العنوان سبحات في رمضان (2) حفاظ القرآن.. لؤلؤ نادر في البلقان
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2008
مشاهدات 53
نشر في العدد 1819
نشر في الصفحة 46
السبت 13-سبتمبر-2008
- 201 حافظ للقرآن الكريم في البوسنة.. من بينهم عدد من الفتيات الحافظات يجدن التلاوة بقراءات عدة.
- من أبرز عقبات الحفظ وضع الحروف اللاتينية مكان الحروف العربية في اللغة البوسنية.. والتي كانت تسهل القراءة والتلاوة والحفظ.
- في البوسنة ست مدارس ثانوية إسلامية.. وكل طالب ينهي حفظ القرآن يتم إعفاؤه من الرسوم الدراسية.
- هناك أئمة يكرسون حياتهم لتعليم وتحفيظ الأطفال والطلبة القرآن الكريم في بيوتهم بدون مقابل منذ عشر سنوات.
- الشيخ محمد تشايلكوفيتش: الأسرة هي المكان الأول الذي يتشرب فيه الطفل حب القرآن والتطلع لحفظه والرغبة في حمل لوائه.
كثيرًا ما يجري الحديث عن حفظ القرآن الكريم وتجويده وتفسيره، لكن قل أن يتحدث أحد عن محفظي ومعلمي القرآن، وأساتذة علومه، وعلماء لغته وبيانه وإعجازه، والمجتمع تواصل تسليط الضوء على هذه الشريحة المهمة في البلقان... التي تعد القدوة الحسنة، والمثال الجيد للنشء المسلم، وللمسلمين عمومًا داخل المساجد وفي الحياة العامة، ولا سيما ونحن في شهر رمضان المبارك شهر القرآن.
تزخر منطقة البلقان بالعديد من الحفاظ من مختلف الأعمار، وبأئمة التعليم القرآني ممَّن جمعوا بين الإجادة والإفادة، وفضيلة الحفظ وحسن السلوك التي امتاز بها علماء الإسلام بين سائر رموز الأديان، ومن بين هؤلاء الشيخ محمد بن إبراهيم تشايلكوفيتش (٤٤ عامًا).. وكانت بداياته مع القرآن الكريم على يد جده، يرحمه الله، الذي كان هو الآخر إمامًا وخطيبًا ومعلمًا للقرآن، وعندما انتقل إلى سراييفو كان من أساتذته الحافظ عصمت سياهيتش، وهو شيخ الحفاظ، والحافظ حمدي بيغيتش اللذان قال عنهما: إنه تعلم منهما كثيرا، ودعا الله أن يجزيهما خيرًا على ذلك.
لكنه يخص شيخه في الحفظ إسماعيل فاضليتش يرحمه الله بأفضلية السبق على أساتذته في معهد الغازي خسرف بك، فيقول: عندما كنت أحفظ صفحة من القرآن أتوجه إلى الحافظ إسماعيل فاضليتش لمراجعة التلاوة ومخارج الحروف والتأكد من سلامة الحفظ...
وطريقة الحفظ في البلقان، كما يؤكد الشيخ تشايلكوفيتش، تتمثل في حفظ الصفحة الأخيرة من الجزء الأول، ثم الصفحة الأخيرة من الجزء الثاني، وهكذا حتى الجزء الثلاثين، ثم حفظ الصفحة قبل الأخيرة من كل جزء مع الصفحة الأخيرة، وهكذا حتى إتمام الحفظ.
عقبات في طريق الحفظ
وعن العقبات التي تحول دون تحقيق نتائج أفضل مما هي عليه الآن، وكيفية زيادة عدد الحفاظ يقول: نحن البوشناق شعب صغير، فاليوم يوجد مليون ونصف المليون بوشناقي داخل البوسنة، لا يزالون يتذكرون آخر إبادة بحقهم، عشرات الآلاف قتلوا وعشرات الآلاف هجروا، وعشرات الآلاف طردوا من أراضيهم وديارهم ونهبت أموالهم، وعشرات الآلاف لا يزالون خارج البوسنة.
وهناك عقبات تحول دون ظهور حفاظ بشكل أكبر من الوتيرة الحالية، منها: أن كثيرًا من الأسر نشأت بعيدة عن الإسلام من حيث العلم والالتزام، وبالتالي لم يمثلوا القدوة الحسنة لأبنائهم، بالإضافة إلى استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية التي كانت تكتب بها اللغة البوسنية في العهد العثماني، وكانت تسهل على الطلبة عملية القراءة، فضلًا عن الحفظ والتلاوة.
وعما إذا كان راضيًا عن النتائج التي تحققت حتى الآن، يوضِّح قائلًا: الحمد لله، أنا شخصيًّا راضٍ عن النتائج في هذا المضمار، ففي البوسنة توجد ٦ مدارس ثانوية إسلامية، وفي كل فصل هناك برنامج لحفظ القرآن يشرف عليه أساتذة في القراءات.. وكل طالب ينهي حفظ القرآن يتم إعفاؤه من الرسوم الدراسية، وهذا عامل مهم لتشجيع الطلبة على حفظ القرآن الكريم.
وهناك رعاية خاصة من أغلبية الأساتذة للطلبة الذين لديهم قابلية جيدة لحفظ القرآن، وفي كلية الدراسات الإسلامية به سراييفو، هناك اهتمام كبير بحفظ القرآن، ويوجد اليوم من الأئمة من يكرس حياته ووقته؛ ليعلم الأطفال والطلبة القرآن في بيته بدون مقابل منذ عشر سنوات، ومن بينهم من أصبح حافظًا.
ويشير الحافظ محمد تشايلكوفيتش إلى وجود ۲۰۱ حافظ في البوسنة وحدها، وذلك وفق إحصاء اللجنة المختصة التابعة للمشيخة الإسلامية في البوسنة، بينما لا تزال النتائج أقل في مقدونيا، وألبانيا, وبالكاد احتفل المسلمون في كرواتيا العام الماضي، والجبل الأسود، (مونتينيجرو) هذا العام بظهور أول حافظ.
والرقم المذكور في البوسنة يشمل فقط من أجازتهم اللجنة البوسنية، التي تضم كبار الحفاظ، وتستمع يوميًّا لجزأين من قراءة المرشح للقب حافظ، فتجيزه أو تؤجل ذلك حتى يكون مؤهلًا لحمل اللقب العظيم. ويقول الشيخ تشايلكوفيتش: «إن من بين الحفاظ الـ (۲۰۱) عددًا من الفتيات الحافظات لكتاب الله يجدن التلاوة بعدة قراءات، وبعضهن أتممن تعليمهن الجامعي بالمدينة المنورة».
تحديات وإنجازات
وبخصوص حلقات تحفيظ القرآن الكريم في المساجد، وما إذ كانت لديه أي ملاحظات عليها من حيث التزام الطالب بالحضور ومواصلة تعهد المعلم برعايته، يقول الشيخ محمد تشايلكوفيتش: إن المقبل على حفظ القرآن أو المرشح ليكون حافظًا لكتاب الله يمكن أن يتعهد ويواصل الحفظ في البيت أو المدرسة الثانوية الإسلامية، والمحفظون مهمتهم تشجيع المرشح على مواصلة الحفظ؛ حتى يفتح الله عليه بحفظ القرآن كاملًا، ويُعرض على اللجنة لتستمتع إليه، ثم يتوج بعدها حافظًا لكتاب الله.
وعن السبل الكفيلة بالارتقاء بجهود خدمة كتاب الله حفظًا وتلاوةً والتزامًا يشدد قائلًا: إن الأسرة هي المكان الأول الذي يتشرب فيه الطفل حب القرآن الكريم، والتطلع إلى حفظه، والرغبة في حمل لوائه.. والأسرة هي التي تشجع الطفل على ارتياد المسجد، واختيار المعلم الصالح، وكثير من الأسر ترسل أبناءها إلى المسجد يومي السبت والأحد؛ ليتعلموا قراءة القرآن ومبادئ الإسلام، ومنهم من يواصل ويصبح حافظًا لكتاب الله تعالى.
وحول تقييمه لدرجة الإقبال على حفظ القرآن الكريم في المنطقة يقول الشيخ محمد تشايلكوفيتش: عاش المسلمون البوشناق في الفترة من ١٩٤٥م وحتى ١٩٩٠م في ظل الحكم الشيوعي، وكانت تلك فترة صعبة على الملتزمين بالإسلام، وهي مدة طويلة بلغت ٤٥ سنةً، وكاد الحُفَّاظ أن ينقرضوا فيها.
ويتابع: المسلمون البوشناق يعتزون بالقرآن، ويثمنون الحفاظ ويحترمونهم جدًّا، وهم كذلك في نظر المشيخة الإسلامية الأمين الرسمي على الدعوة الإسلامية والحفاظ على الهوية في المنطقة، وباستعراض النتائج التي تحققت خلال الفترة بين عامي ١٩٨٦م و ٢٠٠٦م. نجد أنه قد برز فيها ۱۳۹ حافظًا لكتاب الله تعالى.
ويذكر الشيخ كتابًا لأحد أبرز أساتذة القراءات، وهو الحافظ الدكتور فاضل فاضليتش، تحت عنوان الحفاظ في البوسنة خلال ١٥٠ عامًا، يؤكد فيه أن البوسنة أنجبت ٩٦١ حافظًا خلال ١٥٠ عامًا، بينهم ٩٠٦ حفاظ من الذكور (بنسبة ٩٤% تقريبًا)، و ٥٥ حافظة من النساء (بنسبة ٦% تقريبًا)، وهو رقم يؤكد المختصون أنه ليس نهائيًّا، فقد كان هناك حفاظ غير مسجلين لدى المشيخة.. ولا يعملون في المساجد .. ومن بين الحفاظ مفتون وقضاة وأساتذة وأئمة وخطباء ومعلمون وأطباء ومحامون وكتاب وفلاحون، وعن المدة التي يستغرقها إعداد حافظ لكتاب الله، يضيف الأمر يختلف من حالة إلى أخرى، ولو رجعنا للدكتور فاضل فاضليتش في دراسته، فإنه يشير إلى أن عملية الحفظ تستغرق بين ٧ و ١٥ سنة. لكن هناك حفاظًا، أتموا حفظ القرآن الكريم في مدة سنتين وثلاث سنوات فقط.
يوم في رمضان
وحول تجربته الشخصية في رمضان كإمام وحافظ لكتاب الله يقول في شهر رمضان: أكرس وقتي كله للقرآن، فأراجع آياته، وأتدبر معانيه، وأتعبد بتلاوته ... وعن تفاصيل يوم رمضاني في حياته يقول: أبدأ يومي بتناول وجبة السحور مع أسرتي، ثم أذهب إلى مسجد الغازي خسرف بك للمشاركة في حلقة التلاوة مع تسعة حفاظ آخرين، ويحضر الحلقة أناس آخرون يتابعون تلاوة القراء بالاستماع، أو مع مطالعة المصحف الشريف؛ لتصحيح النطق لديهم أو مراجعة ما يحفظونه، وبعدها نصلي الفجر، ثم أعود للبيت وأواصل قراءة القرآن لمدة ساعة، ثم استريح قليلًا. وقبل الظهر بساعة أتوجه إلى مسجد آخر لقراءة القرآن، وبعد الظهر أتوجه إلى مسجد ثالث للمشاركة مع حفاظ آخرين في حلقة لقراءة القرآن، وتستمر الحلقة ساعة من الزمن.
ويضيف: أتوجه بعد الإفطار إلى المسجد لأداء صلاة المغرب، وبعد ساعتين من الإفطار نؤدي صلاة التراويح في جماعة، ونصليها عشرين ركعةً نقرأ فيها جزءًا من القرآن الكريم.
العيد.. والفرحة الكبرى
وعن تقاليد العيد في أسرته، يقول الشيخ محمد تشايلكوفيتش: العيد هو يوم الفرح الأصغر، كما قال الرسول: «للصائم فرحتان»، فنحن نفرح بأن الله أبلغنا رمضان وأعاننا على صيام أيامه وقيام لياليه، والفرحة الكبرى يوم لقائه سبحانه وتعالى يوم الجائزة الكبرى، نسأل الله أن نكون من أهلها، ومن الداخلين للجنة من باب الريان، الباب الذي لا يدخل منه إلا الصائمون.. وفي الفجر نتوجه إلى المسجد لصلاة العيد ثم نعود إلى البيت، فنأكل بعض الحلوى مع الإفطار، ثم نزور الأقارب والجيران والأصدقاء، أو ننتظرهم في البيت فنذهب للبعض، ويأتينا بعضهم الآخر، ثم نزور قبور موتانا وندعو لهم بالرحمة في اليوم نفسه أو اليوم التالي.
وعن رسالته للمسلمين عامة وفي رمضان خاصة وما يقوله لهم بخصوص البوسنة وغرب البلقان، يقول: رسالتي للمسلمين أينما كانوا، ومن أي جنس انحدروا: أن يعودوا إلى دين الله، وأن يلتزموا ويحترموا تعاليم الإسلام في سلوكهم وسلوك من هم مسؤولون عنهم.
الشيخ محمد تشايلكوفيتش ..... في سطور
- من مواليد عام ١٩٦٤م في وسط البوسنة؛ حيث أنهى تعليمه الابتدائي، وكان يستغرق ثماني سنوات، ثم التحق بــ«معهد الغازي خسرف بك» الثانوي الإسلامي في سراييفو.
- في عام ١٩٨٦م، بدأ عمله إمامًا وخطيبًا ومعلمًا في مساجد البوسنة.
- عمل في الجيش البوسني أثناء الحرب التي تعرض لها مسلمو البوسنة (۱۹۹۲-١٩٩٤م)، وشارك مع شعبه في الدفاع عن الهوية البوسنية الإسلامية.
- نال الإجازة من كلية الدراسات الإسلامية في سراييفو، عام ١٩٩٤م، ثم حصل على درجة الماجستير في الفقه عام ١٩٩٦م، ويعد حاليًا رسالة دكتوراه في الفقه المقارن، يعمل الآن إمامًا بمسجد باش تشارشيا العتيق وخطيبًا ومدرسًا في جامع حاجيتش بإحدى ضواحي سراييفو.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل