العنوان سلوك الغدر الإسرائيلي كما تمثله مذبحة دير ياسين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1999
مشاهدات 57
نشر في العدد 1344
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 06-أبريل-1999
ذكرى مذبحة دير ياسين
سلوك الغدر الإسرائيلي كما تمثله مذبحة دير ياسين
بقلم: د. حسن عبد ربه المصري ([1])
* كان هناك عهد أمان عقدته قرية دير ياسين مع الوكالة اليهودية.. ومع ذلك وقع فيها أبشع مذبحة!
عندما قررت الحركة الصهيونية الإعلان عن ميلاد دولة إسرائيل في نفس اللحظة التي ينتهي فيها الانتداب البريطاني على فلسطين في منتصف شهر مايو 1948، احتدم التنافس بين العصابات الإرهابية الصهيونية في ميدان القتل والتشريد والقمع ضد الفلسطينيين لتحقيق انتصارات سياسية لدى الرأي العام اليهودي يترتب عليها اختيار الموقع المناسب لقادة كل عصابة على خريطة الدولة السياسية المنتظر تشكيل مؤسساتها واحدة بعد الأخرى.
ولم يكن من قبيل الصدفة أن تكون ذروة هذا التنافس بين منظمة الهاجاناه من ناحية وبين كل من منظمة إيتسل ومنظمة ليحي من ناحية أخرى، وبخاصة أن لكل من الطرفين موقفًا محددًا وواضحًا من قرار التقسيم.. فالطرف الأول الذي تمثله الهاجاناه بقيادة بن جوريون رئيس الوكالة اليهودية قبل بقرار تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية وأخرى يهودية ولم يعترض على استثناء مدينة القدس وريفها ووضعهما تحت الوصاية الدولية، لأنه يدرك أنه بدون ذلك لم يكن في الإمكان الحصول على تأييد الدول اللاتينية الكاثوليكية الأعضاء في الأمم المتحدة لقرار التقسيم.. أما الطرف الثاني الذي تمثله منظمتا إيتسل وليحي فهو رافض لقرار التقسيم لأن الأمم المتحدة لم تكن عادلة من وجهة نظرهما في قرارها لأنها أعطت الدولة العربية مناطق شاسعة من أراضي إسرائيل الكبرى كما لم تمنح الدولة اليهودية حق إدارة مدينة القدس!
وبالرغم من ذلك كان هناك اتفاق شبه رسمي بين الجانبين على ضرورة ضم أكبر مساحة من الأراضي العربية الخارجة عن حدود الدولة اليهودية كما حددها قرار التقسيم بقوة السلاح وبالإرهاب والطرد والترويع، وكانت منظمة الهاجاناه تخطط لأن يكون تنفيذ هذا الهدف الإستراتيجي بيدها أولًا وأخيرًا وأن يكون أي تحرك للمنظمات الأخرى في هذا الاتجاه بناء على أوامر وموافقات مسبقة منها، لذلك بدأت فور ارتخاء قبضة سلطات الانتداب البريطاني على البلاد اعتبارا من بداية عام 1948م في تنفيذ خطتها التي أطلقت عليها اسم «نحشون» وحشدت لها 1500 إرهابي من أشرس عناصرها للاستيلاء قسرًا على القرى والمدن الفلسطينية وضرب وإفناء المقاومة العربية أينما وجدت، ومن هنا بدأ التنافس بينها وبين العصابات الإرهابية الأخرى التي وجدت نفسها أسيرة قيادة لا تمتاز عليها بشيء وتطمح إلى أن تستحوذ على مكاسب العملية الاستعمارية التي بدأتها المنظمات جميعًا معًا دون أن يكون للآخرين نصيب منها.
وبالفعل بدأت المعارك في الأول من إبريل 1948م بين القوات الفلسطينية، ووحدات البالماخ الضاربة التابعة لمنظمة الهاجاناه حول القرى والمدن العربية الواقعة على جانبي طريق يافا/ القدس، واحتدم الاقتتال حول مدينة القسطل، في الوقت الذي بدأت فيه قوات الهاجانه الأكثر تواجدًا وعتادًا داخل مدينة القدس في حماية الأحياء اليهودية داخلها ومنع اليهود من الهرب منها والعمل على تأمين مواصلاتها مع المستعمرات القريبة منها.
أدركت المنظمات الإرهابية الأخرى وبخاصة تشكيل «أيتسل» بقيادة مناحيم بيجين أن انفراد قوات الهاجاناه العسكرية التي تحولت فيما بعد إلى جيش إسرائيل، بالعمل العسكري التوسعي سيبني لقادتها مجدًا عسكريًا وسياسيًا وسيؤدي في الوقت نفسه إلى عزل الآخرين لدى الرأي العام اليهودي، لذلك أقنع بيجن قادة منظمة ليحي بالتعاون معه للقيام بعمل عسكري لا تشارك فيه قوات الهاجاناه وينسب النصر النهائي فيه إليهما فقط، ووقع اختياره على قرية دير ياسين الآمنة التي تقع في الجنوب الغربي من مدينة القدس لتطبيق جرائم الحركة الإرهابية على سكانها الأبرياء وكنس روح الإسلام منها لأن أهلها لا يتمتعون بشرعية العيش فيها كما تقول بذلك تعاليم مرشده جابوتنسكي.
تقول كتب التاريخ العربية والإسرائيلية إن قادة الهاجاناه رفضوا في بادئ الأمر الهجوم على قرية دير ياسين وعرضوا على مناحيم بيجين ورفاقه القيام بعمل عسكري في مكان آخر، وعندما أصروا على موقفهم اشترط عليهم قادة الهاجاناه عدم الخروج من القرية بعد دخولها مهما كانت الأسباب لأن استعادتها مرة أخرى سيكلف المجتمع اليهودي بعضًا من أبنائه كما أن سيطرتهم عليها سيساعد على البدء في التخطيط لبناء مطار للدولة اليهودية في هذه المنطقة.
عهد الأمان
هنا يجب أن نشير إلى حقيقة عمدت دولة إسرائيل طوال الخمسين عامًا الماضية إلى اقتطاعها من الذاكرة العربية ونقصد بذلك عهد الأمان الذي عقدته دير ياسين مع الوكالة اليهودية، ولهذا السبب عندما بدأ التخطيط للمذبحة اقترح البعض توجيه إنذار إلى أهل القرية لعلهم يتركونها بلا قتال ولكن هذا الاقتراح قوبل بالرفض بحجة أن مثل هذا الإنذار سيؤدي إلى الانتقام من اليهود في أماكن أخرى.. وليس هذا بصحيح لأن قيادة منظمة الهاجاناه اكتشفت أن الاستيلاء على دير ياسين سيحقق للدولة اليهودية بضربة واحدة العديد من المكاسب التي من بينها:
1- تأمين التواصل الجغرافي بين المستعمرات الست التي تقع غرب مدينة القدس، وبخاصة أن أسوار مستعمرة جيفعات لا تبعد عن حدود القرية سوى 1200 متر فقط.
2- تأكيد السيطرة العسكرية اليهودية باستغلال المميزات الطبوغرافية التي تحيط بالقرية، على عكس معاركها في أماكن أخرى وبخاصة تلك التي تتمركز فيها أعداد كبيرة من أبناء المقاومة الفلسطينية التي لم تكن قد حققت من ورائها سيطرة عسكرية بعد.
3- إنهاء العملية العسكرية في أقل وقت باستغلال ثقة أهالي القرية في الأمان الذي تعهدت به لهم الوكالة اليهودية وتأثير المفاجأة عليهم.
4- الانتقام من أهالي دير ياسين بسبب الخسائر البشرية التي لحقت بقوات الهاجاناه أثناء المعارك التي واجهت فيها رجال المقاومة الفلسطينية في معركتي كفاراتسيون التي تقع على طريق الخليل وعطاروت التي وتقع على طريق رام الله.
الجمعة 9 أبريل
وعندما تحدد فجر يوم الجمعة 9 أبريل عام 1948م موعدًا للهجوم الدموي الغادر على أهالي القرية الآمنة دار النقاش أولًا حول كيفية معاملة الأسرى، وتدعي التقارير الإسرائيلية أن الآراء اختلفت فالبعض كان يحبذ تصفية جميع الأهالي بلا استثناء والبعض الآخر كان يرى معاملتهم معاملة إنسانية، والحقيقة كما تدل عليها الوقائع غير ذلك تمامًا حيث إن تسليح أفراد القوة التي قامت بالهجوم على القرية بالهراوات كان بغرض توفير أداة بدائية للإجهاز على الأسرى والجرحى والمصابين توفيرًا للطلقات النارية التي يحتاجون إليها من ناحية وتنفيسًا للكراهية العنصرية ضد العرب التي تملأ الصدور من ناحية أخرى.
وإذا اقتنع البعض بأن تحبيذ التصفية جاء من جانب منظمة ليحي، فإننا نقول له إن الفكرة الدموية لاقت صدى لدى الآخرين ليس فقط بسبب عنصريتهم واعتناقهم مبادئ الإرهاب ولكن لأن سهولة الاستيلاء على القرية كما قلنا وتصفية أبنائها ستشيع الرعب في بقية القرية وتمهد لتحطيم معنويات العرب وفي الوقت نفسه سترفع من معنويات اليهود في كل مكان بعد الخسائر التي تعرضت لها منظماتهم الإرهابية على أيدي المقاومة الفلسطينية، فليس من المعقول أن ترفض منظمة أيتسل بزعامة مناحم بيجين مثل هذه الفكرة وهي التي بدأت أسلوب الألغام الموقوتة في الأسواق العربية إثر اشتداد مقاومة الفلسطينيين للاستيطان اليهودي منذ عام 1938م وهي التي نسفت فندق الملك داود عام 1946م عندما قررت الحكومة البريطانية تحجيم الهجرة اليهودية غلى فلسطين وهي التي دمرت أجزاء كبيرة من الأحياء العربية المقدسية مثل باب الزهرة وباب الخليل بعد صدور قرار التقسيم لتوسيع دائرة الأحياء اليهودية داخل المدينة.
وعندما دار النقاش بعد ذلك حول كيفية محاصرة القرية وتوجيه النيران إليها، لم يقع اختلاف، واتفق الجميع على تنفيذ الهجوم من أربعة محاور، من الشمال حيث التقاء الطرق الرئيسة، وعبر الوادي من الناحية الشرقية الجنوبية ومن ناحية الجنوب الغربي للسيطرة على أعالي القرية ومنع وصول أي إمدادات إليها والرابع من ناحية الشرق إلى وسط القرية، كما اتفق على تجهيز 200 مقاتل ثلثهم من مقاتلي أيتسل والباقون من كواد ليحي ووضع 70 مقاتلًا في المراكز احتياطية لتوفير النجدة في حالة الحاجة إليها، يكون تسليحهم كما يلي: 150 بندقية عادية- 212 رشاشًا آليًا- وحدتى مدفعية هاون عيار 2 بوصة- 50 مسدسًا- 400 قنبلة يدوية والآلاف من الطلقات النارية.
كان الغرض من المحاور الثلاثة إحاطة القرية من جميع الجهات وترك منفذ واحد لاصطياد من يفلح من أهلها في الهرب وقتله، أما المحور الرابع فكان يمثل الحرب لنفسية لأن المصفحة التي أول إليها اختراق القرية من وسطها ركب عليها مكبر لصوت هدفه دعوة الأهالي للاستسلام والخروج بسلام من الموقع وذلك لأجل خلق حالة من الذعر والاضطراب والفوضى إضعافًا لروح المقاومة لديهم والتنصل في الوقت نفسه من المسؤولية بحجة أنها حذرت الأهالي ولم يستجيبوا للتحذير وقضوا نحبهم بسبب عنادهم، وليس في الأمر حرص على الأرواح العربية كما تدعي المصادر الإسرائيلية لأن منظمة أيتسل ادعت أنها استخدمت مكبر الصوت هذا ندما نسفت فندق الملك داود!.
قبل يومين من الموعد المحدد عاين ممثلون للمنظمات الإرهابية الثلاث ضواحي القرية ومحيطها وتلالها للاستكشاف، وفي ضوء المعاينة الميدانية حددوا مواقع نصب الرشاشات ومدافع الهاون وعينوا موقع سيارة الإسعاف التي ستصاحبهم، بحيث تكون بعيدة عن مرمى النيران، وتم تسكين أفراد القوة وتخزين الأسلحة والمعدات في القواعد التي أعدت سلفًا داخل المستعمرات اليهودية المحيطة بالقرية.
بعد منتصف الليل تسللت مجموعات الإرهابيين بهدوء كل إلى موقعه، وحرصت قيادات المنظمات الثلاث على ترك فاصل زمني بين تحرك كل مجموعة والأخرى حتى لا تلفت الانتباه، وعندما اطلقت الإشارة الضوئية في تمام الساعة الرابعة والنصف قبل الشروق أمطرت الرشاشات القرية بوابل من الرصاص، وحققت المفاجأة ومكبر الصوت المفعول المستهدف، حيث حدث هلع واضطراب شديدان بين الأهالي ووقع أكثرهم عندما حاول الفرار فريسة سهلة لنيران الأسلحة التي نصبت بالقرب من طريق القرية الجنوبي الذي ترك لهم مفتوحًا عندما عمد لاغتيالهم.
رسالة رعب للجميع
أسفر «الانتصار» اليهودي الباهر على أهالي قرية دير ياسين الأبرياء العزل عن مقتل 245 شخصًا، 33 منهم من الصبيان الذين لم يبلغوا الخامسة عشرة، إضافة إلى 30 فتاة وامرأة بينهن حوامل فبقرت بطونهن، وعدد أخر من الشيوخ والمسنين، وحملت القوات الغازية عددًا من الأسرى إلى الأحياء اليهودية بمدينة القدس، حيث طافوا بهم الشوارع وسط صيحات النصر، وعندما أعيدوا إلى القرية تم الإجهاز عليهم، وحققت المنظمات الإسرائيلية هدفها الأكبر وهو ترويع أبناء فلسطين وإرهابهم، فما أن انتشر نبأ المذبحة حتى عمت حالة من الذعر والبلبلة الكثير من المدن والقرى الفلسطينية.
لم تشارك منظمة هاجاناه في مذبحة دير ياسين فقط، وإنما كلفت واحدًا من خيرة ضباطها بمراقبة الأداء العسكري والقتالي لكل فرد في كوادر منظمتي أيتسل وليحي وتقديم تقرير لمكتب بن جوريون للنظر في مدى صلاحيتهما للانضمام إلى قوات جيش الدولة أم لا، لذلك اصطحب هذا الضابط مصورًا فوتوغرافيًا قام بالتقاط مجموعة من الصور للقوات منذ بدأت تحركها حتى تم تسليم القرية إلى قائد قوات الهاجاناه المسؤول عن المنطقة.
يزعم اليهود في التاريخ القديم أن يشوع عندما أراد أن يدخل القدس قبل ثلاثة آلاف سنة، اختار أريحا لتكون نقطة انطلاقه نحوها، وأرسل أولًا جواسيسه لاستقصاء أخبار أهل البلدة من الكنعانيين، ثم اختار ثانيًا توقيت شروق الشمس لمهاجمتهم، وأوصى جوده بقتل كل من يعترض طريقهم، حتى المواشي، وحثهم على جمع كل ما يقع تحت أيديهم من ذهبة وفضة ونحاس، ولما تسببت مذبحة أريحا في وقوع الرعب الهائل والاضطراب والفوضى، استطاع يوشع بن نون أن يخترق القرى الفلسطينية بحد السيف نحو القدس!
([1]) صحفي مقيم في بريطانيا.