العنوان سبتة ومليلة.. الاحتلال المستمر
الكاتب بشار العلي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-1994
مشاهدات 52
نشر في العدد 1086
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 01-فبراير-1994
ليست وحدها فلسطين التي تحتاج إلى تحرير، فهناك أقاليم كثيرة في شرق عالمنا الإسلامي وغربه وشماله وجنوبه، تخضع لأشكال متعددة من الهيمنة والسيطرة أو بمعنى أصح تخضع للاحتلال، ومدينتا سبتة ومليلة المغربيتان، اللتان يخفى حالهما على الكثير في عالمنا العربي والإسلامي، هما أنموذجان حيان لهذا الاحتلال.
سبتة
تحتل مدينة سبتة موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية لوقوعها على رأس مثلث لثلاث مدن تتحكم بالمضيق الحيوي الذي يربط بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، سبتة وجبل طارق وطنجة، وقد دفعت سبتة ثمن موقعها غاليًا كبلدة حاكمة لمدخل البحر المتوسط وكانت أول مدينة مغربية تقع في الأسر وتسقط في أيدي الغزاة.. فقد تمكن الإسبان بعد جولات طويلة من المواجهة مع ملوك المغرب من بسط سيطرتهم على المدينة بشكل نهائي في العام ١٧٣٥م. ومنذ ذلك الحين بذلت جهود متواصلة لطمس معالم سبتة وتحويلها إلى مدينة أوروبية الملامح، وتتبع السلطات الإسبانية سياسة المحاصرة والتضييق على المغاربة المقيمين في المدينة، ويقدر عددهم بحوالي ثمانية آلاف نسمة يقيمون في الحي المغربي أكثر أحياء سبتة فقرًا.. ويسيطر على هذا الحي جو من التوتر والضيق جراء استمرار الاحتلال الذي لا تتردد سلطاته في طرد أي مغربي يمارس أدنى نشاط سياسي.. ويتمركز الإسبان في التلال المحيطة بالمدينة ويحتفظون بحوالي ٢٥ ألف جندي مجهزين للدفاع ضد أي تحرك محتمل.
مليلة
«مليلة هي أجمل المدن الإسبانية في أفريقيا».. هذا ما يقرأه الزائر في الدليل الخاص بهذه المدينة.
تقع مليلة إلى الشرق من مدينة سبتة، وتبعد عن الحدود الجزائرية حوالي 15 كم، وتصل مساحتها إلى ١٣ كم مربع، ويقطنها نحو ۱۰۰ ألف نسمة منهم ٢٠ ألفًا من المغاربة، وتعتبر مليلة تابعة من الناحية الإدارية لمدينة «ملقا» الواقعة على الشاطئ المقابل في إسبانيا، وقد احتلت في عام ١٤٩٦م وضمت الأراضي المحيطة بها في عام ١٨٩٧م. ولا تختلف الأوضاع في مليلة عنها في سبتة. فالسلطات الإسبانية تمارس فيها نفس سياسة تغيير الملامح والتضييق والحصار بحق المغاربة المقيمين، وحي العرب في مليلة هو الأكثر فقرًا تمامًا كحي سبتة العربي... وقد أقام الإسبان حاجزًا إداريًا واقتصاديًا واجتماعيًا بين هذه المدينة وبقية الأراضي المغربية، وينشرون حوالي ٣٠ ألف جندي فوق التلال المحيطة بها.
جيوب أخرى تحت الاحتلال
بالإضافة إلى مدينتي سبتة ومليلة تخضع للاحتلال الإسباني جيوب أخرى قبالة الساحل المتوسطي للمغرب، أولها جزيرة حجر بادس المواجهة لميناء مدينة أغادير، وقد سقطت في أيدى الإسبان للمرة الأولى في عام ١٥٠٨م ثم استردها البادسي وسلمها للبحرية العثمانية التي استعملتها كقاعدة لعملياتها البحرية في منطقة جبل طارق واستمرت على هذا الحال إلى أن أخليت في عام ١٥٦٤م.
«جزيرة الحسيمة» ثاني هذه الجيوب، وهي جزيرة صغيرة مساحتها ألف متر مربع وتبعد عن الشاطئ المغربي نصف كم، وقد احتلها الإسبان في العام ١٩٢١م.
آخر هذه الجيوب هي الجزر الجعفرية وتبعد عن الحدود الجزائرية حوالي ١٠ كم. وقد احتلت في العام ١٨٤٨م.
وتعتبر تلك الجيوب من أهم المواقع الاستراتيجية للإسبان على الساحل الشمالي لأفريقيا، وتضم مراكز عسكرية تأوي عشرات الآلاف من الجنود.
إخفاق المبادرات السلمية
اتخذ المغرب منذ استقلاله الكثير من المبادرات السلمية وسعى بالوسائل الدبلوماسية لحل قضية المدينتين المحتلتين والجيوب الأخرى غير أن الحكومة الإسبانية التي يعتبر دستورها أن سبتة ومليلة جزء لا يتجزأ من أراضي مملكة إسبانيا ظلت تماطل في إجراء أي حوار، كما رفضت التجاوب مع اقتراح قدمه الملك الحسن الثاني في العام ۱۹۸۷ للبحث في مستقبل المدينتين، ولم يغير من هذا الموقف المتشدد توقيع معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون بين البلدين في الرابع من تموز «يوليو» ۱۹۹۱م وظلت إسبانيا تعارض أي وجود مغربي في المدينتين حتى ولو في إطار بعثة تعليمية.
«أسبنة» سبتة ومليلة
تجتاز قضية سبتة ومليلة اليوم منعطفًا خطيرًا، مع توجه حكومة مدريد الاشتراكية بالاتفاق مع المعارضة اليمينية إلى أسبنة المدينتين المغربيتين بمنحهما الحكم الذاتي خلال الشهور الأولى للعام ١٩٩٤م، وذلك على غرار المناطق التي تُسيّرها حكومات إقليمية في نطاق السيادة الإسبانية.
ولم يشكل مشروع الحكم الذاتي مفاجأة في الأوساط السياسية المغربية التي تعتقد أن إقرار هذا المشروع سيغذى التبعية الشاملة التي يخوضها السكان الإسبان المقيمون في المدينتين لإضفاء الشرعية على الاحتلال الإسباني، وترى هذه الأوساط أن نظام الحكم المقترح للمدينتين- والذي يحظى بتأييد كل من الحزب الاشتراكي الحاكم في مدريد والمعارضة اليمينية- ينذر بمواجهة بين المغرب وإسبانيا قد تتعدى الحملات الاحتجاجية التي انطلقت أثناء العام ١٩٨٦م، وشبيهة بتلك التي خاضها المغرب لاسترداد المحافظات الصحراوية من الاحتلال الإسباني في العام ١٩٧٥م.