العنوان سلسلة النجاح (9).. ملاحقة الجديد ودوام التجديد
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1998
مشاهدات 69
نشر في العدد 1328
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 01-ديسمبر-1998
الدعوات ما لم تكتسب يوم قلوبًا جديدة وتنتشر فوق أرض مديدة، تجمدت ثم تدهورت ثم اضمحلت وتلاشت.
التجديد في الأقوال والأعمال والوسائل أمر لا مفر منه للوصول إلى الغايات.
إذا مر بي يوم ولم أصطنع يدًا *** ولم اكتسب علمًا، فما ذاك من عمري
الأيام تتشابه في مرورها على الإنسان من حيث الزمان، لكنها تختلف أعظم الاختلاف من حيث الأعمال، لا يماري عاقل في ذلك، لأنه يرى أن الإنسان في مرحلة التمييز غيره في مرحلة الطفولة الباكرة، وغيره في مرحلة الشباب، وغيره في مرحلة الكهولة، ثم الشيخوخة، إذ تتميز كل مرحلة في حياته بسمات وخصائص تميزها عن المرحلة السابقة والمرحلة اللاحقة، وينبغي أن تتميز أعماله وخبراته ومهاراته تبعًا لاختلاف مراحله العمرية، لأنه يجب أن يكتسب في كل يوم جديدًا نافعًا يضيفه إلى رصيده فتزداد خبرته وتعظم مقدرته، فيفيد غيره وينفع مجتمعه فهل أنت اليوم في معلوماتك ومهاراتك مثلما كنت قبل عشر سنوات أو أكثر أو أقل؟ إن كنت كما أنت فقد تجمدت، وإن كنت أقل فقد تدهورت، وإن كنت أكثر، فهل تساوي كثرة ما عندك هذه الزيادة العددية في حساب السنين والأيام؟
والجماعات - في ذلك - كالأفراد تحتاج إلى الجديد اليومي لتثبت كيانها، وتقوي بنيانها، وتتقدم في طريق الحياة.
والدعوات هي أيضًا كذلك، ما لم تكتسب كل يوم قلوبًا جديدة، وتنتشر فوق أرض مديدة تجمدت ثم تدهورت ثم اضمحلت وتلاشت، وهكذا قل في الدول والأمم والحضارات.
التجديد اليومي سمة الكائن الحي ترى ذلك من حولك في النبات والحيوان وبعض بني الإنسان، فهل النبتة اليوم مثلها بالأمس؟ وهل ذلك الطائر المحلّق مثلما كان من قبل؟ وهل.. وهل..؟ إنها الحياة من لم يتحرك فيها توقف ثم تجمد ثم تلاشى.
وخير ما يساعد الإنسان على الرقي من جميع جوانبه الباقيات الصالحات، بالتعبير القرآني، أو بناء الفرد بالعلم، وبناء المجتمع بتقديم المعروف وصنع الخير، وهو ما عبر عنه الشاعر باصطناع اليد.
ومن العبث ألا يصنع الإنسان نفسه، وألا يقدم الخير لغيره، ومن العبث أن تقف جماعة عند حدود محيطها، وأن تضرب سورًا من العزلة حول أبنائها، وأن تجعلهم ينظرون إلى الآخرين وكأنهم مخلوقات غريبة عجيبة، لا ينبغي الاتصال بهم أو الجلوس معهم ومخاطبتهم.
ومن العبث أن تقف دعوة عامة، يجب أن تعرض على الناس جميعهم ليقتصر عرضها على أفراد مختارين تدعوهم إلى ما يعرفون، ولا تنبههم إلى ما لا يعرفون وهب أننا دعونا - فقط - الذين يصلون إلى الصلاة، ودعا غيرنا الذين يزكون إلى الزكاة، ودعا آخرون الذين يصومون إلى الصيام فمن يدعو إلى بقية الأركان والواجبات؟ ومن يدعو الفاسقين والعصاة ومن يدعو المشركين والكافرين؟ ومن ينبه الغافلين؟ ومن يأخذ بأيدي الحائرين، ويحاول أن يهديهم إلى الصراط المستقيم؟ وأي جديد تضيفه إلى الناس حين تطلب منهم أن يفعلوا ما يبادرون إلى فعله من غير طلب.
فإذا أدى الجراح عمله اليوم بالطريقة نفسها التي كان يؤديه بها منذ عشر سنوات مثلًا، فهل تقدم أو تأخر أو تجمد؟ وهل المسافر - اليوم - يركب الناقة أم الطائرة؟
إن التجديد في الأعمال والأقوال والوسائل أمر لا مفر منه للوصول إلى الغايات وكل تأخير أو إبطاء ينتج عن إهمال، أو كسل، أو خمول، أو ضيق في الرؤية ونقص في المعرفة يؤدي إلى عواقب وخيمة قد لا نستطيع تداركها، وقد نندم - ذات يوم - على أننا أضعنا فرصة أو فرصًا عديدة، لم نكسب فيها جديدًا ولم نصطنع يدًا عند الآخرين، لأننا قصرنا نظرتنا على ذاتنا، وفضلنا أن يبقى الخير كله لنا وحدنا، وتجمدنا عند نقطة بعينها، ولم نخرج عن إطارها وكأن التجديد المقبول شرعًا وعرفًا بيننا وبينه عداوة، فلماذا يحدث هذا؟ ولمصلحة من يبقى هذا الواقع المرذول؟ إن الفرد والجماعة والدعوة والأمة، يلزم هؤلاء جميعًا التجديد النافع المستمر، حتى يظل لهم اتصال دائم بالحياة وبالناس يرشدونهم ويوجهونهم، ويبعدون الزيف عن طريقهم، والضلال والغي عن قلوبهم وعقولهم، لأنهم يأخذون بكل جديد مفيد ولو ظهر في آخر بقاع الأرض، ويستفيدون من كل علم ولو أجراه الله على أيدي الكافرين أو الفاسقين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل