; سلطنة آتشيه.. هل تظهر من جديد؟ | مجلة المجتمع

العنوان سلطنة آتشيه.. هل تظهر من جديد؟

الكاتب صهيب جاسم

تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1999

مشاهدات 106

نشر في العدد 1379

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 07-ديسمبر-1999

أقدم دولة إسلامية في جنوب شرق آسيا تصارع لاستعادة الهوية

• آتشيه.. شهدت ميلاد أول دولة إسلامية عام ٥٦هـ ومنها انتشر الإسلام إلى سائر الجزر

• على أرضها لقي الغزو الهولندي أول وأفدح هزيمة بعد حروب استمرت ٦٩ عامًا قتل فيها ١٠٠ ألف هولندي

• روح أهلها الجهادية كانت العامل الحاسم في جلاء الاستعمار.. اختارت طواعية الانضمام لإندونيسيا لكن سوكارنو كافأها بالإلغاء وسوهارتو قابلها بالقمع والمذابح

• تمول الخزانة الإندونيسية بـ۱۲ مليار دولار من صادرات النفط فقط، وبها ١٣ تريليون قدم مكعب من احتياطي الغاز لكن أهلها يعانون الفقر

• ضحايا مذابح الجيش ٣٠ ألف شخص و٢٠ ألف طفل فقد أباه

• شهود عيان: الجيش يقتل المواطنين ويدفنهم في «جبل الجماجم» ببلدوزرات شركة موبيل الأمريكية

هل ستتفكك إندونيسيا في ظل حكم الرئيس عبد الرحمن وحيد ونائبته ميجاواتي وحكومتهما الوطنية، وهم الذين جاءوا للحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها، وهل ستكون إندونيسيا الرجل المريض لعام ۲۰۰۰م كما يريد المتربصون بها؟ هل ستحصل آتشيه وغيرها على استقلالها وتصبح عبارة «أكبر بلد مسلم، وأكبر أرخبيل في العالم» جزءًا من تاريخ القرن العشرين؟ أم ستتحرك الجهود المخلصة لتهدئة أوضاع بلاد الـ ١٣ ألف جزيرة فتبقى كما هي أو تتحول إلى فيدرالية ويعلن عن تشكيل الولايات المتحدة الإندونيسية أو كومنولث الدول الإندونيسية المستقلة؟

قد تبدو الأسئلة والمصطلحات المطروحة من باب استعجال الأحداث لكن الأمر جد خطير ولا وقت للرئيس الجديد عبد الرحمن وحيد ولا حكومته، فالعد التنازلي لانفصال آتشيه وغيرها قد بدأ ما لم توقفه خطوات حكيمة.. والذي في يدعونا للحديث عن هذه القضية الآن ما طرأ على الموقف من تغيرات، فموقف الرئيس وحيد مختلف عن موقف الحكومة السابقة، وهناك رأي عام قوي في آتشيه يطالب بالاستقلال عبرت عنه المظاهرة «المليونية»، ثم الاحتفال بالذكرى الثالثة والعشرين لتأسيس آخر الحركات التحررية في آتشيه في الرابع من ديسمبر الحالي، كل هذا جاء بعد أحداث العنف المدبرة سياسيًّا، والتي تحولت إلى أحداث ذات صفة دينية بفعل فاعلين، ثم نجاح التيموريين في الانفصال. ولقد سبق أن ذكرنا على صفحات المجتمع إمكان انقسام إندونيسيا وانفصال آتشيه على وجه الخصوص في الأعداد ۱۳۳۹ و١٣٤٤ و١٣٦٩، ولم يكن ذلك من قبيل ترويج فكرة الانفصال أو تشجيعها كما هو هدف محللي الغرب، ولكن للتحذير من خطة مبيتة لتقسيم إندونيسيا.

في الثامن من نوفمبر شهدت الساحات حول مسجد بيت الرحمن أكبر مساجد باندا آتشيه -عاصمة الإقليم- شهدت اجتماع مئات الألوف حينما رفع علم أبيض مكتوب عليه «الاستفتاء» أمام المسجد الكبير والذي سمي بالاجتماع العام لمناضلي الاستفتاء في آتشيه، كان الاجتماع سلميًّا بالرغم من أن المتظاهرين هجموا على سجن المدينة ليخرجوا منه ۱۰۰ سجين، وبحلول وقت الظهر اختفت الشرطة ورجال الأمن من الشوارع.

آتشيه: تاريخ وحضارة

إذا سأل أحدنا قياديًّا آتشيويًّا: لماذا تطالبون بالاستقلال؟ فسيكون رده بسرد الحقائق التاريخية التي تثبت استقلالية دول آتشوية عديدة.. والحقيقة المرة أن كثيرًا من المسلمين لا يعرف عن هذا الإقليم شيئًا، بل إن الصحف العربية نشرت أسماء خاطئة، مما يدل على عمق الجهل حتى بالاسم؛ مقابل اشتهار تيمور الشرقية بفضل التظاهرة الإعلامية الغربية التي صاحبت استفتاءها، ولأن التاريخ جزء مهم من أدبيات الانفصاليين في آتشيه، فلا بد أن نعود إلى صفحات التاريخ نقلبها بسرعة قبل الحديث عن التطورات الأخيرة، فتاريخيًّا يمكن القول: إنها أعقد من قضية تيمور الشرقية، والعامل التاريخي هو المحرك الأول لنزعة الانفصال.

يقع إقليم آتشيه في أقصى شمال غرب سومطرة، وكذا بالنسبة لإندونيسيا ككل، وهو ذو موقع استراتيجي لوقوعه على الطريق البحري بين المحيط الهندي شرقًا وشمالًا ومضيق ملاقا الذي يوصل إلى كل الجزر الإندونيسية، ثم بحر الصين والمحيط الهادي، ويقع المضيق ما بين جزيرة سومطرة وشبه جزيرة الملايو «ماليزيا الغربية»، ويقطن الإقليم حسب إحصائية ١٩٩٦م ٣.٩ مليون نسمة، ومن المتوقع أن يصل عددهم إلى ٤.٢٥ مليون العام القادم، و٤.٦ مليون عام ٢٠٠٦م، و٩٩% من السكان مسلمون، والبقية الباقية بروتستانت وبوذيون وكاثوليك، فنسبة المسلمين في آتشيه وكذا في إقليم غرب سومطرة الأعلى من بين الأقاليم الإندونيسية الـ٢٦، وهي أهم من تيمور الشرقية سكانيًّا «تيمور أقل من ٧٥٠ ألفًا تقديرًا»، وجغرافيًّا واقتصاديًّا، وتتمتع بمرتبة إدارية خاصة، فقد كان الإقليم يسمى «منطقة آتشيه الخاصة».

الإسلام: بعيدًا عن الدخول في جدال المؤرخين وادعاءات المستشرقين يمكن القول: إن الإسلام وصل إلى جزيرة سومطرة حيث تقع آتشيه محمولًا في قلوب التجار العرب في القرن السابع الميلادي «الأول الهجري»، وبدأ ينتشر في تدرج سلمي بطيء، فقد كانت في طريق سفن التجار إلى الصين التي وصلها العرب قبل ذلك، وفي عام ٦٧٤م تأكد وجود جالية عربية في سومطرة في الساحل الغربي منها وبناء على هذه الرواية الصينية فقد ثبت وجود الإسلام مع حلول عام 55هـ، متمثلًا في مجتمع عربي مصغر، فالإسلام وصل من بلاد العرب مباشرة وكانت سواحل سومطرة الشمالية أولى المناطق الإندونيسية استقبالًا له، وكان قيام أول دولة إسلامية في منطقة جنوب شرق آسيا في آتشيه وفي بيرلاق بالتحديد في عام ٥٦هـ، وكان للخلافة الأموية دور بارز في نشر الإسلام فيها وخاصة في عهد الخلفاء معاوية وسليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم.. لكن كتب المستشرقين تؤخر ظهور أول دولة إسلامية إلى عام ٩٢٨هـ.

الكتب الصينية أثبتت وجود دولة مستقلة هناك منذ القرن السادس باسم بولي ثم بيرلاق المذكورة آنفًا، والتي ذكرها ماركو بولو الرحالة المشهور عند عودته عام ۱۲۹۲م من الصين نحو الغرب، ورأى ستة موانئ كبيرة على سواحل الجزيرة، وكان قد سبق مجيئه ظهور سلطنات أخرى مثل تاميه عام ١١٨٤م، وآتشيه في عام ۱۲۰٥م، لكن الأشهر هي سلطنة سامودرا باساي التي كانت تقوم بالدعوة إلى الإسلام في سومطرة بقيادة الشيخ إسماعيل الذي أسلم على يديه الملك الصالح والذي تزوج ملكة مملكة بيرلاق وكان والداهما الملك الزاهر «۱۲۹۸- ١٣٤٦م»، والملك المنصور.

وقد تحدث ابن بطوطة عن الملك الزاهر بعد زيارته للجزيرة عام ١٣٤٥هـ وقد امتدت مملكة الملك الزاهر على الساحل السومطري المسافة مسيرة أيام وامتلأ بلاطه بالعلماء والشعراء والأدباء والفقهاء، كما كان عسكريًّا ماهرًا، فتح الكثير من الممالك غير المسلمة، وكانت له علاقات بالهند والصين وبلاط الخلافة، وتسميات السلاطين الثلاثة تدل على إعجاب أصحابها وارتباطهم بالملك الصالح الأيوبي «١٢٤٠- ١٢٤٩م»، والملك الزاهر «١٢٦٦- ١2٧٧» كما يقول الدكتور لقمان طيب، الأستاذ في الجامعة الوطنية الماليزية.

وظهر في آتشيه أول مركز للتعليم الشرعي في المنطقة في مسجد باسي «لوهوكسيومادلي.. الآن» بإشراف الملك الزاهر شخصيًّا، كما كانت مقرًّا لالتقاء العلماء من بلاد العرب والفرس والهند، بل إن حفيد آخر خليفة في بغداد وهو عبد الله بن محمد المنتصر قد زار المملكة وتوفي في آتشيه عام ١٤٠٧م، وكان الشرع مطبقًا والنقود المختومة بختم الملك العادل تتداول في التجارة المحلية والدولية.

سلطنة آتشيه

بقي الإسلام سائدًا في حياة الناس الاقتصادية والسياسية حتى القرن السادس عشر عندما بدأ نفوذ الاستعمار الغربي يتمدد، وكان أول تحول في المنطقة هو سقوط سلطنة ملاقا القريبة من آتشيه تحت يد البرتغاليين عام ١٥١١م، ولكن في العام نفسه ظهرت ومقابل ذلك سلطنة آتشيه دار السلام والتي بقيت حتى بداية القرن العشرين، وقد بدأ التجار يتجهون إليها متفادين الذهاب إلى ميناء ملاقا المستعمر، وخلال خمسة قرون كانت المملكة الآتشيوية المسلمة من أقوى الممالك في جنوب شرق آسيا، وكانت عاصمتها باندا آتشيه مركزًا تجاريًّا وسياسيًّا ودينيًّا مهمًّا، وهي عاصمة الإقليم الآن، وبدأ نفوذ الدولة الإقليمي التجاري والديني والعلمي يتزايد بعد سقوط ملاقا كما برزت كقوة بحرية جديدة تعتمد على تصدير الأرز والبهارات وزيت النخيل والمطاط. وما زالت آتشيه حتى اليوم تصدر لإندونيسيا والعالم المطاط والأخشاب وزيت النخيل والسكر والبن والشاي والذهب والبتروكيماويات والنفط والغاز الطبيعي، وغالبًا ما يذكر تاريخ آتشيه خلال هذه القرون من ناحية تجارية.

ووصلت سلطنة آتشيه إلى قمة حضارتها في بداية القرن السابع عشر وخاصة في عهد السلطان إسكندر مودا «١٦٠٧- ١٦٣٦م»، وقبل أن تتوحد آتشيه كردة فعل ضد أخطار القوى الاستعمارية، كانت هناك سلطنات متفرقة -كما ذكرنا- مثل مملكة بيونوا ومملكة لينغ ومملكة بيدي «منطقة معروفة بتمردها على الحكومة الآن»، ومملكة جايا، ومملكة دار السلام، ومملكة دايا في الغرب.

وفي عهد السلطان إسكندر مودا، كان التجار ينزلون عند رغباته وأحكامه؛ حيث كان حكمه سائدًا موانئ المنطقة حتى تلك التي على سواحل شبه جزيرة الملايو، كما كان بلاطه الغني وجهة العلماء والأدباء.

وقد هاجم السلطان إسكندر أساطيل المستعمرين في ملاقا وجوهور، لكن ذلك لم ينجح في إبعادهم عن بلاد المسلمين، غير أنه حافظ على هيبة الدولة التي كان لها أثر في جعل مسلمي آتشيه الأكثر حماسة للإسلام وللدفاع عن بلاده.

وكان لدعاة آتشيه أثر في أسلمة سلطنة «مكاسر» الواقعة قرب مدينة أونجونج باندانج في إقليم سولاويزي شمال شرق إندونيسيا، وهو إقليم الرئيس السابق حبيبي، وكان مركزًا تجاريًّا إسلاميًّا سيطر على تجارة التوابل في شرق إندونيسيا، وكان ملوك سلطنة «مكاسر» يتحدثون العربية والبرتغالية، وأصبحت في يوم من الأيام مركزًا علميًّا، وساندتها سلطنات جزر مالكو التي أسلم ملوكها وهي جزر التوابل التي أثيرت فيها أعمال عنف دينية مسيسة.

بدأت هذه الجزر والسلطنات تسقط أمام أساطيل الهولنديين «فمكاسر» سقطت عام ١٦٦٩م، ووصل المنصرون من عام ١٥٩٦م وهو عام بداية العواصف الهولندية، ولن ندخل في تفاصيل السيطرة التدريجية للهولنديين، وبداية ضعف آتشيه بعد وفاة السلطان إسكندر مودا في عام ١٦٤١م، لكن صراع النفوذ الهولندي استمر إلى بداية القرن التاسع عشر، حيث قاومت الكثير من الممالك.. لكن أشرس مقاومة واجهتهم كانت في آتشيه وسومطرة ككل.

وقد تزامن ذلك مع تنافس بريطاني- هولندي للسيطرة على عالم مسلمي الملايو، ونتج عنه تقاسم الكعكة على أساس اتفاقية لندن عام ١٨٢٤م، والتي تم بموجبها انسحاب هولندا من مراكزها في سنغافورة والهند مقابل إعطائها سومطرة.

حرب آتشيه

في 23/ ٤/ 1873م، ولمدة ٦٩ عامًا بدأت القوات الهولندية الهجوم على آتشيه، ولقيت أول وأفدح هزيمة في المنطقة، فالدولة المسلمة قاومتهم لمدة ٦٩ سنة «١٨٧٣- ١٩٤٢م» فكانت أطول حرب بالنسبة للهولنديين قتل فيها مائة ألف هولندي على الأقل و۷۰ ألف مسلم آتشيوي وغير آتشيوي ممن كانوا يأتون للمشاركة في الجهاد.

وكان من بين العلماء المقاومين الأمير العم دي تيرو محمد زمان الذي استشهد كل أبنائه، ومن هذه العائلة ينحدر رئيس حركة تحرير آتشيه الحالية.

وقد استنجد الأتشيويين آنذاك بالسلطان عبد الحميد الثاني، لكن المؤامرات التي كانت تحاك لإسقاط دولة الخلافة كانت كفيلة بإعاقته عن إيقاف الإرهاب الهولندي بإشراف يهود هولندا.

من هنا يبدأ حديث دعاة الاستقلال وهم يحفزون الناس إلى تأييد الاستقلال في القرى الآتشيوية، فالآتشيوي المتشدد في موقفه تجاه الإندونيسيين الآن يعتبر الهولنديين النصارى والجاويين المسلمين سواء.. كلهم عنده مستعمرون، صفرًا كانوا أم سمرًا أم حمرًا.

وقد كان سوهارتو يستخدم شعار قمع الأصولية الإسلامية في آتشيه في إقناع الغربيين بقمعه للآتشيويين، مقابل دعمهم له في الاستفادة من نفط وغاز شبه الجزيرة، هذا على الرغم من أن بناء دولة إسلامية لم تطرحه حكومة آتشيه الحالية كما سنرى.

نقطة أخرى مهمة وهي الروح القتالية للآتشيويين، فإحدى الإحصاءات تقول: إنهم قتلوا في حربهم مع هولندا ۱۰۰ ألف هولندي، ولكن مع ذلك فإن التعتيم على قضيتهم كان ناجحًا من قبل حكومة جاكرتا، وحسب تعبير الأمير دي تيرو الثامن، فإن خمسة آلاف كتاب إندونيسي سياحي وتجاري أخفى حقائق التاريخ، فقد كانت شدة الأتشيويين في الحرب سببًا مهمًّا في استقلال إندونيسيا ككل، فبعد انسحاب اليابانيين «١٩٤٢م- ١٩٤٥م»، حاول الهولنديون استرجاع آتشيه لكنها كانت الإقليم الوحيد الذي لم يتمكنوا من السيطرة عليه كليًّا على الرغم من ضعف المقاومة في بعض الفترات.

بين تشكيل إندونيسيا ومقاومة آتشيه

وعندما أعلن سوكارنو الاستقلال في ١٨ أغسطس ١٩٤٥م، أعلن أربعة علماء يمثلون مشايخ آتشيه وبتأييد من السكان تأييدهم للرئيس سوكارنو في 15/ ١٠/ 1945م، في مساعيه ومساعي مسلمي جاوة ومنظماتهم من أجل تأسيس الدولة الإندونيسية، واعتبروا النضال من أجل ذلك جهادًا في سبيل الله، ودعا البيان الأتشيويين إلى قبول السيادة الإندونيسية.

لكن جونغ جاكرتا عاصمة إندونيسيا آنذاك تم احتلالها، واعتقل سوكارنو وشكلت حكومة طوارئ في غرب سومطرة لإكمال المهمة الصعبة بقيادة جفر الدين براوير انيغارا، وبعد ذلك بثلاثة أشهر عقد مؤتمر جمع رئيس دولة شرق سومطرة والأمير د منصور الحاكم العسكري الآتشيوي والأمير داود بويريه لبداية تعاون بين أعراق سومطرة وجمع أقاليمها وتوحيد كفاحهم لنيل الاستقلال الإندونيسي ككل، وكان ذلك في ٢٨/ ٢/ ١٩٤٥م، وكان أمام المجتمعين 3 خيارات: الأول: الاستقلال عن إندونيسيا الوشيكة على الظهور والانضمام لدولة سومطرة، والثاني: إعلان آتشيه كدولة مستقلة، والثالث: البقاء ضمن إندونيسيا، وكان رأي الأمير داود بويريه والحاكم العسكري هو الخيار الثالث، ولولا هذا القرار ما قامت إندونيسيا وسومطرة في ضمن حدودها، وحسب شهادة الرئيس سوهارتو في ٤/ ٩/ ١٩٥٩م، فإن آتشيه قد تبرعت لإندونيسيا بطائرتين وهما بداية تأسيس شركة طيران غارودا الإندونيسية، بل إن تبرعات الأتشيويين وحلي الآتشيويات ساهم في الإنفاق على ممثلي الدولة في الخارج، وإعادة الحكومة المخلوعة من قبل هولندا إلى جوغنجاركرتا وحتى الإنفاق على الجيش.

وهذا يؤكد أن آتشيه كانت جزءًا مهمًّا في فترة ثورة الاستقلال «١٩٤٥م- ١٩٤٩م»، وحسب شهادة البروفيسور توفيق عبد الله الباحث في الأكاديمية الإندونيسية للعلوم، فإن الأتشيويين أثبتوا تضحيتهم على أرض الواقع، بتنازلهم عن تأسيس دولة مستقلة ومعاونة إخوانهم الآخرين في وقت كانوا هم الأكثر تحررًا من قبضة الاستعمار.

تجربة فيدرالية قصيرة

كانت هولندا قد وقعت اتفاقية مع رئيس وزراء إندونيسيا «ومركزها جاوة» عرفت باتفاقية لينغاردجاتي في ١٥/ ١١/ ١٩٤٦م، اعترافًا منها بسيادة الحكومة على جاوة وسومطرة على أن تؤسس دولة فيدرالية باسم الولايات المتحدة الإندونيسية، ولم تكن تلك الاتفاقية نهائية، بل كانت البداية لضم جزر وأقاليم أخرى.

وقد ضمت الولايات المتحدة الإندونيسية الدول الآتية:

شرق سومطرة- جنوب سومطرة- بانغكار بيليتون- رياو- غرب بورنيو- كوتا وانغين «جنوب بورنيو»- باندار- جنوب شرق بورنيو- شرق بورنيو- جاكرتا- باسوندان «باندونج»- شرق جاوة «سوراباي»- مادورا «وسط جاوة»- شرق إندونيسيا «وتضم بالي وتيمور ومالوكو وسعبا وتشيليباس».

وبقي النظام فيدراليًّا لمدة عام قبل أن يتحول إلى نظام دولة مركزية موحدة تضم جمهورية بورنيو وجمهورية شرق إندونيسيا اللتين اعترف بهما في اتفاقية لينغاردجاتي، ثم ضمت أريان جايا التي كانت آخر من خرج من قبضة الاستعمار بعد حرب مع الهولنديين وكانت الإقليم الإندونيسي الـ٢٦، وأعلنت إندونيسيا الموحدة في ١٥/ ٨/ ١٩٥٠م.

الاستقلاليون الآتشيويون لا يعترفون من البداية باتفاقية الهولنديين مع الجاويين التي بموجبها تأسست الولايات المتحدة الإندونيسية، ثم جمهورية إندونيسيا، ويعتبرون الدولة الجديدة دولة مصنوعة لفرض «سيادة الجاويين على غيرهم»، وأن سكان الجزر والدويلات والأقاليم الأخرى لم يستفتوا قبل ضمهم. لكن فريقًا آخر يعتبر أن بداية الغضب على جاكرتا لم يكن إلا بعد إعلان تأسيس الدولة الكبرى الجديدة.

ففي ١٧/ ١٢/ ١٩٤٩م، وتنفيذًا لقرار حكومة الطوارئ الإندونيسية أنشئ إقليم آتشيه وعين الأمير داود بوريه حاكمًا له، لكن مجلس وزراء الحكومة الفيدرالية ألغى هذا القرار، واستند إلى اتفاقية أخرى تقسم إندونيسيا إلى عشرة أقاليم فقط ملغية إقليم آتشيه في 23/ 1/ 1951م بأمر محمد ناصر رئيس الوزراء ونقل الأمير داود إلى وزارة الداخلية في جاكرتا، وقد كان الآتشيويون متحمسين لبناء إندونيسيا الكبرى لكن آمالهم بدأت تخيب بهذه الخطوة.

وعندما زار محمد ناصر مدينة كوتاراجا «باندا آتشيه حاليًا»، وهي عاصمة الإقليم عام ١٩٤٩م، حذره أعيان القوم من أن الأتشيويين لن يسكتوا عن إلغاء إقليمهم، وجعلهم تابعين لــ«ميدان» عاصمة شمال سومطرة، واجتمع أصحاب الرأي ومنهم الأمير داود وزيني بكري ومحمود هارون، وكان اجتماعًا مليئًا بالمشاعر الحزينة، ومنه انطلقت الوفود إلى جاكرتا للحوار، لكنها لم تفلح في رد جاكرتا عن قرارها واستمر السجال إلى أن انطلقت نار الثورة الأولى على حكم جاكرتا في 30/ 9/ 1953م عندما أعلن الأمير داود بويريه قيام دولة إسلامية، تزامنًا مع ظهور حركة دار الإسلام والجيش الإسلامي، ويقول بعض المصادر: إنه كان ضمن الحركة متعاونًا معها من أجل تأسيس دولة إسلامية في جاوة، أولًا ثم إندونيسيا ككل عن طريق المقاومة المسلحة ضدها اعتبروه وضعًا غير إسلامي وفاسدًا ومتدهورًا.

وبعد سنوات من حرب العصابات العنيفة بدأت المفاوضات بين الطرفين، أعقبها توقيع اتفاقية «لامتيه» في إبريل ١٩٥٧م لوقف الحرب أولًا، ثم تأكيد احترام الحكومة الإندونيسية للدين الإسلامي ولحقوق وأسلوب حياة الأتشيويين، ثم قرر رئيس الوزراء هاردي في ١٩٥٩م منح آتشيه منزلة منطقة حكم خاص في شئون التعليم والدين والقانون، غير أن الجانب الاقتصادي لم يوضع ضمن صلاحيات هذا الحكم الخاص، ولذلك بقي تحت التراب جذر آخر يمكن أن ينبت ثورة جديدة لاحقًا، ومن هنا يمكننا القول: إن الفرق بين حركة الأمير داود والحركة الموجودة الآن أن الأولى كانت تسعى لتأسيس دولة إسلامية، أما الحالية فإن كثيرًا من قادتها علمانيون ينطلقون من أسس قومية ويسعون نحو الاستقلالية للاستفادة من الثروات. وهذا لا ينفي وجود حماسة بين عدد أكبر من غير أعضاء الحركة القومية لتأسيس دولة إسلامية. الأمير داود عاد إلى بلده من الجبال في مايو ١٩٦٢م، لكن روح الغضب لم تنته وإن ضعفت حتى بدأ ظهور الحركة الجديدة بعد ١٦ عامًا تقريبًا لتبقى حتى اليوم.

حركة تحرير آتشيه

تزايدت استفادة إندونيسيا من ثروات آتشيه، وتزايد عدد المهجرين إليها من جاوة، وتركزت مشاريع التنمية في جاوة على حساب غيرها من الأقاليم، على الرغم من أن معظم الثروات من خارج جاوة، ذلك إضافة إلى حدوث انتهاكات من قبل الجيش هنا وهناك، كل ذلك ولد رغبة لدى البعض في إعادة إعلان الاستقلال مرة أخرى في ٤ ديسمبر ١٩٧٦م.

ويعيش أعضاء حركة تحرير آتشيه ذكرى تأسيس حركتهم الـ٢٣ هذه الأيام، وقد أعلن الأمير حسن دي تيرو الثامن الذي يعتبر الرئيس الـ٤١ لسلطنة آتشيه أن آتشيه اليوم هي امتداد لحضارة آتشيه الأمس، خاصة أن رئيس الحركة من أحفاد الأمير دي تيرو الحاكم السابق، وأحد قادة مقاومة الهولنديين، وقد ولد في دائرة تيرو في منطقة بيدي، وعرفت عائلته بأنها عائلة سياسة وعلم وذات مكانة في مجتمعها.

كان يمكن للحكومة أن تهدئ من غضب الجماهير ضدها في آتشيه وتزايد تحمسهم لمطالب الحركة الاستقلالية الجديدة، ذلك لو أن الحكومة قامت بتحسين الوضع الاقتصادي، فالمتعاطفون مع الحركة يعتقدون أنهم قد يصبحون في حال الاستقلال مثل إخوانهم في بروناي بفضل البترول والغاز. لكن الحكومة اختارت أسلوب القوة الذي زاد من النقمة الشعبية، وكأن الأمر كان مدبرًا لدفع الجيش بقيادة سوهارتو لمثل هذا الأمر، ثم ما تلبث أن تنفجر الأوضاع بعد تراكمات طويلة، فها هو هنري كسينجر وزير الخارجية الأمريكي السابق يقول: «لم تكن إندونيسيا إلا تعبيرًا جغرافيًّا ثم اكتشف الهولنديون أن توحيدها سيكون ذا نفع أكبر، وستكون دولة فاعلة لو تمركز حكمها»، كما أن زعماء حركة تحرير آتشيه يستدلون بهذه المقولة ويسعون إلى العواصم الغربية معتقدين أن هذا هو الأسلوب الأمثل لاسترداد حقوقهم، بينما كان أجدادهم يقاتلون الرجل الأبيض المستعمر.

إن أعضاء الحركة مدفوعون بإنجازات التيموريين، ويدعي د. حسن دي تيرو أن لديه 5 آلاف شخص على الأقل من المسلمين وعشرات الآلاف من المؤيدين، بل قال مرة: إنهم 100 ألف، وهو يعيش حاليًا في إحدى ضواحي عاصمة الهند ستوكهولم، ومن هناك يشن حملة دولية ضد جاكرتا، فهو يؤمن أن طريق الاستقلال يمر عبر بوابة البيت الأبيض ويرفض الحكم الذاتي ويعتبر الجاويين «برابرة وغير متحضرين»، ويرفض الحوار معهم قائلًا: «لا فرق، كلهم أغبياء وجاهلون».

حسن دي تيرو «69 عامًا» يركز في حديثه على البعد التاريخي ويصف نضاله بأنه قومي وليس إسلامية، على الرغم من أن قياديين ميدانيين في جماعته يستخدمون الخطاب الإسلامي لجمع التأييد، ولديه اتصالات بالانفصاليين النصارى في تيمور ومالكو وغيرهم.

وتعود علاقته بالحكومة الأمريكية إلى الستينيات عندما كان طالبًا في جامعة كولومبيا وكانت لديه علاقة بالجنرال إدوارد لانسديل المسؤول الكبير في المخابرات الأمريكية والتي لم تعده آنذاك عندما عاد ليبدأ حركته في ١٩٧٦م بأي شكل من أشكال الدعم، وكان قد حصل على الدكتوراه في القانون من جامعة بلانو بالقرب من هوستن، ثم عاش في نيويورك ونجح في أعمال تجارية هناك.

ومنذ دخوله سرًّا إلى آتشيه في عام ١٩٧٦م ثم إعلانه تأسيس الحركة فيما كانت والحكومة تطارده حيًّا أو ميتًا، ولذلك هرب في ۱۹۷۹م إلى السويد، لكنه زار آتشيه في عام ١٩٨٤م، ومن الطريف أن الحكومة أعلنت أنه مات ٤ مرات خلال ۲۰ عامًا مضت!

يعتبر حسن دي تيرو الجاويين مهما كانوا «عصابة من الكذابين»، ويبدو عنيفًا جدًّا في مهاجمته لهم حتى إن كانوا من الإصلاحيين من التيار الإسلامي، ولا يعترف بالانتخابات ويسميها «دعاية للعالم الخارجي» من قبل «المستعمرين الجاويين»، ويدعو المجتمع الدولي للدفاع عنهم كما دافع عن أهل كوسوفا.

أما موقفه المختلف عن غالبية المنظمات الآتشيوية فهو رفضه للاستفتاء، مع أنه لا يملك دليلًا واضحًا على تأييد رغبة الشعب الآتشيوي له.

وهناك نقطة أخرى تحسب ضده هي أنه يرفض الحوار مع الإندونيسيين حكومة وأحزابًا ومنظمات؛ مع أنه يسعى للحوار مع الأجانب في أوربا وأمريكا.

السؤال المطروح هو حول التأييد الحقيقي للحركة، وهل هي مجرد طموحات لاستلام السلطة؟ ثم إن العامل التاريخي أثير حوله الكثير من الملاحظات، فلو أراد كل قوم أن يؤسسوا دولة لهم على أساس أن أجدادهم كانوا ذوي سلطنات لانقسمت بلاد كثيرة، وتشرذمت قوة المسلمين.

إذا كان هذا هو موقف حسن وحركته، فإن هناك من يقف موقفًا مختلفًا في داخل الحركة، حيث هناك من يرى بقبول الحوار وعلى رأسهم حسيني حسن الذي يظهر في السويد وماليزيا، وهناك أيضًا من يقبل الحوار، ولكن من أجل الاستقلال فقط مثل يوسف داود السكرتير العام للحركة في أوربا، ومن يقبل الحوار مبدئيًّا مثل دون ذو الفخر.

حركة تحرير آتشيه ليست وحدها في الساحة، فهناك حركات أخرى تختلف توجهاتها وتطالب بالاستفتاء وتتنوع آمالها بين الاستقلال أو الحكم الذاتي، ومن هؤلاء كونجرس الطلبة الأتشيويين المغتربين والرابطة الآتشيوية في ماليزيا، وتضامن الطلبة الأتشيويين مع شعب آتشيه ورابطة الأرامل الإندونيسيات وتضامن الطلبة الأتشيويين ومنتدى ويرانتو آتشيه ورابطة المحامين الأتشيويين، وهناك من يدعو إلى تطبيق الشريعة كحركة آتشيه المشتركة.

أما الذي نظم المهرجان المليوني في 8 نوفمبر الماضي فهو المركز الإعلامي لاستفتاء آتشيه والذي أسس في فبراير من هذا العام، ممثلًا لمائة منظمة طلابية ولجنة حقوق إنسان إضافة إلى شخصيات وعلماء بارزين، ويرأسه محمد نزار، وهو خريج قسم الأدب العربي. والمركز يطالب بانسحاب الجيش وإجراء استفتاء يجب احترامه محليًّا وعالميًّا، وقد نجح المركز في جمع أكبر عدد من الأتشيويين في موقف موحد منذ عشرات السنين، ويدعم هؤلاء المنتدى الآتشيوي العالمي الذي يتخذ من واشنطن مقرًّا له، وهو المنتدى الذي قال رئيسه في رسالة لم: إن آتشيه وإندونيسيا «كالزوج الذي اعتدى على زوجته وفشل الصلح بينهما فلا بد من الطلاق».

۱۹۸۹- ۱۹۹۹م: شكل عام ۱۹۸۹م بداية جديدة في الصراع الآتشيوي، فالجيش أعلن آتشيه «منطقة عمليات عسكرية» حتى عام ۱۹۹۸م، وفي المقابل كانت الحركة قد جمعت قواتها من جديد، واستعانت بالعائدين من التدريب في الخارج، ويقول حسن دي تيرو: «إن الدول الغربية تدرب القوات الإندونيسية، فلماذا لا نتدرب نحن في الخارج».

العمليات العسكرية الإندونيسية مصحوبة بانتهاكات حقوق الإنسان، وهو ما زاد حقد أسر الضحايا على الجيش الذي يدعي أن رجاله يدافعون عن وحدة البلاد.

يقول البروفيسور شمس الدين رئيس لجنة الحوار الآتشيوي في تقرير نشر في ٢٤/ ٢/ ١٩٩٩م أنه خلال الأعوام العشرة «٨٩- ١٩٩٩م»، قتل ٨٣٤٤ شخصًا وافتقد ٨٧٥، وسجلت ١٤٦٥ أرملة، و٤٦٧٠ يتيمًا و٤٠ حالة اغتصاب و۲۰۰ مشلول أو معوق ودمر ۸۱۰ منازل و٦٦٧ بيتًا محروقًا وتضرر ۱۱۲ منزلًا آخر.

وفي تقرير سنغافوري نشرته قناة آسيا للأنباء ذكر أن عدد الضحايا بين قتيل أو جريح أو مفقود يصل إلى ٣٠ ألف آتشيوي.

وكان الآتشيويون قد بدأوا التحدث عن قضيتهم بشكل أوسع بعد سقوط سوهارتو في ٢١/ ٥/ ١٩٩٨م ثم نشرت الكثير من الشهادات المحزنة التي دفعت ویرانتو جنرال الجيش لزيارة آتشيه والاعتذار لأهلها، وأعلن في ٨/ ۸/ ١٩٩٨م أن العمليات العسكرية ستتوقف لكن عمليات أخرى بدأت باسم «ويباوا ۹۹» ركزت على قمع المظاهرات.

محنة ١٥٠ ألف لاجئ

الصراع الدائر منذ العام الماضي أدى إلى هجرة ١٥٠ ألف آتشيوي من قراهم، يتوزعون على المساجد والمدارس والمرافق الحكومية، ويخشون العودة خوفًا من أي اعتداء.

المنظمة الوحيدة التي ترعاهم هي منظمة طلابية تحاول إدارة المخيمات التي يأوي إليها النساء الخائفات من حالات الاغتصاب.

أما محنة الأطفال فإن لجنة رعاية الطفل الإندونيسي أكدت أن آلافًا منهم لا يدرسون، وأن أسوأ الأطفال وضعًا في إندونيسيا هم في آتشيه، حيث فقد أكثر من ٢٠ ألف طفل أباه، وتقول اللجنة: إن هذا رقم غير شامل لكل الحالات.

وعلى الجانب الآخر بدأ المئات يهاجرون في الأسابيع الأخيرة خوفًا من إشاعات أن حركة تحرير آتشيه ستقوم بحملة ضد غير الأتشيويين من السكان تكرارًا لما حصل في مناطق إندونيسية أخرى من موجة انتقام من السكان الأصليين ضد المهجرين.

أول مؤتمر من نوعه: في ٢٤ يوليو الماضي عقد أول مؤتمر حول حقوق الإنسان في آتشيه في بانكوك، بمناسبة مرور ٥٤ عامًا على الحكم الإندونيسي بدعوة من المنتدى الأسيوي والمنتدى الأتشيوي العالمي، الذي قال رئيسه جعفر صادق حمزة: إن المؤتمر عقد بعد الكثير من العقبات، وبعد سقوط آلاف الضحايا في الـ11 عامًا الماضية، وأضاف: «إن الحكومة الإندونيسية نجحت في إقناع الدول الغربية بأن حركة تحرير آتشيه أصولية النزعة وأنها دولة علمانية لا تسمح بقيام دولة أصولية».

ودعا رئيس لجنة كوشادا لحقوق الإنسان الأطراف لبدء الحوار قبل اتخاذ أي قرار، بينما دعا مشارك آخر لنزع السلاح أولًا.

أما ممثلة لجنة حقوق الإنسان الإندونيسية في لندن، فقد أكدت أن الدين ليس هو جذر القضية في آتشيه، وأن سوهارتو والجنرالات لا يختارون ضحيتهم على أساس ديني، فالجيش نفسه قتل النصارى والإسلاميين وعامة الناس، وأن أصل المشكلة يعود إلى المركزية الشديدة في الحكم منذ عهد سوكارنو، وأضافت كارمل بوديارجو: أن الحوار لن ينجح ما لم توقف الانتهاكات الصارخة، ويحقق مع مرتكبيها لإرضاء السكان المظلومين الذين لن يقتنعوا بأي تسوية ما لم يعاقب المتهمون، والمطلب الثاني لنجاح الحوار ضرورة انسحاب الجيش من آتشيه وبقاء عدد قليل من رجال الأمن.

أما الحاج صلاح الدين الفاتح رئيس منتدى كفاح الشعب الأتشيوي من حزب التنمية المتحد فقد أصدر منتداه كتابين عن «شلال الدم في آتشيه»، أكد فيهما أن آتشيه ستتجه نحو الاستقلال بسبب انتهاكات حقوق الإنسان وأن هناك عددًا كبيرًا من الذين يقاتلون مع الحركة ممن حرقت مدارسهم الثانوية فكانت ردة فعلهم الانضمام للحركة في الغابات بعد أن حرقت ۳۰۰ مدرسة مؤخرًا.

وأضاف: «إن الحل لن يكون إلا بتدخل طرف ثالث كما تدخلت إندونيسيا بين حركة تحرير مورو والحكومة الفلبينية قبل 3 سنوات؛ لأن الحكومة كذبت على شعب آتشيه ٣ مرات، ولا يمكن أن تمرر عليه كذبة رابعة».

أما نور نعمت فإنه يؤكد وجود خمسة أطراف في الصراع وهم: الجيش الإندونيسي، والشرطة الإندونيسية والجناح العسكري لحركة تحرير آتشيه، والمحرضون من الأيادي الخفية التي تشعل الصراع كلما هدأ، والحركة الانفصالية المزيفة التي تقوم بكثير من الأفعال باسم الحركة.. هؤلاء حسب قوله من يحمل السلاح ويقع السكان ضحية لهم، فكل يوم يقتل ما بين شخص إلى خمسة أشخاص على الأقل. أما مندوبة مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة فتؤكد لـهم أن جمعيتها لم تتخذ أي خطوة لخدمة اللاجئين الأتشيويين، بل أثبتت إهمال الأمم المتحدة للقضية.

أما منير رئيس لجنة كونتراس لحقوق الإنسان المعروفة فقد أرجع سبب تعقد الأزمة الأتشيوية إلى تسليمها للجيش مدة طويلة وعدم التعامل معها سياسيًّا أو بالحوار الذي هو الأسلوب الوحيد لحل القضية فيما طالب مندوب منظمة طلاب آتشيه لتنظيم الاستفتاء أغوسو أندي الحكومة بسحب الجيش وإجراء استفتاء بين الشعب؛ لأن الحوار على حد قوله: لا يأتي بنتيجة نهائية، وطالب في الوقت نفسه حركة تحرير آتشيه وقيادتها في المنفى وفي آتشيه أن تخرج من مخابئها وتتحدث إلى الصحافة الإندونيسية والعالمية.

آتشیه: البعد الاقتصادي

بينما كانت إندونيسيا تمول ٩٣% من ميزانية تيمور الشرقية، فإن العكس تمامًا يحصل في أتشيه والأقاليم الأخرى الغنية؛ حيث إنها تساهم بـ١٧% من صادرات النفط الإندونيسية التي بلغت ۱۲ مليار دولار عام ١٩٩٧م ويباع ٩٠% منه لليابان وكوريا وتايوان، ولا تستفيد آتشيه إلا بـ١٠% وربما ١- ٣% من هذه العوائد فقط.

وقد بدأ استخراج الغاز في سنوات مبكرة في عهد سوكارنو لكن ذروة الإنتاج كانت في الثمانينيات عندما كانت إندونيسيا تحتكر ٤٠% من سوق الغاز الطبيعي المسال.. ونسبة كبيرة منه كانت تستخرج من آتشيه.

وتقوم بعملية استخراج الغاز في آتشيه أرون، وهي اتحاد بين شركة بيرتامينا الإندونيسية «٥٥%» وشركة موبيل الأمريكية «٤٥%».

وكانت ۱۷ لجنة حقوق إنسان إندونيسية قد أعلنت في ١٧ أكتوبر ۱۹۹۸م أن شركة موبيل الأمريكية وأرون الإندونيسية مسئولتان عن انتهاكات حقوق الإنسان خلال فترة العمليات العسكرية وأن موبيل وفرت الدعم اللوجستي وجرافات حفر المقابر الجماعية، وقد اكتشفت ۱۲ مقبرة جماعية بالقرب من أو على أرض تمتلكها شركات استكشاف النفط والغاز وهم جزء من ضحايا التعذيب الذين قد يصل عددهم إلى ۲۰۰۰ شخص في المنطقة.

هذا سلوك الشركات متعددة الجنسيات في دول العالم الثالث، وبالطبع لا يوجد مستمسك قانوني واضح ضد الشركة لكن العاملين سابقًا في الشركة أكدوا ما ذكرناه.

وتعمل شركة موبيل وفي المنطقة منذ ۲۸ عامًا وخلال الفترة المذكورة حافظت على علاقة وطيدة بالعسكر «الذين يستعيرون معداتها لاستخدامها في مشاريع» حسب قول المتحدث باسم الشركة الذي أضاف أنه لا يعلم إن كانت تستخدم في أمور أخرى.

الخوف يعم المواطنين في المنطقة.. أطفالًا وكبارًا، رجالًا ونساءً، ويخشى كثير منهم الحديث عن علاقة الشركة بالانتهاكات خوفًا على عمله خاصة أنها تسيطر على أحد أغنى مصادر الغاز الذي يجمع احتياطيًّا يصل إلى ١٣ تريليون قدم مكعب، والعمال من الجاويين الذين جاءوا في العام نفسه الذي أعلنت فيه تأسيس حركة تحرير آتشيه عام ١٩٧٦م، أكد بعضهم وقوع المجازر هناك حيث اكتشف بعضها من قبلهم وهم يقومون ببعض الحفريات وإجراء الفحوصات على التربة، بل إن هناك جبلًا سمي باسم «جبل الجماجم» لكثرة ما وجد فيه من موتى، وعلى بعد ٢٥ كم منه في قرية بوكيت سينتانغ تدور شكوك في وجود مقبرة أخرى بشهادة مخطط في الشركة قال: إن المواطنين كانوا يحذرونه من الذهاب إلى تلك المناطق قائلين: «ألا تعلم أن الجيش يقتل الأتشيويين ويدفنهم ببلدوزرات موبيل».

كما قال حارس من حراس الشركة ويدعى يوسف قاسم أنه كان يرى الجيش يقتل ما بين ٦٠- ٧٠ شخصًا رميًا بالرصاص كل مرة ويدفنون خلف مزارع الأرز، وقال: إن أحدهم قطع بالجرافة عندما لم تقتله رصاصة الجندي وكان أحد العاملين الفقراء في الشركة. كل هذا حصل بمعرفة شركة بترول أمريكية وأخرى إندونيسية.

البعد الإقليمي والدولي

تحاول حركة تحرير آتشيه الاستفادة من التيموريين في تدويلهم للقضية، وقد رفع الأمير حسن دي تيرو تقريرًا للأمم المتحدة في 5 يونيو ١٩٩٠م كما تحدث إلى أحد لجانها الخاصة بمنع التمييز العنصري وحماية الأقليات في أغسطس ۱۹۹۱م، وكذا في جنيف في يناير ۱۹۹۲م، وفي أغسطس ۱۹۹۳م وجرت محاولة لإصدار قرار لكنها فشلت في النهاية.

وفي عام ١٩٩٤م طرحت الولايات المتحدة واليونان وبريطانيا مشروع قرار آخر صوت ضده بأغلبية مرة أخرى، غير أن لجنة حماية الأقليات أصدرت قرارين يدينان ما يحصل في آتشيه ويطالبون بالتحقيق في الأمر، لكنهما غير ملزمين بطبيعة الحال لمجلس الأمن.

وزير الخارجية الأسترالي ألكسندر دونير قال: علينا ألا نقارن بين آتشيه وتيمور الشرقية، وأنه لن يقوم بنصح الرئيس عبد الرحمن وحيد حول آتشيه لأنها من الشئون الداخلية، أما تيمور فإنها لم تكن جزءًا من إندونيسيا قبل عام ١٩٧٥م، أما آتشيه فقد كانت ضمن إندونيسيا منذ الاستقلال.

وأضاف أن موقف دولته من الأقاليم الأخرى كموقفها من آتشيه.

واشنطن من جانبها لم تتدخل في الأمر، لكن بداية تأثيرها بدا عندما أعلن سفيرها معارضة دولته لأي أحكام عرفية تفرض في آتشيه. وزير الخارجية الإندونيسي علوي شهاب «من حزب الرئيس» طلب من مادلين أولبرايت إرسال فريق خبراء المعاونة إندونيسيا في معالجة النزعات الانفصالية، وقد لبت الطلب خلال زيارة شهاب ووحيد إلى واشنطن ولقائهما الرئيس بيل كلينتون. يأتي هذا بعد أن كان حزب النهضة القومية يتهم الولايات المتحدة بأنها وراء زعزعة الأوضاع في آتشيه في تصريح لأحد زعاماته في ٢٤/ ٨/ ١٩٩٩م وذلك عبر الدعم المباشر ودعم المنظمات غير الحكومية غير المباشر.

منظمة الوحدة الأوربية من جانبها دعت إندونيسيا إلى حل الأزمة بالحوار تفاديًا لانقسام إندونيسيا، وقال المتحدث باسمها: إن منظمته تريد أن تبقى إندونيسيا موحدة في ظل حكمها الديمقراطي.

الدول الأسيانية من جانبها تنظر إلى أحداث آتشيه بحذر وقلق شديدين وطلب العديد منها إندونيسيا بالتعامل مع الأزمة بحكمة وبالحوار، والجدير بالذكر أن سبعًا من عشر دول أسيانية ستسلم المرحلة القادمة من الإشراف على انتقال السلطة للتيموريين، وهي إشارة من الدول بعدم التزامها الكامل بالمبدأ التقليدي لآسيان، وهو عدم التدخل في الشئون الداخلية والسبب واضح، فانقسام إندونيسيا يعني انقسام دول آسيانية أخرى، كما أن ذلك بلا شك سيهدد استقرار المنطقة حتى ولو لم تنقسم الدول الأخرى فإندونيسيا الممتدة لمسافة طولها ٤٨٠٠ كم تحتضن جنوب شرق آسيا من الجنوب.

أما تايلند والفلبين فإن خوفهما يعود إلى أن تأسيس دولة إسلامية أو حتى علمانية بشعارات إسلامية سيشجع المسلمين في جنوب الفلبين على تأسيس دولتهم في مينداناو، وهو ما ضحوا من أجله أكثر من الأتشيويين في العقود الماضية، كما أن ذلك يعيد إحياء مطالب الفطانيين في جنوب تايلند بتأسيس دولة فطاني المسلمة ذات الجذور التاريخية المشابهة لحد ما بآتشيه.

أما ماليزيا فإن قلقها المصحوب بالتعاطف مع الآتشيين يتعلق بالخوف من نزوح الآلاف من اللاجئين إليها لو تدهور الوضع الأمني كما حصل في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات لكنها إرضاء لإندونيسيا -الأخت الكبيرة لماليزيا- أرجعت مئات منهم في منتصف عام ۱۹۹۸م، كما أن قيام دولة في آتشيه قد يدعم المعارضة الإسلامية في ماليزيا التي تتصاعد شعبيتها منذ 15 شهرًا.

سيناريوهات المستقبل

على أساس ما ذكرناه وما ظهر من مواقف خلال الأسابيع الأخيرة تنبثق لنا عدة سيناريوهات ممكنة بشأن إندونيسيا وآتشيه:

السيناريو الأول: هو أن ينجح الحوار الإندونيسي الآتشيوي وبدون إجراء استفتاء المؤيدين للحوار كأسلوب للحل هدفهم الحفاظ على وحدة البلد؛ لأن آتشيه مهمة بالنسبة لإندونيسيا، وأن الرئيس وحيد حتى لو قام بإجراء استفتاء فقد لا يكون حول الاستقلال، ولكن حول ما إذا يريد أهلها تطبيق أحكام الشريعة أم لا، وهناك عدة وزراء يؤيدون ذلك، كما أن رئيس مجلس الشعب قال: إن معظم الأعضاء يعارضون الاستفتاء وخاصة أن وحيد أعلن ذلك لأول مرة وهو خارج البلاد في طوكيو وعند رجوعه لاقى انتقاداتهم؛ حيث إن كثيرًا منهم يرى أن العدالة وإرجاع الحقوق كاملة للأتشويين كافية لإقناع سكان الإقليم، ولذلك اهتم البرلمان بالأمر واستجوب ويرانتو وأقر أعضاؤه تأسيس محكمة خاصة لانتهاكات حقوق الإنسان لوجود عوائق قانونية أمام محاكمة العسكريين في محكمة مدنية.

وقد دعت الحكومة الحركة للحوار على لسان المدعي العام مرزوقي داروسمان؛ لأن الحوار -على حد قول محللين في جاكرتا- يحفظ كرامة الطرفين. وبالرغم من أن الإسلام عامل مهم في تحريك التمرد الأتشيوي، إلا أن حكمًا ذاتيًّا لهم يحل مشكلة اللامساواة في توزيع الثروة، وسيكون حلًّا ناجحًا.

وزیر حقوق الإنسان حسب الله سعد ومع أنه أيد الاستفتاء فإنه يعتقد أن ١٠٠% من الأتشيويين قد يختارون الانفصال وأنه قبل إجراء الاستفتاء لا بد من تهدئة الوضع وبدء الحوار؛ لأن الاستفتاء ليس الأسلوب الوحيد لحل الأزمة، وحتى لا يتكرر خطأ الرئيس السابق حبيبي في قضية تيمور عندما اتجه في مشروعه بدون موافقة الجيش الكاملة.

الحكومة من جانبها تعمل هذه الأيام على الإسراع في تطبيق قانون الحكم الذاتي الجديد الذي وافق البرلمان عليه ومحاولة المدنيين في الحكومة منع العسكريين من فرض الأحكام العرفية؛ حيث إن جنرالات في الجيش ما زالوا يفضلون الأسلوب المتشدد في حل الأزمة.

وفي آخر عرض مفصل للحكومة قال وزير الدولة للحكم الإقليمي: إن الوزارة أعدت ٤ صيغ للحكم الذاتي، على أن تبقى آتشيه تحت الحكم الإندونيسي تختلف في بعضها البعض من ناحية درجة مركزية الحكم في قضايا الدفاع والمالية والقانون والأوقاف والشؤون الدينية والعلاقات الخارجية، ويرافق ذلك اهتمام الحكومة بالتعليم والصحة والتنمية، ومن ذلك بناء ۳۲۰۰ مدرسة وتوفير ۱۲ ألف مدرس للعلوم الشرعية.

السيناريو الثاني: الاستفتاء ثم الحكم الذاتي، وقد أثار الرئيس عبد الرحمن وحيد زوبعة عندما قال إنه سيجري استفتاء خلال 7 أشهر، لكن التفاصيل والقرار النهائي حول تاريخ ومحتوى الاستفتاء، لم تحدد بعد لأن ذلك ليس من صلاحياته وحده، بل من صلاحية البرلمان المنتخب الذي يفضل كثير منهم الحكم الذاتي ورفع مستوى المعيشة والتنمية وحل الصراع بأسلوب الحوار منعًا لاستفتاءات أخرى في البلاد.

السيناريو الثالث: فيدرالية إندونيسيا لكون آتشيه تهدد الاستقرار والوحدة الإندونيسيين، فإن منحها الحكم الذاتي على أساس نتيجة الاستفتاء لن يكون حلًّا شاملًا لكل النزعات الانفصالية في إندونيسيا، وهنا يطرح المحللون وبعض المسئولين تحويل إندونيسيا إلى الحكم الفيدرالي وتشكيل الولايات المتحدة الإندونيسية لحايم ايم فماليزيا دولة فيدرالية والهند والولايات المتحدة الأمريكية.. وغيرها، وهذا ما يشجع على إمكان نجاح هذا الحل الشامل.

وقد علق مؤرخ إندونيسي على الوضع بقوله: إن إندونيسيا لن تبقى على ما هي عليه الآن حتى عام ۲۰۰۵ أو على حد أقصى عام ۲۰۱۰، وعندها تكون قد أجبرت على التحول إلى النظام الفيدرالي، ودعا أنهار غونغونغ إلى أن تبدأ الحكومة إعداد المتطلبات القانونية والفنية والإدارية لذلك، وقد يستمر ذلك -على حد قوله- ما بين عامين إلى خمسة أعوام، وقال: إن تراكمات اللامساواة بين الأقاليم خلال حكم سوهارتو لن تكون سهلة المعالجة وأن الاستفتاءات ستقسم البلاد.

السيناريو الرابع: انفصال آتشيه، وهناك احتمالان لو كانت نتيجة الاستفتاء المطالبة بالاستقلال، فإما ألا يؤثر ذلك على وحدة إندونيسيا، وهذا مستبعد جدًّا، وإما أن تكون استمرارًا لتدحرج كرة الثلج التي بدأت من تيمور، ويكاد يجمع كل مهتم بالقضية الأتشيوية على أن استقلال آتشيه يعني انقسام إندونيسيا، فكل الأقاليم بلا استثناء ستطالب بالاستفتاء ثم الانفصال.

الجيش.. ما الذي سيفعله؟

في الأسبوع الماضي أعلن فريق مستقل للتحقيق في أعمال العنف أن الجيش متورط في «جرائم حرب» في آتشيه، وقد أعلنت ٤ أسماء من الجنرالات منهم ويرانتو وفيصل تانجونغ وادي سودراجات ومورداني كما قالت ۲۷ منظمة غير حكومية: إن بقاء الجيش يزيد من النزعة الانفصالية في الإقليم، ويعتبر الجيش الجناح المتشدد من الحكومة والذي أعلن استعداده لفرض أحكام عرفية في الوقت نفسه الذي أعلن قادته استعدادهم لمحاكمة المتهمين، وقد أجمع معظم الخبراء على أن الأحكام العرفية لن تكون إلا بمثابة صب الزيت على النار.

الجنرال ويرانتو الذي اعتذر عما ارتكبه الجيش أكد أن قادة الجيش لم يأمروا جنودهم بارتكاب الانتهاكات التي اكتشفتها لجان حقوق الإنسان؛ لكنه في الوقت نفسه أكد أن مؤسسته لا تناقش قضية الاستقلال.

وفي الوقت الذي يرى بعض قادة الجيش أن الأمر يجب أن يحل من قبل المدنيين وأن الجيش لا يمكنه حل الصراع وحده، يرفض آخرون الاستفتاء بشدة، بل إن وزير الدفاع الحالي حذر من عودة الجيش إذا لم تنجح الحكومة الجديدة في فرض الأمن والاستقرار والمحافظة على وحدة البلاد، وقال جوونوا سودار سونو في حديثه للبرلمان: إننا قد نعود لنحكم عاجلًا أم أجلًا، كما حصل في باكستان وبعض الدول الإفريقية ما لم ينجح المدنيون في تنمية حياة سياسية صحية ومستقرة. إن قضية آتشيه تحتاج إلى موازنة حساسة بين مصالح الأقاليم ومصلحة البلد ككل حفاظًا على حقوق الجميع في ظل دولة موحدة، وأن مواقف الكثيرين تندفع بعواطف أنتجتها حوادث مؤسفة وقصص دامية، ولا بد من فتح صفحة جديدة لحل هادئ، فليست الأزمة أزمة آتشيه، ولكنها أزمة أكبر بلد مسلم في العالم يراد له أن يتمزق إلى دويلات باستغلال التراكمات التي كرسها سوهارتو وسوكارنو وغيره من الدكتاتوريين الصغار والكبار.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

322

الثلاثاء 24-مارس-1970

البترول العربي وقضَايا المصير

نشر في العدد 7

120

الثلاثاء 28-أبريل-1970

مجلس الأمة - عدد 7