; سلام السودان لصالح الوحدة أم الانفصال؟! | مجلة المجتمع

العنوان سلام السودان لصالح الوحدة أم الانفصال؟!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2005

مشاهدات 64

نشر في العدد 1637

نشر في الصفحة 28

السبت 05-فبراير-2005

من أخطر ما يترتب على اتفاق السلام السوداني الذي جري توقيعه يوم 9 يناير ٢٠٠٥م ليضع حدًّا لأول مرة لحرب الجنوب التي استمرت ٢١ عامًا، أنه حدد الحدود الجغرافية التي تفصل جنوب السودان وولاياته عن شماله، وموارده (50% من النفط له)، بل وعملته وقوانينه العرفية, (لن يطبق الجنوبيون الشريعة الإسلامية)، وأعطى جون جارانج وحركته المتمردة (الحركة الشعبية) كامل السلطة على إدارة الجنوب بجيش قوامه (٢٠ ألف جندي)، وضمن دفع أمريكا لرواتب وتسليح هذا الجيش الجنوبي بعلم حكومة الخرطوم, مما يعني أن كل عوامل الانفصال باتت متوافرة إذا أراد الجنوبيون ذلك..

ومن أخطار هذا الاتفاق أيضًا أن قرر بوضوح أن من حق الجنوبيين -بعد مرور ست سنوات انتقالية يستمرون فيها ضمن السودان الموحد- تقرير المصير، والانفصال في حالة صوتوا لصالح هذا الخيار في نهاية الأمر والأكثر خطورة أنه بينما يسعي قادة حركة التمرد الجنوبية بقيادة جارانج إلى الترويج لأفكار الوحدة ويزعمون أنهم مع الوحدة لو ساعدت على تنمية الجنوب وتغيير السودان لـ «سودان جديد موحد علماني» (بمعنى انتهاء حكم الإنقاذ الوطني ووقف برامج أسلمة السودان وتطبيق الشريعة) يقولون سرًّا: إنهم مع الانفصال ويحرضون الجنوبيين على ذلك؟؟ فعلى سبيل المثال نقلت الصحافة الغربية عن مسؤولين في الجيش الشعبي لتحرير السودان أن غالبية الناس هنا كانت تنتظر أن تنتهي الحرب بانتصار الجنوب وكانت تريد الاستقلال فورًا، ولكن «الحل الوسط» الذي تم التوصل إليه لم يخيب أمالهم تمامًا بسبب المستقبل الذي يعد به؟ وما زال الكثير من الجنوبيين يستخدمون تعبير عدو لوصف حكومة الخرطوم التي يتهمونها بأنها دمرت الجنوب أرضًا وشعبًا.

ويفضل آخرون تسمية الشماليين بـ «العـرب» مثل «مارتن مادوا» وهو من قدامي المحاربين في حركة التمرد الذي قال لوسائل إعلام غربية: إن العرب مثل الحرباء، إنهم خطرون، فيما يقول بائع جنوبي في مدينة رومبيك العاصمة المؤقتة لحدود دولة جنوب السودان: إننا ننتظر انتهاء السنوات الست الانتقالية والشعور السائد بين السكان أنهم يتوقعون أن يصوت الجنوبيون بالإجماع بـ «نعم» للاستقلال «يقصد الانفصال»!!

صلاحيات التمرد باقية

وفي ظل هذه النوايا غير الطيبة التي تلازمها أجندة غربية خبيثة لتقسيم السودان ضمن سياسة تتبعها إدارة الرئيس الحالي بوش تقوم على تفتيت السودان عبر عدة اتفاقات سلام في الجنوب والغرب والشرق, هناك أخطار أخرى من توافر صلاحيات كبيرة للتمرد وبقائها خلال الفترة الانتقالية بما يصب في صالح الانفصال.

فوفقًا لبروتوكولات السلام السودانية الثماني التي تجمعها اتفاقية السلام سينسحب الجيش السوداني من الجنوب كليًّا في غضون عامين، وتنسحب الوحدات الجنوبية التي تغلغلت في مدن شمالية إلى الجنوب، وستكون هناك قوات من الجنوب في الخرطوم ضمن قوات مشتركة مع الشماليين، وسيحكم الجنوبيون سيطرتهم على حكومات الولايات الجنوبية (۷۰٪ من المناصب مقابل ۳۰٪ للشماليين)، وعلى العكس سيكون لهم في حكومة الشمال ٣٠٪ من المناصب أيضًا.

بل إن جيش جارانج سيظل يتقاضى رواتبه كجيش حكومي جنوبي رسمي من المساعدات الأجنبية الأمريكية بعدما تم الاتفاق على ذلك ضمن اتفاق التمويل الأجنبي المقرر لعملية السلام.

أيضًا أعلن الدكتور إسماعيل حاج موسى رئيس اللجنة القانونية والعدل في المجلس الوطني، أن اتفاقية السلام نصت على صلاحيات كبيرة لجارانج في حالة غياب البشير بحكم وضعه الجديد كنائب أول لرئيس الجمهورية باستثناء نقطة واحدة هي قيادة جيش السودان التي تم إسنادها للنائب الثاني للبشير علي عثمان محمد طه.

الاتفاقية لم تحدد «آلية» لفض المنازعات في حالة وقوع خلافات بين الشماليين والجنوبيين.

الجنوبيون ينتظرون السنوات الانتقالية بفارغ الصبر للاستقلال عن العدو العربي في الشمال!!

الخبير الكيني واشنطن أوكومو: السلام لن يكون شاملًا بل هو هدنة ستعود بعدها الحرب بصورة أشد 

عوامل الانفصال المشجعة

وعلى الرغم من إعلان قادة التمرد النوايا الحسنة من أجل الوحدة مع الشمال واستمرار السودان موحدًا، وإعلان قادة الشمال أنهم واثقون من اختيار الجنوبيين في نهاية الأمر لخيار الوحدة لا الانفصال فلا يجب إنكار أن هناك عوامل كثيرة أخرى مشجعة للانفصال, أبرزها العوامل الخارجية ونوايا حركة التمرد الجنوبية الحقيقية التي ترتبط بمصالح مع (إسرائيل) وأمريكا ومنظمات استخبارية وكنسية وتنصيرية غربية. كذلك لا يجب إنكار أن هناك حالة هوان وضعف عربي وإسلامي عام قد تتزايد مع السنوات المقبلة، بل وكانت هي السبب في اضطرار حكومة الخرطوم لقبول التنازلات الخطيرة في اتفاق السلام الأخير بدلًا من الدخول على أجندة «محور الشر» الأمريكية, واستعار حرب الجنوب بدعم أمريكي علني مباشر قد ينتهي بإسقاط حكم الشمال كله وفرض أجندة المنتصر الجنوبي!!

وقد وضعت الجامعة العربية خططًا لتنمية الجنوب, وعقدت لقاءات مع منظمات ورجال أعمال عرب في هذا الصدد لتنمية الجنوب ودفع الجنوبيين للانجذاب لخيار الوحدة مع العرب في الشمال، ولكن المشكلة أن الغرب أكثر حركة ونشاطًا في هذا الصدد من الدول العربية ويسعى لتنفيذ مخططه التوسعي الانفصالي في إفريقيا على حساب المصالح العربية والإسلامية، بل إن هناك انقسامًا بين العرب الشماليين أي بين حكومة الإنقاذ وباقي الأحزاب خصوصًا الأمة والاتحادي، وآخر بين الإسلاميين من جناح الترابي والمتحالف مع البشير.

صحيح أن هناك اتفاقًا يجري إنجازه بين الخرطوم وهذه الأحزاب المنضوية في إطار التجمع السوداني المعارض، ولكن الخلافات السياسية والرغبة في المناصب لا تزال تشق خلافات الجميع.

تحديات المستقبل

سيعقب التوقيع النهائي على الاتفاق فترة انتقالية مدتها ستة أشهر قبل بدء تنفيذ المرحلة الانتقالية التي مدتها ست سنوات لتحديد مصير الجنوب، سيتم في هذه الفترة (الأشهر الست) إعداد الدستور الانتقالي الذي ستقوم لجنة مشتركة من الحكومة والحركة بصياغته خلال 6 أسابيع, وسوف يكون خليطًا من الدستور الحالي وبروتوكولات السلام الثمانية، بحيث تكون الأولوية -في حالة التضارب بين الدستور والبروتوكولات – لنصوص بروتوكولات السلام. 

ثم يعقب هذا تشكيل «مفوضيات» أو لجان لتنفيذ بروتوكولات السلام, وخلال السنوات الانتقالية ستكون هناك عدة تحديات خطيرة تحدد جدوى استمرار السلام والوحدة من عدمه, منها:

  1. حذر الوسيط الدولي والخبير الكيني في حل النزاعات البروفيسور «واشنطن أوكومو» الذي شارك في مفاوضات نيفاشا من أن السلام لن يكون سلامًا شاملًا بل هو مجرد هدنة ستعود بعدها الحرب بصورة أفظع؛ لأن هناك قوى سياسية شمالية مثل أحزاب الأمة والاتحاد الديمقراطي والشيوعيين وقوى أخرى لم يتم تضمينها في هذا الاتفاق، ومثلها قوى جنوبية جرى تهميشها ودون شمولية الاتفاق المقبل لن يكتب للسلام في السودان الاستمرارية والاستقرار.

  2. هناك تفاصيل كثيرة في اتفاق السلام نتيجة كثرة البروتوكولات قد تنعكس على تضارب أو خلافات مستقبلية.. فالبروتوكول السادس بشأن توزيع السلطة تضمن منح حزب المؤتمر الوطني الحاكم ٥٢% من السلطة في حكومة وبرلمان الشمال (المركز) ومنح حركة تمرد الجنوب «الحركة الشعبية» ٣٠٪ من السلطة، و ١٦٪ لبقية القوى السياسية السودانية تذهب غالبًا للتجمع السوداني المعارض)، ونسبة ٢٪ لمواطني جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق. كما تم الاتفاق على توزيع السلطة في حكومة جنوب السودان -خلال الفترة الانتقالية- بحيث تحصل حركة التمرد على٧٠٪ من السلطة، مقابل ١٥٪ فقط للحكومة، و ١٥٪ للقوى السياسية الأخرى.

  3. بالنسبة لتوزيع السلطة في منطقتي الجبال والنيل الأزرق فقد تم الاتفاق على أن تحصل الحكومة على ٥٥٪ من السلطة فيهما مقابل ٤٥٪ للحركة الشعبية، وأن تكون رئاسة الحكومة في المنطقتين دورية بين الطرفين لمدة عام ونصف عام لكل جانب، وفيما يتعلق بمنطقة أبيي المهمشة تم الاتفاق على تبعية الإقليم للشمال كما هو الرأي الحكومي استنادًا لتعريف يرجع بتاريخ المنطقة إلى عام ١٩٠٥م, وجرى الاتفاق على تشكيل إدارة مشتركة لها، بمعنى أن يحصل كل طرف على ٥٠% من السلطة وأن تتبع المنطقة رئاسة الجمهورية مباشرة «البشير وجارانج».

  4. فيما يخص المؤسسة التنفيذية ستضم الحكومة بجناحيها الرئيس ونائبيه والوزارة الاتحادية، وسيكون النائب الأول للرئيس هو حاكم الولايات الجنوبية، أما النائب الثاني فيكون شماليًّا يعينه حزب المؤتمر الوطني الحاكم، ومن حيث الاختصاصات فقد تم الاتفاق على أن تكون موافقة نائب الرئيس الأول شرطًا لازمًا في عدد من اختصاصات الرئيس كإعلان الحرب أو حالة الطوارئ، واستدعاء مجلس التشريع الوطني للانعقاد والتعيينات المطلوبة للسلام، في حين أن الرئيس لا يتمتع بنفس الحق إزاء القرارات الخاصة بالولايات الجنوبية, والأمر نفسه يطبق على وضع العاصمة الخرطوم والتشريعات بها (تطبيق الشريعة مع إعفاء الجنوبيين)، وعلى عملية التشريع المتشعبة ما بين برلمان مركزي موحد وآخر للولايات وغيرها لكل ولاية جنوبية وشمالية.

  5.  لو وقعت خلافات بين الشماليين والجنوبيين لم تحدد الاتفاقية آلية محددة لفض المنازعات حينئذ ما قد يدفع جارانج للعودة إلى أدغال الجنوب والبقاء في دولته الجنوبية واللجوء لخيار الانفصال في نهاية الأمر, ولو عبر استفتاء جنوبي.

الخلاصة إذًا أن هناك تمنيات طيبة ببقاء السودان الموحد بغالبيته الإسلامية ليقود الدعوة في إفريقيا، ولكن هذا يتصادم مع نوايا ومخططات أمريكية وغربية أخرى، والعبرة في تحديد مستقبل السودان ستكون لنجاح أي من الطرفين؟! 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

189

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟

نشر في العدد 11

121

الثلاثاء 26-مايو-1970

حدث هذا الأسبوع - العدد 11

نشر في العدد 21

104

الثلاثاء 04-أغسطس-1970

يوميات المجتمع - العدد 21