; سلسلة النجاح «7».. كسر طوق اليأس | مجلة المجتمع

العنوان سلسلة النجاح «7».. كسر طوق اليأس

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1998

مشاهدات 63

نشر في العدد 1326

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 17-نوفمبر-1998

  • اليأس قتال للهمم.. يجعل النفوس تتراخى.. وقد تذهل عما يراد بها من شر ويدبر لها بليل

  • الذين يعرفون الأمل يدركون أن بقاء الحال من المحال.. وأن الشمس ستطلع مع الصباح لتبدد الظلام.. وأن مع العسر يسرًا

التقدم الجسور نحو الهدف المحدد ينبئ بالثقة والثبات والاستعداد للتضحيات، ولا شيء يشين المرء أكثر من حرصه الشديد على ما في يده من مكتسبات، بحيث تجعله يفرط في بعض الواجبات خوفًا من خسارة مظنونة، في الوقت الذي يظهر استعداده للتخلي عن العمل الجاد، الذي قد يكسب منه في المستقبل أضعاف ما خسر في الماضي، ولا مانع بطبيعة الحال أن يحافظ الإنسان على ما عنده، وأن يضيف إليه رصيدًا جديدًا من الأعمال والمكتسبات كل يوم، وهذا هو حال الأسوياء من الناس حين تهيأ لهم الظروف، ولا توضع في طريقهم العقبات.. أما حين لا يكون هناك مفر من اختيار بعض ما تحت يدك، أو فقده واكتساب جديد في مستقبل الأيام، وبعبارة أخرى قد يضيع ما تحت يدك لسبب أو لآخر، فهل يحل اليأس والقنوط بك فتقعد عاجزًا عن الحركة، متحسرًا على ما فات غير قادر على النهوض من هذه الكبوة، التي لا يسلم من الوقوع فيها جواد؟

 إن هذا ليس من صفات المؤمنين الذين يتعلقون دائمًا بالأمل في الله أن يفرج كروبهم، وهذا قاله يعقوب لبنيه:

﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾  (يوسف: 87).

 وكثيرون من أبناء الحركة الإسلامية- في عصرنا- الذين أصابهم البلاء والأذى، وغيبتهم المعتقلات في بطونها سنين عددًا قد تزيد على العقدين أحيانًا، هؤلاء ما أصابهم اليأس يومًا ولا حتى ساعة من نهار، فلم يغب عن بالهم أن مستقبل الإسلام قادم وإن كره الكارهون، ولذا خرجوا- بعدما أصابتهم الجراح- عاملين جادين مخلصين داعين محتسبين ما أصابهم عند الله الذي لا يضيع عنده أجر العاملين فدبت الحياة في الحركة الإسلامية، وانطلقت في كثير من بقاع العالم في الشرق والغرب، وهذا بفضل الله أولًا وأخيرًا، فله الحمد.

 اليأس قتال للهمم، يجعل النفوس تتراخى، وقد تذهل عما يُراد بها من شر، ويدبر لها بليل، ولا أدل على ذلك من موقف بعض المسلمين في غزوة أحد حين أشيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل فجلسوا يبكون وتركوا سلاحهم وعدوهم وذهلوا حتى عن أنفسهم في هذا الموقف، بعد أن غرست اليأس في قلوبهم إشاعة موت الرسول صلى الله عليه وسلم ، فخارت قواهم وضعفوا واستسلموا للبكاء الذي لا يغني فتيلًا في موضع تسل فيه الدماء، حتى مر بهم أنس بن النضر فسألهم عما بهم، فقالوا: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: فما بقاؤكم بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، فأزاح عن كواهلهم كوابيس اليأس فتحركوا من جديد.

 وإذا كان هذا حال اليائسين في موقف الكر والفر، فما بالك بحال اليائسين في ميادين الحياة الأخرى الذاهلين عن واجباتهم من غير أن يجدوا من ينبههم من غفلتهم، ويزيل عنهم قيود اليأس المثبطة؟

ومشكلة البعض منا أنه يرى أن المستقبل نظير الماضي، أو جزء متمم له، مع أن هذا غير صحيح فما رأيته بالأمس قد لا تراه اليوم، وما كان في هذا اليوم قد لا يكون في يوم آخر قادم، فالأيام دول والذين مستهم الضراء في الماضي قد تصيبهم السراء في المستقبل، والمهزومون بالأمس لن يظلوا أبدًا هكذا، والمنتصرون لن يظلوا كذلك محافظين على النصر في مستقبل الأيام والشواهد من حياة الأفراد والتجمعات والأمم من حولنا أكثر من أن تحصى، وهل كان أحد أكثر عرضة لليأس من أهل الكويت حين استيقظوا من نومهم ليجدوا أن بلدهم قد ضاع تحت وطأة كابوس صدام؟

 لكن الكثيرين منهم كانوا على ثقة من أن الزمن لن يتوقف عند هذا الأمر، وعاشوا بالأمل مدة من الزمن، فحقق الله الآمال وأزاح عن الكويت زبانية صدام، وهل كان أحد يأمل بعد أن احتل الصليبيون الشرق أن ينهض من يقاومهم ويتغلب عليهم وينتزع القدس من أيديهم؟ وهل أكثر الناس اليوم تفاؤلًا يستطيع أن ينبئك أن القدس ستعود إلى المسلمين عما قريب؟

إن الضباب الذي يملأ المنطقة، والغبار المثار في كل مكان يجعل التفاؤل بعودة هذه المدينة المقدسة ضربًا من الأحلام، ولكن الذين يعرفون الأمل، يدركون أن بقاء الحال من المحال، وأن الشمس ستطلع مع الصباح لتبدد الظلام، وأن مع العسر يسرًا..

الرابط المختصر :