; سقيفة بني ساعدة المدينة المنورة.. | مجلة المجتمع

العنوان سقيفة بني ساعدة المدينة المنورة..

الكاتب محمد عبدالله فرح

تاريخ النشر السبت 01-أكتوبر-2011

مشاهدات 68

نشر في العدد 1971

نشر في الصفحة 50

السبت 01-أكتوبر-2011

المدينة المنورة.. مزارات وتاريخ (١١)

تقع في الجهة الشمالية الغربية من المسجد النبوي الشريف.. وهي حديقة غناء.

  • مكانها بين مساكن قبيلة «بني ساعدة» الخزرجية جنوبي جبل سلع ... وكانت داخل مزرعة تتخللها بيوت متفرقة
  • مساحتها الكلية ٢٣٩٢م٢ مزروع منها ١٩١٤م٢ وقد خصصت السعودية مبلغ ٤٠٠ مليون ريال سعودي من أجل إعادة بنائها
  • استوعبت عددًا  كبيرًا من الأنصار وأمامها مساحة واسعة تتسع لعدد آخر ان ضاقت بهم السقيفة نفسها وكانت بئر بضاعة قريبة منها
  • روي أن النبي ﷺ قدم لهذه السقيفة وصلى فيها وجلس وشرب الماء
  • ظلت عبر العصور شاهدة على تماسك الأمة.. وتحولت فيما بعد إلى مبنى وهي الآن حديقة تطل على السور الغربي للمسجد النبوي

السقائف المعروفة في بساتين المدينة من قديم الزمان أن يبنى جدار غربي وآخر مثله شرقي وجدار جنوبي بالطوب اللبن، وتفتح نافذة في الجدار الشرقي، وتسقف بالخشب أو جريد النخيل، وتبقى الجهة الشمالية لتكون السقيفة باردة صيفًا، ولا يزال بناء السقائف في المدينة على هذا المنوال وبعضها يكون كبيرًأ أو على حسب رغبة الباني.

تعريف السقيفة: إن اسم السقيفة أصبح علمًا بالغلبة على سقيفة «بني ساعدة» التي بويع فيها الصديق بالخلافة.

و«بنو ساعدة» حي من الأنصار، وهم بنو ساعدة بن كعب بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو.

الموقع: تقع سقيفة بني ساعدة في الجهة الشمالية الغربية من المسجد النبوي الشريف، وهي حديقة بجوار  محطة الكهرباء، عرفت سقيفة بني ساعدة بالمكان الذي اجتمع فيه الأنصار واختاروا أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- للخلافة. حادثة السقيفة أو حادثة سقيفة بني ساعدة اسم أطلق على ما حدث في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة رسول الله ﷺ ، حيث اجتمع فيها عدد من الصحابة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم ودارت بينهم مفاوضات، انتهت في النهاية باختيار أبي بكر -رضي الله عنه- كأول خليفة للمسلمين.

تقع هذه السقيفة في الجهة الشمالية الغربية من المسجد النبوي بين مساكن قبيلة بني ساعدة الخزرجية جنوبي جبل سلع»، وكانت السقيفة داخل مزرعة تتخللها بيوت متفرقة حيث تسكن قبيلة بني ساعدة داخل البساتين المجاورة وقد كانت سقيفة بني ساعدة كبيرة بحيث اجتمع فيها عدد كبير من الأنصار وأمامها رحبة واسعة تتسع لهذا العدد إن ضاقت بهم السقيفة نفسها، وكانت بئر لبني ساعدة قريبة منها. 

وظلت هذه السقيفة عبر العصور شاهدة على تماسك الأمة، وتحولت هذه السقيفة فيما بعد إلى مبنى، تغيرت أشكاله عبر العصور، وهي الآن حديقة تطل مباشرة على السور الغربي للمسجد النبوي.

سقيفة بني ساعدة على مر التاريخ:

  1. قال المطري (المتوفى ٧٤١هـ): بعد أن ذكر صلاة النبي ﷺ في مسجد بني ساعدة وجلوسه في سقيفتهم، وقرية بني ساعدة
  2.  وقال المراغي (المتوفى ٨١٦ هـ): الراجح أن سقيفة بني ساعدة عند بئر عند بئر «بضاعة» والبئر وسط بيوتهم.
  3. وقال السمهودي (المتوفى (۹۱۱هـ): إن سقيفة بني ساعدة كانت عند سعد بن عبادة -رضي الله عنه-، ويدل على ذلك طلب النبي ﷺ من سهل بن سعد -رضي الله عنه- أن يسقيه وهو جالس في سقيفتهم، ويدل عليه أيضا اجتماع الأنصار بها عند سعد بن عبادة -رضي الله عنه- كل يوم السقيفة (كتاب وفاء الوفا).
  4. وقال الأنصاري (المتوفى ١٤٠٣هـ): لقد تبين جليًا أن سقيفة بني ساعدة ومسجدهم وبئرهم - بئر بضاعة - في قريتهم جميعًا، وذكر أن هناك بناء بالسحيمي ذو شرفات مكشوف مجصص وبابه مسدود والمشهور عنه أن سقيفة بني ساعدة وبنايته التي أدركتها من آثار علي باشا سنة ١٠٣٠هـ، وقد هدم هذا البناء كتاب (آثار المدينة المنورة). 
  5. وقد أورد علي حافظ معلومات دقيقة ومفصلة عنها، وأفاد بأن موقعها في شمال مثلث السلطانية الذي هو عبارة عن بستان بباب الشامي، وسمي مثلث السلطانة؛ لأن أحد السلاطين جعله وقفا، وتحت نظارة الأوقاف ومساحته ٤٩٣٨م٢ واقترحت بلدية المدينة (۱۳۸۳هـ ) نزع ملكية هذا المثلث الذي فيه سقيفة بني ساعدة، وقدرت قيمته بنحو مليون ريال لكي تبنى فيه مكتبة عامة ومسجد على أن تشمل المكتبة قاعة كبرى تسمى باسم سقيفة بني ساعدة، وفي مشروع تطوير المنطقة المركزية انقسم هذا المثلث إلى قسمين قسم شرقي فيه بستان ومسور بمساحة ٢٧٤٠م٢ ، وقسم غربي أقيمت فيه محطة الكهرباء بمساحة ١٩٠٥م٢ ، فأصبح إجمالي المساحة ٤٦٤٥م٢، وهي قريبة من المساحة التي ذكرها على حافظ ٤٩٣٨م٢ .

وتقع سقيفة بني ساعدة الآن (١٤٣٢هـ ) ضمن البستان الموجود في الجهة الغربية الشمالية من المسجد على بعد ٢٠٦ أمتار، وتبلغ مساحتها الكلية ۲۳۹۲م ۲، والمساحة المزروعة منها ١٩١٤م٢، وقد خصصت المملكة العربية السعودية مبلغ ٤٠٠ مليون ريال سعودي من أجل إعادة بناء سقيفة بني ساعدة.

6- وذكر «منتدى الأنصار» على الشبكة العنكبوتية، قال أمير المدينة المنورة السابق صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبد العزيز في حديث للبعثة الأردنية إن المملكة مصممة على إعادة بناء سقيفة بني ساعدة التي تقع بالقرب من المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة، وتحويلها إلى مبنى وقاعة مؤتمرات يؤدي دوره الثقافي في الأمة الإسلامية كما كانت لها دور في استقرار أمر الأمة في بداية عصرها».

 وأخشى أن منطقة سقيفة بني ساعدة ومكتبة الملك عبد العزيز قد تدخلان في التوسعة الغربية للحرم وتكونان داخل الساحة الغربية، وإن حدث ذلك فننصح ترك علامة أو كتابة على العمود أو الجدار في موضعها هنا سقيفة بني ساعدة، مثل خوخة سيدنا أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- ما مكتوب على جدار المسجد النبوي خوخة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-.

أهمية سقيفة بني ساعدة إن لهذه السقيفة أهمية باعتبارات عدة منها :

  1. أن النبي ﷺ قدم لهذه السقيفة وجلس فيها وشرب ماء، كما روي عن المطلب بن عبدالله أن النبي ﷺ صلى في بني ساعدة وجلس في سقيفتهم. (تاريخ المدينة لابن شبة).
  2. وعن سهل بن سعد بن عبادة -رضي الله عنه- قال: جلس رسول الله ﷺ في سقيفتنا التي عند المسجد، وفيها كانت بيعة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-.
  3. وعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- .. وفيه : فأقبل النبي ﷺ يومئذ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه ثم قال: «اسقنا يا سهل. فخرجت لهم بهذا القدح فسقيت فيه (وفاء الوفا للسمهودي).
  4. وعن سهل بن سعد -رضي الله عنه-قال: سقيت رسول الله ﷺ بيدي من بئر بضاعة (رواه أحمد). 
  5. وعن هند ابنة زياد زوجة سهل بن سعد الساعدي قالت لما دخلت على سهل رأيت المسجد في وسط البيت فقلت: إلى العريش أو إلى الجدارة فقال: إن النبي ﷺ جلس ها هنا. (وفاء الوفا للسمهودي).
  6. وأن أصحاب رسول الله ﷺ من بني ساعدة كانوا يجلسون تحت هذه السقيفة قال الفيروز آبادي: سقيفة بني ساعدة بالمدينة المنورة، وهي ظلة كانوا يجلسون تحتها عند «بئر بضاعة».
  7. لقد عقد في سقيفة بني ساعدة أول مؤتمر إسلامي بعد وفاة رسول الله ﷺ وبويع أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- مرة بالخلافة... وإليك الحدث:

الحادثة تاريخيًا

بعد وفاة رسول الله ﷺ، اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ورشحوا سعد بن عبادة -رضي الله عنه- للخلافة، وحين سمع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بهذا الأمر، أخبر أبا بكر -رضي الله عنه- وأسرعا إلى السقيفة، وأكدا أحقية المهاجرين في الخلافة كما يعتقدان.

 دار جدال بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من جهة، والأنصار من جهة أخرى فاقترح الأنصار أن يكون من المهاجرين أمير ومن الأنصار أمير، فرفض عمر بن الخطاب هذا ورشح أبا بكر للخلافة، وانتهى الأمر في النهاية باختيار أبي بكر خليفة للمسلمين وفقًا لترشيح عمر بن الخطاب، وبويع أبو بكر يومها بيعة خاصة، وفي اليوم التالي بويع بيعة عامة.

ولكن هناك تفصيلاً، أن جميع الصحابة بلا استثناء بايعوا أبا بكر عن رضا لعلمهم بمكانته عند رسول الله ، كذلك يروى أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- علي كان مقتنعا بأحقيته في الخلافة، وأنه كان يعتقد أن المسلمين سيختارونه في السقيفة، إلا أنه حين علم بمبايعة المسلمين لأبي بكر، رضي بالأمر وسلم بل إنه أكد أحقية المهاجرين في الخلافة وقال حين سمع بترشيح الأنصار للخلافة لو كانت الإمامة منهم لما كانت الوصية فيهم يقصد وصية رسول الله ﷺ في الأنصار قبل وفاته، كذلك بعض الصحابة ممن لم يتقبلوا الأمر أول مرة رضوا فيما بعد به وبايعوا ! أبا بكر في البيعة العامة مثل الزبير بن  العوام، وسعد بن عبادة رضي الله عنهما.

نتتبع الحدث ساعة بعد ساعة:

يوم الإثنين:

يروي الإمام البخاري ري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة (حديث رقم (٣٦٦٨) خبر السقيفة، واختيار خليفة المسلمين فيقول يرحمه الله: حدثنا إسماعيل بن عبدالله، حدثنا سليمان بن بلال عن هشام بن عروة قال: أخبرني عروة بن الزبير -رضي الله عنه- مالية عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي ﷺ قالت: إن رسول الله ﷺ لما مات اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة -رضي الله عنه- في سقيفة بني ساعدة فقالوا : منا أمير، ومنكم أمير فذهب إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة رضي الله عنهم، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر وكان عمر يقول : والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلامًا قد أعجبني خشيت ألا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس فقال في كلامه : نحن الأمراء وأنتم الوزراء... فقال حباب بن المنذر -رضي الله عنه- : لا والله لا تفعل منا أمير ومنكم أمير ، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب دارا يقصد قريشا - وأعزهم أحسابًا، بايعوا عمر أو أبا عبيدة. فقال عمر: بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ فأخذ عمر بيده وبايعه الناس». 

وذكر بن كثير في كتاب «البداية والنهاية» الجزء الخامس قال الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطبنا عمر بن الخطاب بعد آخر حجة له، وذلك بعد عودتهم إلى المدينة، فقال عمر بن الخطاب ... وقد بلغني أن قائلا منكم يقول: لو قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت الا وإنها كانت كذلك، إلا أن الله وقى شرها وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وأنه كان من خيرنا حين توفي رسول الله ، وأن عليا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله ، وتخلف عنها الأنصار بأجمعها في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت له: يا أبا بكر، انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان، فذكرا لنا الذي صنع القوم فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلت: نريد إخواننا من الأنصار.

فقالا : لا عليكم الا تقربوهم واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا هم مجتمعون، وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت: من هذا؟ قالوا : سعد بن عبادة فقلت: ماله؟ قالوا : وجع فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله وقال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط نبينا، وقد دفت دافة منكم تريدون أن تختزلونا من أصلنا، وتحصنونا من الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحدة، وهو كان أحكم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل حتى سكت.

فقال: أما بعد، فما ذكرتم من خير فأنتم أهله، وما تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم.

وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، إلا أن تغير نفسي عند الموت. فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. فقلت لمالك: ما يعني: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب؟ قال: كأنه يقول: أنا داهيتها. قال: فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى خشينا الاختلاف.

فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار وجئنا إلى سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعدا ، فقلت : قتل الله سعدا . قال عمر : أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمرا هو أرفق من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما نبايعهم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فساد .. قال مالك: إن الرجلين اللذين القياهما : عويم بن ساعدة، ومعن بن عدي رضي الله عنهما. 

قال ابن شهاب وأخبرني سعيد بن المسيب أن الذي قال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب: هو الحباب بن المنذر. وقد أخرج هذا الحديث الجماعة في كتبهم من طرق عن مالك وغيره عن الزهري به.

تعريف بالرجلين اللذين لقيا أبا بكر وعمر في طريقهما إلى السقيفة

قال ابن إسحاق: قال الزهري: أخبرني عروة بن الزبير -رضي الله عنه- مرة أن أحد الرجلين اللذين لقيا أبا بكر وعمر حين ذهبا إلى السقيفة عويم بن ساعدة، والآخر معن بن عدي أخو بني العجلان.. فأما عويم بن ساعدة فهو الذي بلغنا أنه قيل لرسول الله ﷺ: من الذين قال الله عز وجل لهم : ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يتطهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المطهرين (108)﴾ (التوبة: 108)؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم المرء منهم عويم بن ساعدة... وأما معن بن عدي، فبلغنا أن الناس بكوا على رسول الله ﷺ حين توفاه الله عز وجل وقالوا: والله لوددنا أنا متنا قبله، إنا نخشى أن نفتتن بعده. قال معن بن عدي : لكني والله ما أحب أني مت قبله حتى أصدقه ميتًا كما صدقته حيًا فقتل -رضي الله عنه- يوم اليمامة شهيدًا.

وقال الإمام أحمد في مسنده: عن عبد الله بن مسعود قال: «لما قبض رسول الله قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر، فقال: يا معشر الأنصار الستم تعلمون أن رسول الله قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر (ورواه النسائي).

وقد روي عن عمر بن الخطاب أيضًا، عن ابن عباس عن عمر أنه قال: قلت: يا معشر المسلمين إن أولى الناس بأمر النبي ﷺ ثاني اثنين إذ هما في الغار، وأبو بكر السباق المسن، ثم أخذت بيده وبدرني رجل من الأنصار فضرب على يده قبل أن أضرب على يده، ثم ضربت على يده وتبايع الناس، وسمى هذا الرجل الذي بايع الصديق قبل عمر بن الخطاب فقال: هو بشير بن سعد والد النعمان بن بشير. 

اعتراف سعد بن عبادة بصحة ما قاله الصديق يوم السقيفة، هذا ما رواه الإمام أحمد، عن حميد بن عبد الرحمن قال: توفي رسول الله ، وأبو بكر في صائفة من المدينة، قال: فجاء فكشف عن وجهه  فقبله وقال: فداك أبي وأمي ما أطيبك حيًا وميتا، مات محمد ﷺ ورب الكعبة، فذكر الحديث.

قال: فانطلق أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يتعادان حتى أتوهم، فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئاً أنزل في الأنصار، ولا ذكره رسول الله من شأنهم إلا ذكره وقال: لقد علمتم أن رسول الله قال: «لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار واديًا، سلكت وادي الأنصار»، ولقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال وأنت قاعد : قريش ولاة هذا الأمر قبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع الفاجرهم، فقال له سعد -رضي الله عنه- : صدقت نحن الوزراء، وأنتم الأمراء.

وذكر الإمام أحمد من حديث عن رافع الطائي -رضي الله عنه- رفيق أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في غزوة ذات السلاسل قال: وسألته عما قيل في بيعتهم. فقال: وهو يحدثه عما تقاولت به الأنصار وما كلمهم به، وما كلم به عمر بن الخطاب الأنصار، وما ذكرهم به من إمامتي إياهم بأمر رسول الله ﷺ في مرضه فبايعوني لذلك وقبلتها منهم وتخوفت أن تكون فتنة بعدها ردة.

وهذا إسناد جيد قوي، ومعنى هذا : أنه -رضي الله عنه- إنما قبل الإمامة تخوفًا أن تقع فتنة أربى من تركه قبولها ، رضي الله عنه وأرضاه.

يوم الثلاثاء:

قلت: كان هذا في بقية يوم الإثنين، فلما كان الغد صبيحة يوم الثلاثاء اجتمع الناس في المسجد، فتممت البيعة من المهاجرين والأنصار قاطبة، وكان ذلك قبل تجهيز رسول الله .

ذكر البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك، أنه سمع خطبة عمر -رضي الله عنه- الأخيرة حين جلس على المنبر، وذلك الغد من يوم وفاة رسول الله ، وأبو بكر -رضي الله عنه- صامت لا يتكلم.

قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبرنا - يريد بذلك أن يكون آخرهم - فإن يك محمد ﷺ قد مات، فإن الله قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به هدي محمد وإن أبا بكر صاحب رسول الله ﷺ، وثاني اثنين، وأنه أولى المسلمين بأموركم، فقدموا فبايعوه، وكانت طائفة قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامة على المنبر.

خطبة الخليفة الأول

وقال محمد بن إسحاق: عن أنس بن مالك قال: قام أبو بكر على المنبر ثم تكلم أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فاعينوني، وإن أسات فقوموني الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف منكم قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى أخذ الحق له إن شاء الله لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا يشيع قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

وهذا إسناد صحيح، فقوله : وليت عليكم ولست بخيركم من باب الهضم والتواضع، فإنهم مجمعون على أنه أفضلهم، وخيرهم رضي الله عنهم ..

محمد عبد الله فرح 

 

الرابط المختصر :