; سفينة نوح -عليه السلام- سفينة النجاة لجميع المؤمنين. | مجلة المجتمع

العنوان سفينة نوح -عليه السلام- سفينة النجاة لجميع المؤمنين.

الكاتب د. عدنان علي رضا النحوي

تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2001

مشاهدات 48

نشر في العدد 1453

نشر في الصفحة 54

السبت 02-يونيو-2001

•مشهد قراني يصف كيف ينجي الله المؤمنين حين يحدق بهم الخطر من كل جانب.

• باب النجاة مفتوح للمؤمن دائمًا ومفتاحه في يديه إن صدق مع الله تعالى.

• إصرار الكافر على كفره يمتد في نتيجته إلى نشر الفتنة والفساد في الأرض والإضرار بالمسلمين.

د. عدنان علي رضا النحوي.

قال -تعالى-: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ  وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ  قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِين وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (سورة هود: ٤١-٤٦). صورة مليئة بالحركة والمشاهد، غنية بالألوان والجرس، قوية بالتصوير، إنها آيات منزلة من عند الله، تصف مشاهد من أهم ما حدث في التاريخ البشري، تصف كيف ينجي الله المؤمنين حين يحدق الخطر بالناس من كل جانب، وتبرز أهمية هذه المشاهد من هذه الآيات الكريمة ونحن نرى أنها تصور لنا مشاهد تتكرر في تاريخ الإنسان في المعركة الدائرة بين الإيمان والكفر، حتى يكاد يمثل في معظم جوانبه هذه المعركة، وبذلك تصور لنا سنة من سنن الله الثابتة الماضية على حكمة لله بالغة، وقدر غالب. 

سفينة النجاة:

     إنها سفينة النجاة التي أمر الله نبيه ورسوله نوحًا أن يعدها للنجاة بها هو ومن اتبعه من المؤمنين، قال -تعالى-: ﴿وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾  (سورة هود: ٤) ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ (سورة هود: ٤١) وباب النجاة للمؤمنين مفتوح أبد الدهر رحمة منه -سبحانه وتعالى-، وجعل الله مفتاح النجاة بيد المؤمنين أنفسهم، إن هم صدقوا الله، وأوفوا بعهدهم، وأدوا الأمانة، فلو يعمل المفتاح إلا بإذن الله ومشيئته، فهو الذي يعلم الجهر والسر وما تخفي الصدور، وهو العليم الخبير، يقضي بالحق وعد من الله -سبحانه وتعالى-، وعد خاص أبد الدهر لا يتخلف: ﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ (سورة التوبة: ١١١)، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (سورة البقرة:٤٠)، ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (سورة غافر: ٥١)، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة هود: ١٠٣)، إنها سنة لله ماضية أبد الدهر، ووعد لا يتخلف ما أوفى المؤمنون بعهدهم مع الله، وباب النصر ووسيلة النجاة ميسران في كل لحظة إذا أراد الله لعباده النجاة: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (سورة يس: ٨٢). وسفينة نوح -عليه السلام- مثل على توافر سبيل النجاة لمن أراد وصدق، وتتعدد الأمثلة مع التاريخ، وتظل سفينة نوح هي النموذج الذي يصور الأمثلة كلها، ويظل نداء النبوة مدويًا أبد الدهر يدعو المؤمنين ليركبوا سفينة النجاة، ويلجوا باب النصر: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة هود: ٤٢)، وكيف لا تكون السفينة سفينة النجاة وهي تجري باسم الله، وترسو باسم الله، والأمر كله لله، والملك كله لله، والحمد كله لله، كل مسلم يدرك اليوم أن الخطر محدق بالمسلمين، يتهددهم رجالًا ونساء، أطفالًا وشبابًا وشيوخًا، ديارًا وأقطارًا، إن الخطر أوضح من أن يتجاهله إلا غافل أو لاه، غاب في لهو الدنيا ولعبها، وزخرفها وزينتها.

أمران قد يغيبان:

      لكن قد يغيب عن بال بعض المسلمين اليوم أمران: الأول: أنه قد لا يدرك مدى دنو الخطر منه من شخصه وأهله الأقربين، قد يظن أن الخطر بعيد عنه قريب من غيره، وأنه لذلك في منجى، ويقع المسلم بذلك فيما وقع فيه ابن نوح: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ (سورة هود: 43) وما ارعوى ابن نوح حتى عندما ذكره أبوه النبي الرسول بحقيقة الخطر الذي لا نجاة منه إلا بسفينة النجاة التي أمر الله بإعدادها، والتي جعلها السبيل الوحيدة للنجاة: ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينۚ (سورة هود: ٤٣). إن الخطر قد يتهدد الناس في أي عصر أو أي لحظة ابتلاء منه -سبحانه وتعالى-، وقد يحيط الخطر بالمؤمنين في مرحلة من مراحل التاريخ، وتظل الآيات الكريمة التي أوردناها من سورة هود تصور لنا هذا الخطر الذي يحيط بالناس وبالمؤمنين بين حين وآخر، ويظل هذا الوصف هو النموذج الأقوى ليجلو لنا حقيقة الخطر الذي يتهدد المؤمنين، يجلوه في كلمات قليلة وبيان أعلى، وجيًا منزلًا من عند الله: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ (سورة هود: ٤٢). ولا تنحصر عظمة هذا البيان الرباني في الألفاظ الغيبية، وما تحمل من ظلال وجرس وإيجاز، ولكنها تمتد إلى الحق الذي تعرضه، والصدق الذي تصوره، لا وهم فيه ولا أساطير، وكم يلجأ الناس إلى الأساطير ليعطوا بيانهم قيمة فنية، أو يدعون له جمالًا فنيًا مستقى من خرافة الأساطير. 

 تصوير للخطر:

       وتمتد عظمة البيان الرباني في هذه الآيات الكريمة إلى ما جمعته في هذه الصياغة من تصوير للخطر، وعرض لوسيلة النجاة في الوقت نفسه من خلال صياغة فنية عالية معجزة، ويظل وصف الخطر وسبيل النجاة هو النموذج لكل حالة، ليعتبر المؤمنون وليطمئن الصادقون إلى أنه مهما ادلهم الخطر أو توالت الفواجع فإن باب النجاة ميسر لهم، يطرقونه ويفتحونه بصدقهم ووفائهم بالعهد الذي أخذه الله عليهم: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (سورة المائدة: ٧)، ومن هنا يتبين لنا الأمر الثاني الذي قد يغفل عنه بعض المسلمين، فمن المسلمين من ينسى مسؤوليته حين يكون الخطر، ويغفل عن أن الله -سبحانه وتعالى- يسر للمؤمنين باب النجاة وسبيلها، ولكنه جعل مفتاح الباب بيد المؤمنين أنفسهم، وولوجه مسؤوليتهم ذلك هو محور العهد والميثاق مع الله، والله أعلم.

المسؤولية الفردية:

      ينسى بعض المسلمين التكاليف الربانية التي وضعها الله في أعناقهم، وسيحاسبون عليها يوم القيامة بين يديه، ينسى بعضهم هذه التكاليف التي فصلها المنهاج الرباني: قرآنًا وسنة ولغة عربية، وجعلها عبادة خلقوا لها، وخلافة جعلت لهم، وأمانة حملوها، وعمارة للأرض بحضارة الإيمان، أمروا بها من خلال ابتلاء، وتمحيص كتبه الله على بني آدم، نسي كثير من المسلمين حقيقة «المسؤولية الفردية» التي جعلها الله على كل مسلم مكلف في حدود وسعه الصادق، لا وسعه الكاذب الموهوم (۱) كأنهم فهموا من حديث رسول الله ﷺ الذي يرويه عبد الله بن عمر: «بني الإسلام على خمس» أن الإسلام هو الشهادتان والشعائر، ولا تكاليف بعد ذلك، فتركوا الميدان لأعداء الله يجولون فيه ويصولون؛ ليكونوا الخطر الزاحف على المسلمين.

     هذا هو الأمر المهم الثاني الذي قد يغفل عنه المسلم حين ينسى دوره ومسؤوليته الفردية أمام الأحداث التي تلم بالمسلمين، فيغفو على صورة من صور الغفوة أو الغفلة أو العجز والتقصير، فتضطرب مسؤولية الأمة كلها، ويمتدح الضعف والهوان، وعندما ينطلق المؤمن نفسه والمؤمنون إلى سبيل النجاة أو إلى بابها، ويطرقونه ليفتحه الله لهم بصدقهم ووفائهم، فإن الكافرين يظلون في عماتهم وضلالهم غارقين في أوحال الدنيا، فينفصل المؤمنون عنهم فكرًا ونهجًا، وموقفًا وممارسة، ويحول بين الفريقين حائل يدفع كل فريق إلى مصيره، فريق المؤمنين إلى النجاة، وفريق الكافرين إلى الغرق: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِين﴾ (سورة هود: 43) «حال بينهما الموج»، صورة فنية معجزة لتبين انقطاع النداء بين الأب النبي الرسول، وابنه المصر على الكفر، وانقطاع الرجاء في نجاة من يصر على الكفر، إنها الصورة المعبرة عن النموذج المتكرر، حين تحين لحظة المفاصلة بين الإيمان والكفر، وإنها الصورة التي نراها في فرعون وجنوده وهم يغرقون، وفي ثمود وعاد ومدين والمؤتفكات، وإذا لم تحدث هذه المفاصلة في لحظتها المناسبة، فلن ينفتح باب النجاة، وتسد سبيلها، ويأخذ الله الجميع بعذاب أليم، إن المفاصلة بين الكفر والإيمان بعد تبليغ الدعوة والوفاء بعهد الله ومسؤولياته واستكمال جميع التكاليفالربانية مع الصبر والمثابرة، وقبل نزول الخطر والعقاب- ضرورة حتى يفتح الله باب النجاة، إن تصوير سبيل النجاة في الآيات الكريمة من سورة هود وارتباط ذلك بتصوير الخطر وهوله، رحمة من الله ومغفرة ونعمة سابغة، ولذلك أشرقت هذه الرحمة مع نور الآيات الكريمة. ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة هود، 41)نعم هكذا يأتي التعبير مشرقًا بالأمن والطمأنينة والمغفرة والرحمة ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

عندما يأتي عقاب الله:

     وفي كتاب الله تفصيلات واسعة لهذه القضية، تفصيلات تبين متى يحل الخطر وينزل العقاب، ومتى يعم ويمتد ليأخذ الجميع، وحتى تنجو طائفة المؤمنين، ولنستمع إلى قبسات من آيات الله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (سورة الأنفال: ٢٥).

     فهذه صورة للحالة التي يعم فيها عقاب الله فيأخذ الجميع؛ لأن الصالحين لم يدعوا إلى الله ورسوله، إلى الإيمان والتوحيد، ولم ينهوا عن المنكر ولم يأمروا بالمعروف، ولو فعلوا ذلك لفتح الله لهم باب النجاة ومن لهم سبيلها: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ  فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (سورة الأعراف: ١٦٤-١٦٥).

     وأما إذا غاب الجميع في متع الدنيا، وغرتهم زينتها، وأخذوا يلهثون وراء زخرفها، فإن الله يمد لهم من متعها، ويفتح لهم أبوابها، ثم يأخذهم العذاب بغتة: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنعام٤٤-٤٥).

      إن عقاب الله للمجرمين المفسدين في الأرض حق واقع لا محالة في ذلك مهما طال الأمد، وإن الله يملي للظالم حتى إذ أخذه لم يفلته، ولا ينزل العقاب بقوم مجرمين دون قوم، ولكن الله يأخذ كل إنسان بذنبه، وكل قوم بعملهم، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، يعذب من أبي النصيحة، وأصر على الفتنة والكفر، وتمادى في ضلاله حتى حقت عليه كلمة الله، فعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» (رواه الشيخان والترمذي) (۲)، وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (سورة هود: ١٠٢). وقال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (سورة العنكبوت: ٤٠).

      ولا يقبل الله من المؤمن أو المؤمنين أن يسألوه النجاة لأحد من الكافرين حين ينزل عذاب الله وعقابه، فما قبل الله من نوح -عليه السلام- أن يسأله نجاة ولده، ولا من إبراهيم -عليه السلام- أن يسأله المغفرة لولده الذي ظل على شركه، وأصبح النهي عامًا بعد ذلك، ينهى الله المؤمنين أن يطلبوا المغفرة منه للمشركين، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم إذا أصروا على الشرك وماتوا عليه، قال -تعالى-: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (سورة التوبة: ١١٣).

 

ضرر الكفر وسبيل النجاة:

     إن إصرار الكافر على كفره والمشرك على شركه لا يقف ضرره عند حدود التصور والكلمة العابرة، إن هذا الإصرار يمتد في نتيجته إلى الموقف العملي في الحياة، والجهد المبذول لنشر الفتنة والفساد في الأرض والاعتداء الظالم المستمر على المؤمنين، قال -تعالى-: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ (سورة التوبة: ٨-١٠).

      إن الكافرين والمشركين يعملون ليل نهار ينفقون أموالهم، ويضيعون جهودهم، ويشغلون أوقاتهم بنشر الفتنة والفساد في الأرض، وبالظلم والعدوان والجرائم المروعة المستمرة، لا تأخذهم رحمة، ولا يرقبون عهدًا، حتى ينتشر الفساد ويظهر في الأرض، مادام المؤمنون غائبين عن مسؤولياتهم، يبخلون عن إنفاق المال والوقت والجهد في سبيل الله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (سورة الروم: ٤٦). إذا تخلى المسلم عن مسؤولياته في تدبر منهاج الله وطلب العلم فيه، وتبليغ الدعوة الإسلامية للناس كافة، ونشر الخير والصلاح، فإن الإثم عليه يأتي من ناحيتين، أولًا- عدم استجابته لأمر الله وهو قادر على الاستجابة والوفاء، وثانيًا- لأنه أعطى الفرصة لأعداء الله كي ينشروا فسادهم وضلالهم، فلن يكون نتيجة ذلك إلا أن يظهر الفساد في البر والبحر، وأن يظهر المشركون على المسلمين الذين قعدوا، ولم ينهضوا للتكاليف الربانية كما شرعها الله لهم.

     إن نتيجة هذا التخلي عن التكاليف الربانية ألا يجد الناس سفينة نوح لينقذهم الله بها، وألا يجدوا مفتاح النجاة يعمل وقد عطلوه أو تخلوا عنه، وألا يجدوا أبواب النجاة مفتحة، بل مغلقة، وربما تفتح لهم عندئذ أبواب العذاب لا يجدون لهم محيصًا عنها، عندئذ لن يجد الناس سبيلًا إلى النجاة إلا التوبة الصادقة لله رب العالمين والعودة الصادقة لمنهاج الله، عودة تجمع المؤمنين في الأرض صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص، ليكونوا خير أمة أخرجت للناس، كما اصطفوا في سفينة نوح -عليه السلام- للنجاة، وقد نجوا.

الهوامش:

(1) يراجع كتاب النظرية العامة للدعوة الإسلامية، نهج الدعوة وخطة التربية والبناء، من أجل تعريف الوسع الصادق والوسع الكاذب وفي غيره من الكتب للمؤلف.

(۲) البخاري ٦٥٪ ١١/٥/٤٦٨٦ – مسلم ٤٥/١٥/٢٥٨٣ - الترمذي: ٤٨/٣١٠٩.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1084

60

الثلاثاء 18-يناير-1994

بريد المجتمع (العدد 1084)

نشر في العدد 1302

49

الثلاثاء 02-يونيو-1998

العمل الأهلي.. رؤية إسلامية

نشر في العدد 1634

59

السبت 08-يناير-2005

المجتمع الأسري (1634)