العنوان سلاح أمريكا لإخضاع الشعوب!
الكاتب عبدالكريم حمودي
تاريخ النشر السبت 07-سبتمبر-2002
مشاهدات 56
نشر في العدد 1517
نشر في الصفحة 48
السبت 07-سبتمبر-2002
فرضت واشنطن العقوبات 104 مرات منذ الحرب العالمية الثانية بينها 61 مرة خلال رئاسة كلينتون
العقوبات.. أفقرت شعوبًا.. سببت تضخمًا وأسهمت في تفشي الفساد ونشر الجرائم ببعض الدول المعاقبة
الحصار يشمل: حظر الطيران.. تجميد الأموال.. إغلاق المؤسسات والحرمان من المســاعـدات.
حتى نهاية عام 1998م كانت 75 دولة تخضع للعقوبات الاقتصادية أو تعيش تحت التهديد بها.
هدف العقوبات حماية «إسرائيل» ونهب الخيرات ومنع أي دولة من امتلاك ناصية القوة العسكرية
تواصل الولايات المتحدة استعمال سياسة فرض العقوبات الاقتصادية تجاه الدول والشركات والمجموعات والأشخاص في مختلف أنحاء العالم، تحت أسباب وذرائع وحجج مختلفة منها: دعم الإرهاب، مخالفة القوانين الأمريكية بشأن تصدير التكنولوجيا المتقدمة، السعي لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، عدم الالتزام بالمعايير الدولية لمكافحة المخدرات انتهاك حقوق الإنسان.. إلخ، وقد استطاعت أن تحول الكثير من هذه العقوبات إلى عقوبات دولية عبر استخدام نفوذها في مجلس الأمن!
تستهدف واشنطن من فرض هذه العقوبات في الأساس منع أي دولة، وبجميع الوسائل بما فيها شن الحروب من امتلاك ناصية القوة العسكرية التي يمكن أن تحمي بها مصالحها، وخاصة أسلحة الدمار الشامل للمحافظة على تفردها كقوة عسكرية أولى في العالم.
عقوبات مستمرة
لهذا تستخدم الولايات المتحدة سياسة فرض العقوبات؛ إذ فرضت في 20 يوليو الماضي عقوبات على 10 شركات أجنبية متهمة بمساعدة دولتين عربية وإسلامية على الحصول على أسلحة دمار شامل.
وحسب صحيفة واشنطن تايمز، فإن معظم الشركات التي عوقبت شركات صينية وهذه هي المرة الرابعة في أقل من عام التي تعاقب فيها الولايات المتحدة الصين.
كما فرضت الولايات المتحدة في 24 يناير الماضي عقوبات تجارية ضد أوكرانيا، بتهمة ممارسة القرصنة على الأسطوانات المدمجة للشركات الأمريكية الموسيقية والمعدات الخاصة بالكومبيوتر.
وقد شهدت السنوات الماضية وبالتحديد منذ عام 1990، وحتى الآن أكبر عدد من العقوبات المفروضة على الدول، فقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية انفرادية 115 مرة منذ الحرب العالمية الأولى و104 مرات منذ الحرب العالمية الثانية بينها 61 مرة خلال فترة الرئيس السابق كلينتون، وحتى نهاية عام 1998 كانت هناك 75 دولة تخضع للعقوبات أو تعيش تحت التهديد بها فيما أكمل المهمة الرئيس الحالي باستمرار فرض العقوبات السابقة وتمديدها، وفرض عقوبات جديدة على العديد من الدول والمنظمات والهيئات والأشخاص تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، فيما تم رفع العقوبات عن أفغانستان بعد سقوط نظام طالبان وعن باكستان والهند لدعمهما للجهود الأمريكية في مكافحة ما يسمى «الإرهاب».
أما على صعيد الأمم المتحدة فقد فرض مجلس الأمن عقوبات مرتين خلال الفترة بين عام 1945 وعام 1990 على روديسيا وجنوب إفريقيا، ومنذ عام 1990۰ فرضت الأمم المتحدة عقوبات ملزمة على ثماني دول هي: العراق وصربيا وليبيا والصومال وليبيريا ورواندا وهايتي وأنجولا وسيراليون.
القصف الشامل
على الرغم من أن الهدف المفترض للعقوبات هو الضغط السياسي على دولة أو شركة أو شخص؛ لكن الحاصل أن العقوبات الأمريكية تجاوزت أهدافها إلى أبعد مدى فهي تقوم بتدمير مبرمج لكل أسباب الحياة، وقد أثبتت التجارب أن العقوبات الاقتصادية هي المعادل الاقتصادي لما يسمى في الحروب بالقصف الشامل، بل إن نتائجها قد تكون أسوأ من الأعمال العسكرية المباشرة.
وقد تحولت الكثير من العقوبات الاقتصادية إلى عقوبة جماعية للشعوب بحيث أصبح من المعتاد أن يسمع أن معاناة المدنيين وخاصة الأطفال والنساء هي آثار جانبية غير مقصودة.
أشكال العقوبات
فرضت الولايات المتحدة أشكالًا مختلفة من العقوبات على الدول والمجموعات والأشخاص منها:
الحصار الاقتصادي الشامل لدولة ما ومنع استيراد أو تصدير أي سلع ابتداء بالمعدات العسكرية وانتهاء بالأدوية والأغذية الضرورية للحياة.
تجميد الأموال والأرصدة للدول والشركات والجمعيات والأشخاص المودعة في المصارف الأجنبية ومصادرتها في أغلب الأحيان، كما حصل مع إيران والعديد من الحركات والشخصيات والمؤسسات الإسلامية.
حظر حركة الطيران المدني من وإلى الدولة المعاقبة في عصر أصبح الطيران فيه من وسائل السفر الضرورية، وبالتالي عزل الدول وشعوبها عن العالم الخارجي دون مراعاة للآثار والانعكاسات السلبية.
إغلاق فروع المؤسسات والشركات المتهمة في الدول الغربية ومصادرة أموالها ومحاولة مطاردها في جميع أنحاء العالم.
حرمان الدول من المساعدات الدولية الإنمائية، سواء التي تقدم ضمن إطار الأمم المتحدة أو خارجها، أو حرمانها من القروض التي تقدمها بعض المؤسسات المالية الدولية.
معاقبة الدول والشركات التي لا تلتزم بالعقوبات المفروضة على الدول المعاقبة وقانون «داماتو» أشهر مثال؛ إذ ينص على معاقبة الشركات غير الأمريكية التي تستثمر في ليبيا وإيران.
أهدافها
وتتباين الأهداف من دولة إلى أخرى وفي كثير من الأحيان تكون الأهداف المعلنة مغايرة للأهداف الحقيقية، وفي أحيان أخرى تتبدل أهداف العقوبات وتتحول - بمرور الزمن - إلى أهداف مختلفة أو إضافية، برغم زوال الأهداف المباشرة، ومن خلال مراجعة العقوبات الأمريكية أو التي فرضت برغبة أمريكية عن طريق مجلس الأمن يمكن أن نحدد أهداف العقوبات الأمريكية بشكليها الأحادي والدولي في النقاط التالية:
أولًا: منع أي دولة وبجميع الوسائل -بما فيها شن الحروب العسكرية - من امتلاك ناصية القوة العسكرية التي يمكن أن تحمي بها مصالحها، وخاصة أسلحة الدمار الشامل للمحافظة على تفرد الولايات المتحدة كقوة عسكرية أولى في العالم.
في هذا المجال فرضت واشنطن عقوبات على الهند وباكستان بعد إجرائهما تجارب نووية في عام 1998، كما تفرض عقوبات على العراق وإيران وكوريا الشمالية للهدف نفسه، فيما تواصل متابعة جميع الشركات في العالم ومعاقبتها إذا أخلت بالقوانين الأمريكية المتعلقة بهذا الموضوع.
ثانيًا: حماية «إسرائيل» من أي خطر عسكري يتهددها، سواء من خلال أسلحة الدمار الشامل أو حتى الأسلحة التقليدية؛ لذلك كانت العقوبات على إيران وسورية وليبيا، بل لقد أقدمت على خطوات أشبه ما تكون بعمليات القرصنة من مثل متابعة شحنات الأسلحة عبر البحار ومصادرتها والضغط على الدول المصدرة للأسلحة لمنعها من إبرام صفقات مع الدول المعاقبة.
ثالثًا: استنزاف ونهب الخيرات الاقتصادية للدول المعاقبة، وقد نفذ هذا الهدف بوسائل مختلفة منها مصادرة أموال الدول والشركات والمؤسسات المعاقبة، ابتزاز الدول المعاقبة للحصول على ثرواتها بأرخص الأثمان، ومن خلال قرارات مررتها في مجلس الأمن، فعلى سبيل المثال فإن الولايات المتحدة التي تعاقب العراق منذ عام 1990، وتستعد لشن حرب شاملة ثانية عليه هي أكبر مستورد للنفط العراقي الذي يصدر بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء.
رابعًا: إبقاء الدول الحليفة لواشنطن تحت قبضتها وجرها باستمرار إلى تأييد مواقفها سواء فيما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية أو حتى الحروب العسكرية، برغم الضرر الكبير الذي يصيب هذه الدول من جراء تأييدها لواشنطن.
فعلى سبيل المثال ونتيجة لمحاصرة واشنطن لبعض الدول النفطية تكبد الاقتصاد العالمي خسائر وزادت أعباء الدول المستهلكة للنفط بنحو 260 مليار دولار سنويًّا، وتركيا مثال صارخ، فقد خسرت أكثر من ثلاثين مليار دولار حسب بعض التقديرات، فيما هي الآن تتسول المساعدات المشروطة من صندوق النقد الدولي لإنقاذ اقتصادها.
خامسًا: السيطرة على منابع النفط في العالم واستخدامه كوسيلة ابتزاز ضد الدول المنافسة على صعيد الاقتصاد العالمي.
تأثير العقوبات
للعقوبات الاقتصادية تأثيرات خطيرة وانعكاسات سلبية مدمرة مباشرة وغير مباشرة على جميع نواحي الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فقد أفقرت العقوبات غالبية السكان وسببت تضخمًا جامحًا، وتراجعت إلى الوراء الأنظمة الزراعية والصناعية والتربوية والصحية في الدول المعاقبة، وفي الوقت نفسه أسهمت في تفشي الفساد ونشر الجرائم، وهو ما أكدته دراسة لمجموعة من الباحثين الأمريكيين جاء فيها: «أن الدمار الذي تسببه أسلحة الدمار الشامل يتضاءل بالمقارنة مع الدمار والخراب الذي تسبيه العقوبات الاقتصادية».
كما ثبت أن العقوبات الأمريكية والحصار الاقتصادي يؤثران سلبًا ويلحقان ضررًا مباشرًا بالعالم وبحرية التجارة العالمية، وأن بناء عالم جديد يستلزم التخلي عن سياسات الهيمنة ومحاولات الاستفراد والابتزاز والاستفزاز، خاصة أن تأثير العقوبات لا يقتصر على الدول المعاقبة.
واعترف كولن باول وزير الخارجية الأمريكي بتأثيرات العقوبات وانحرافها عن أهدافها بقوله: «إن ثمة استخدامًا منحرفًا للعقوبات جرى تطبيقه خلال المراحل السابقة كان يعكس دائما صورة الولايات المتحدة ويضعها في إطار الغطرسة والعجرفة التي لا تخدم مصالح البلاد».
الشركات الأمريكية خسرت أيضًا من جانبها فرصًا كثيرة في الاستثمار والإنتاج بقطاعات النفط وغيرها نتيجة سياسة العقوبات، وهو ما دفع بأكثر من 480 شركة أمريكية - بما فيها كبريات شركات النفط مثل موبيل وكونوكو واكسون واركو وشركات الخدمات النفطية مثل درسفر وبيكر هيوز - إلى التنديد بسياسة العقوبات الاقتصادية.
وتقول هذه الشركات إن العقوبات من جانب واحد كبدت قطاع التصدير فيها خسائر سنوية تزيد على 21 مليار دولار، فضلًا عن حرمان الاقتصاد الأمريكي من أكثر من 200 ألف فرصة عمل تعود بالأجور العالية، أي أن الخسائر الأمريكية تجاوزت 252 مليار دولار خلال الاثني عشر عامًا الماضية.
ولعل أخطر تأثير للعقوبات الدولية هو تدمير القيم الإنسانية والحضارية التي تم التعارف عليها عبر التاريخ الإنساني من خلال التغاضي عن عمليات القتل الجماعي للشعوب وباسم الأمم المتحدة وتحت غطاء الشرعية الدولية؛ إذ تقوم الأمم المتحدة بدور رأس الحربة الذي يطعن المساعي الأخرى لرفع الحصار برغم التقارير الموثقة التي أصدرتها مؤسساتها، والمسؤولون المعينون من قبلها.
لقد أثبتت التجارب أن العقوبات الاقتصادية الانفرادية أو الأممية -في غالبيتها- مجحفة وقهرية وغير قانونية، وتتسبب في آثار سلبية وعواقب خطيرة لا حصر لها، وتزيد من معاناة الدول والشعوب والأفراد، ولم تحقق أهدافها المعلنة، وأن استعمالها كان لغايات استعمارية وقهرية لفرض النفوذ وسلب الخيرات، كما أن محاولات فرض القوانين المحلية على دول أخرى تتناقض مع مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وينص على تسوية النزاعات بالحوار والطرق السلمية، وأن استمرار خضوع الأمم المتحدة لإرادة الولايات المتحدة وتبريرها لسياساتها سيزيد من تفاقم الأوضاع الدولية وإشعال المزيد من الحروب في العالم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل