; سلاح كلمة الحق هو الأقوى دائمًا! | مجلة المجتمع

العنوان سلاح كلمة الحق هو الأقوى دائمًا!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2012

مشاهدات 58

نشر في العدد 2022

نشر في الصفحة 35

السبت 06-أكتوبر-2012

الكلمة الصادقة مفتاح العقل، وملاك النفس، وقائد الفكر، ومحرك العزم، ووقود القوة، ولأن الإنسان مميز بالنطق فهو مفضل بالتأثير، ولأنه مزود بالعقل فهو معد للقيادة ولأنه مخصوص بالفكر فهو معلم للحكمة، ولهذا فقد استحق التكريم من ربه، واستأهل الخلافة عن خالقه، وأعطيت له مفاتيح المعرفة، وعلم الأسماء كلها، وسخرت له العوالم، وفتحت أمامه الأسرار، وكان الوحي له كتاباً، وخطاب الله له رشادا، وهداية الله له الكلمة، ووحي الله له حديثاً، ودستور الله لحياته قرآنًا.

ولأن الله علمه البيان، فقد أناط به بلاغ الدعوة، وكلفه بحمل الرسالة، وأمره بتنفيذ المنهج بالحكمة والموعظة الحسنة، ووجهه لفتح مغاليق القلوب بالبرهان والإقناع، والحجة والمنطق، وجعل أصل الإيمان بالشهادة، وملاكه الإقرار بـ لا إله إلا الله محمد رسول الله وصير الكلمة ناطقة بأعماله، وأعطى للإنسان كتاباً شاهداً عليه، فكان لسانه ملاكه، وجنته إلا وناره، وهل يكب الناس في النار على وجوههم حصائد ألسنتهم!».

ومن يعرف متى يضع كلمته يغنم، ومن يلقي القول على عواهنه يندم، ومن أطلق لسانه في بيان حاجته، وأبان بلفظه ما يقصد بوجهته فاز بالحسنى، وألزم بحجته، فقد قال بعض الحكماء يدعو إلى تدريب اللسان على البيان والإفصاح عن البغية اللسان عضو، فإن مرنته مرن، وإن تركته حرن »، ومن لا يعرف كيف يوجه لسانه أو يؤدب بيانه، أو يحسن خطابه، كبا كبوة أليمة وعثر عثرة مشينة تكشف عن جهله وانحدار فكره، وقد لا ينجو منها ، وصدق من قال: وجرح السيف تأسوه فيبرأ وجرح الدهر ما جرح اللسان جراحات الطعان لها التئام ولا يلتام ما جَرَحَ اللسان وقد قال أكثم بن صيفي: «مقتل الرجل بين فكيه»، وقيل: تكلم أربعة من دهات الملوك بأربع كلمات كأنما رميت عن قوس واحدة قال كسرى أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت وقال ملك الهند : «إذا تكلمت بكلمة ملكتني وان كنت أملكها »، وقال قيصر: «لا أندم على ما لم أقل، وقد ندمت على ما قلت »، وقال ملك الصين: عاقبة ما جرى به القول أشد من الندم على ترك القول .. وخطر الكلمة سلبًا أو إيجابًا كبير، وتأثيرها في الأمم والأفراد عظيم، وأقدم سلاح في الحروب هو سلاح الكلام فإن النار بالعودين تذكى وان الحرب أولها الكلام فمما لا ريب فيه أن الأسلحة الحاضرة لم تكن موجودة، يوم أن كان سلاح الكلام موجودا وله أثره ومضاؤه، فقد استعان به أصحاب كل دعوة وأصحاب كل مذهب قبل استعانتهم بالسيوف والسهام، ووقف الشجعان أمام الجيوش يرهبونهم بالكلام، ويغزونهم باللسان قبل السنان.

واليوم أصبح نشر الدعوات فنًا من أدق الفنون وأحوجها إلى البلاغة والمعرفة والدراية وأصبحت قدرة الدولة على نشر دعوتها مساوية لقدرتها على إعداد سلاحها، وتنظيم جيوشها وأضحت دبلوماسيتها أوفق وأجدى من آلتها الحربية، وإقناعها لشعبها وسياستها لأفرادها أفضل من شرطتها ومخابراتها، يستوي في ذلك من كان على حق ومن كان على باطل، لأن الحق كثيراً ما يكون كالدواء المجهول، ولابد للدواء النافع من عالم يهدي إليه، وطبيب يوصي به ونصيحة تسوغه وتهيئ له القبول، وقد احتاج الناس بدون الحق إلى ألوف السنين للتمييز بين دواء الطب الصادق ودواء الطب الكاذب مع أن الأثر قريب الظهور في الأجسام، وبين الأعراض في الإنسان، فما أحوجنا إلى التمييز بين الصحيح والكاذب، والصالح والفاسد، من الدعوات والأفكار والمذاهب، وهي عرضة للتشابه والاختلاط، وبهذا يتبين لنا آثار نعمة الهداية الربانية، وأفضال رعاية الله لنا بالوحي الإلهي حيث اختصرت الجهود ، وطويت السنون، ووفرت التجارب، بتمام النعمة، ووضوح الطريق. قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دينًا ﴾ (المائدة:3). وقال تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبَعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السَّبُلَ فَتَفَرَقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ﴾ (الأنعام: ١٥٣). وكانت هذه وصاة كل نبي وكل رسول لتنعم البشرية بالهداية، ويسعد الفرد بالتعاليم والعمر قصير، والدهر يمر، وتضيع الآجال ووَصَى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِي إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ (٢٣) أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهَا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (البقرة).

وكان دائمًا تبليغ الرسل للهدايات بالكلمة والإقناع بالحجة والمنطق، قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هيَ أَحْسَنُ ﴾ (النحل : ١٢٥)، وما نزلت رسل ومعها طائرات، ولا جيوش، ولا أسلحة، ولكنها نزلت ومعها الكلمة والحكمة التي هي ضالة المؤمن وكان هو رسول الكلمة المعجزة، واللفظة المسكتة التي تحدث فصحاء البلاغة، وكانت هذه نعمة للداعية والرسول لا تعدلها نعمة، وصدق الله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ) (النساء : ١١٣). 

ولقد كونت الأمة الإسلامية ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وشرق الإسلام وغرب بالحكمة والبيان والفهم والعرفان والموعظة الحسنة وكان صحابة الرسول ﷺ فرسان الكلمة، وأرباب الحجة، قال يهودي لعلي بن أبي طالب رواه : ما لكم لم تلبثوا بعد نبيكم إلا خمس عشرة سنة حتى تقاتلتم ؟ فقال علي رضي الله : ولم أنتم لم تجف أقدامكم من البلل حتى قلتم : يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة؟ وقال معاوية لرجل من اليمن ما كان أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة ! فقال الرجل: أجهل من قومي قومك الذين قالوا حين دعاهم رسول الله تعالى: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الحَقِّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بعذاب أليم (الأنفال : (۳۲)، ولم يقولوا : «اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه». وخطر الكلمة عند من يعرفها لا يعدله خطر، ولهذا كمم الظالمون الأفواه، وقطعوا الألسنة، وأغلقوا الصحف، واستولوا على الإعلام، ولكنهم لن يستطيعوا أن يسكتوا كل صوت، أو يحبسوا كل كلمة، فلابد أن نتعلم لغة الكلام، ونحارب الظلم بسلاح الفكر. وكان الأستاذ حسن الهضيبي يرحمه الله تعالى يرفض العنف، ويقول: «ما حاجتنا إلى المسدس ولنا لسان ؟! وما حاجتنا إلى القنبلة ودوي صوت المظلوم أعلى من انفجار الديناميت؟! نحن دعاة ولسنا قضاة».

فهل يتعلم الدعاة فن الكلمة حتى يسود ويقودوا؟ وهل يرجعوا إلى طريق الأنبياء والمرسلين حتى يتصل الركب، وتسعد البشرية بالأمن والراحة في رحاب الإيمان، ويعرفوا الفرق بين الهداية والفساد والظلم والعدالة، والضلال والإيمان؟ نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل