزائر إلى كشف استعدادها لدراسة إمكان تقسيم الصحراء المغربية، وهو ما يعبر عن رغبتها في خلط الأوراق.
في عموم هذه المواقف تلحظ موقفًا جزائريًا معاديًا للمغرب، يمكن تفسيره على أنه رد فعل على الموقف المغربي الممتنع عن دعم المبادرة الجزائرية القاضية بعقد القمة المغاربية، مما أدى إلى تأجيل هذه القمة بعد أن كان من المقرر عقدها في شهر يونيو الماضي وهو ما اعتبر إخفاقًا للدبلوماسية الجزائرية، كما يعتبر رد فعل على نجاح المغرب في بناء محور قوي مع موريتانيا وتحييد تونس التي انسحبت أثناء إلقاء رئيس البوليساريو كلمته في اجتماع إعلان تأسيس الاتحاد الإفريقي في الشهر الماضي.
الخلاصة أن أزمة الصحراء المغربية ما زالت مرشحة للاستمرار دون أي أفق حقيقي لتسويتها. وهو ما يطرح تحديات جديدة على الدبلوماسية المغربية لمواجهة هذه التطورات بما يؤدي إلى صيانة السيادة المغربية على الصحراء، لاسيما أن أخطار الانتقاص من هذه السيادة أصبحت واضحة للعيان، ذلك أن مشروع القرار الأممي الأخير يعيد القضية إلى نقطة الصفر، بما يصعب معه استشراف مستقبل واضح لحل النزاع، اللهم إلا استمرار حالة اللا حسم التي تستفيد منها فقط القوى الدولية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل