العنوان سفينة المجتمع عدد 1978
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 26-نوفمبر-2011
مشاهدات 61
نشر في العدد 1978
نشر في الصفحة 40
السبت 26-نوفمبر-2011
ثورات «الربيع العربي» منة إلهية عظيمة، امتنها الله على الأمة ليذهب الطغاة والفاسدون إلى غير رجعة وليعمل الصالحون على إصلاح شؤون الحياة، والحياة عبارة عن سفينة ماخرة في العباب، لا تكاد تسكن لحظة حتى تضطرب من جديد، ولن يكتب لها الاستواء فوق الموج المضطرب حتى يكون كل إنسان فيها على حذر مما يفعل ويقظة لما يريد، ورغبة جادة مقرونة بعمل صادق لإنقاذ سفينة الوطن من مستنقع الفساد المتراكم
المجتمع كله هذه السفينة.. يركب على ظهرها البر والفاجر، والمتيقظ والغفلان وهي تحملهم جميعا لوجهتهم.. ولكنها وهي محكومة بالموج المضطرب والرياح من جانب وما يريده لها الربان من جانب آخر، تتأثر بكل حركة تقع فيها، فتهتز مرة ذات اليمين ومرة ذات الشمال، وقد تستقيم على الأفق أحيانًا، أو ترسب إلى الأعماق.
وإن كثيرًا من الناس لينسى في غمرته هذه الحقيقة، ينسى سفينة المجتمع أو سفينة الحياة، ينسى فيخيل إليه أنه ثابت على البر راكز راسخ لا يضطرب ولا يزول، ومن أجل ذلك يفجر أو يطغى، ولو تذكر من استكبر وطغى أنه ليس راكزًا على البرّ، وليس دائمًا في مكانه، ولا خالدًا في سطوته، وإنما هي رحلة قصيرة على سفينة الحياة، لو تذكر ذلك ما استكبر ولا طغى، ولا اغتر بقوته الزائلة عن الحقيقة الخالدة، ولعاد إلى مصدر القوة الحقيقية في هذا الكون، يستلهم منه الهدى، ويطلب منه الرشاد، ويسير على النهج الذي أمر به وارتضاه للناس!
ولو تذكر من يفجر وينحرف أنه ليس راكزًا على البر، وإنما هو منطلق على العباب وأن كل حركة يأتيها تتأثر بها السفينة فتهتز، لو تذكر ذلك لما ترك نفسه لشهواته وانحرافاته ومفاسده، ولعمل حسابا لكل خطوة يخطوها، وكل حركة يتحركها، حرصًا على نجاته هو ونجاة الآخرين.
ولقد رأينا مشاهد بليغة العظة، فهذا زعيم يحاول الإفلات من شعبه إلا أن ضحايا فساده واستكباره أردوه قتيلًا، وهذا فرعون علا وتجبر، فكان مصيره الحبس والمحاكمة وثالث عصا أمر الله وحكم شعبه بالحديد والنار، ولم يجد بدا من الهروب والعيش الذليل خارج وطنه، إنها الغفلة السادرة التي تخيم على الناس إلا من آمن واتقى، وعرف ربه واهتدى، والرسول صلى الله عليه وسلم يحذر من هذه الغفلة التي ترين على القلوب، ويصورها في صورة السفينة الماخرة في العباب.
وللناس أن ينظروا في ثورات الأرض المزلزلة التي أطاحت الرؤوس المستبدة وأقلعت أركان الأنظمة الفاسدة، ولهم أن ينظروا إلى الذين صفقوا لهذا الفساد، الذين ظنوا في أنفسهم الذكاء والدهاء، والقدرة على خداع البسطاء عبر الفضائيات، الذين ظنوا أنهم أصحاب فكر وقلم وروية ورؤية وسياسة وإبداع، وما هم كذلك، وأين هم الآن؟ وكيف سيسجلهم التاريخ؟
ولهم أن ينظروا إلى أن سبب هذا الفساد وذلك الدمار لم يكن غير نهاية طبيعية للخرق المخروق في سفينة المجتمع بفعل السياسات الخاطئة والممارسات المنحرفة.
عن النعمان بن بشير يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها «وأوعرها»، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فيصبون على الذين في أعلاه فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا.. فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا فاستقينا منه ولم نؤذ من فوقنا! فأخذ أحدهم فأسًا فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه فقالوا: ما لك؟ قال: تأذيتم بي ولا بد لي من الماء، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا «رواه البخاري والترمذي والبيهقي وأحمد».
والرسول صلى الله عليه وسلم يقسم ركاب سفينة الحياة في الحديث الشريف بحسب أماكنهم الظاهرة في المجتمع، علوا وسفلًا، وثراء وفقرًا، وبروزًا وتواضعًا، ومع ذلك لم يجعل السادة في العلو والشعب في الأسفل.. كلا، فما كانت هذه القيم هي التي تقسم الناس في هذا الدين القيم، فالأعلى هو: «القائم على حدود الله»، المنفذ الشريعة الله المهتدي بهدى الله، أيًا كان مكانه في المجتمع، فالقوة الحقيقية لا تستمد من عرض الأرض، ولا تستمد من القيم الطاغية.. كلا إنما تستمد من الإيمان الحق، والاعتزاز بهذا الإيمان، ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139)!
فالإيمان هو القوة الحقة، ومصدر العلو، ومصدر التوجيه وكل قيمة سواه زائفة لا تلبث أن تضيع والمؤمنون حقًا هم الأعلون أما الواقع فيها» فهم العصاة المنحرفون في كل جانب من جوانب العصيان والانحراف بصرف النظر عن مركزهم الظاهري في واقع الحياة، فهذا لا يساوي شيئًا في واقع الأمر، ولا يقي من النتيجة المحتومة، حين تغرق سفينة المجتمع من شدة الفساد، فلا يستطيع هؤلاء أن يقولوا لغيرهم اغرقوا أنتم وحدكم، ونحن ناجون من الهلاك ومن هنا فنحن جميعًا مسؤولون عن إنقاذ سفينة الوطن وضمان سلامتها حتى تصل إلى بر الأمان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل