; سنة أولى إصلاح | مجلة المجتمع

العنوان سنة أولى إصلاح

الكاتب سالم الفلاحات

تاريخ النشر الجمعة 20-يناير-2012

مشاهدات 56

نشر في العدد 1985

نشر في الصفحة 66

الجمعة 20-يناير-2012

تخصص جديد في جامعة الحياة العربية الشعبية يفتح لأول مرة في تاريخها، ويُقبل عليه الناس بهذا الزخم ولم يعد بمقدور مواطن الاستغناء عنه.

 وهو كأي تخصص جامعي آخر يحتاج الحصول فيه على الشهادة الجامعية الأولى لأربع سنوات، ولا يمكن تحصيله في عام أو عامين مهما كان اجتهاد الدارس ونبوغه.

في السنة الأولى التي انتهت ۲۰۱۱م يحتاج الدارس لجسر الهوة بين الحياة الجامعية وبين ما اعتاده في سني المدرسة الطويلة من الاستسلام بين يدي المعلم الذي يلقنه كل شيء يجلس بين يديه مستسلما ، يشبك أصابعه ويعتدل جالسًا، فالمعلم لا يقول إلا حقا، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه له من الطالب الشحم واللحم والسمع والبصر والعقل والوعي، يكتب في صفحته ما شاء وليس للطالب إلا العظم، وكلما انخرس الطالب واستسلم وقلد ما يخطه المعلم الملهم فهو الأديب الأريب المبدع، وكلما تنازل ولي أمره عن أكبر قدر من خصوصياته فهو الوالد المتعاون وولي الأمر الناجح.

وهكذا فتغيير الجلسة حرام، ومد البصر خارج الكتاب والسبورة إثم، والنظر في وجه المعلم أو مناقشته كبيرة من الكبائر وقلة أدب، فهو كما يقول متعهد و الإذلال: يجب أن يكون كالميت بين يدي المغسل !!

وهكذا كانت الشعوب بل أسوأ حالا مع حكامها ووزرائها بل وشرطتها ومخبريها، فهم المقدسون الحكماء، أما المواطن فهو العبد الطائع المتعبد بطاعتهم، والذي يترقى بمدارج الوطنية والانتماء بقدر تحييده لعقله وإرادته وتنازله عن كرامته وخصوصياته لصالح عبقريتهم.

هكذا كانت الشعوب قبل أن تدخل السنة الأولى في جامعة الإصلاح الشامل أو الثورة الشعبية البيضاء، ولما دخلوا الجامعة العام الماضي تعلموا مصطلحات جديدة لأول مرة لم يسمعوها من قبل، وإن سمعوها فكانت لا تعنيهم، إنما تعني أولئك الكافرين المارقين من الوطنية والانتماء والحكمة، ومنها السلطة للشعب، فقد احتاجت منهم للتعرف على مدلولها الغريب لجزء كبير من الفصل الأول وقد استوعبها نفر قليل منهم وتساءلوا مرارًا، وهل يستحق الشعب السلطة؟ وهل يتقنها ؟ وهل هي نافعة له؟ وما فضلها على الدكتاتورية والحكم الشمولي الأبوي الموسوعي ؟

ثم اشتروا كراسات خاصة لم يسبق تداولها منذ زمن بعيد، وراجعوا المختبرات والمكتبات للتعرف على مصطلحات الكرامة والعدالة والحرية والمواطنة والخطوط الحمراء والمناطق المحظورة والمسموحة، والفصل بين السلطات والدستور والقانون، والحكومة والنظام.. وأشياء أخرى كثيرة، ثم أخذوا يتدربون على إمكانية الاعتماد على النفس في تحصيل المعارف والعلوم، وإمكانية الإنتاج والإبداع الذاتي والاقتناع بأنه مخلوق له قيمة، ويمكن أن يفكر ويحاكم الأشياء بعقل مفتوح دون أن يكون عالة على غيره أو طحلبًا أو عربة نقل أو من التي « الماء فوق ظهورها محمول».

نعم، من الشعوب من مزق الدفاتر القديمة، وأخذ يشتم الذين غيبوه لكل هذا الوقت واسترسلوا في إذلاله وسرقة حاضره ومستقبله وأوهموه أنه هو حبة القمح المطاردة من دجاجة فثار على المتحكمين وأسقطهم أو طردهم أو سجنهم أو سحلهم، وحارب الجزء الظاهر منهم ولم يجهز على الجزء الغاطس الأكبر تحت الماء بعد، فهو بحاجة لوقت إضافي آخر؛ لأنه لا يعرف الانتقام والثأر المتسرع كما كانوا يفعلون به من قبل.

أليس من الظلم التسرع في الحكم على مسيرة الشعوب ونتائج التحصيل الجامعي من سنة واحدة لم تكتمل بعد ؟

ألم تمض عشرات السنوات والتي ناهزت القرن من تلقين الناس ثقافة اليأس والاستسلام والعبودية وتأجير العقول وسلب الإرادات حتى مسخوا الشخصية العربية على هذا النحو المتخلف، وإن كانت الفرصة قد أعطيت لكل التجارب بحق الإنسان العربي، وأخذت المناهج والأفكار المصنوعة مجدها لعقود طويلة وعدته بالسمن والعسل وتحرير المقدسات وبناء الإنسان إلى غير ذلك؟ فهل من بدهيات الإنصاف الحكم على ثورات الشعوب اليوم التي لم تكمل عاما بعد ، وتشريحها وتشويهها أم هو الأسلوب الجديد بعد الصدمة للالتفاف عليها وتضخيم سلبياتها المتوقعة لإقناعها بالعبودية منهجا والعودة إلى الماضي البائد ؟

إن كانت الديمقراطية قد أخذت من الغرب مائة ومائتين وثلاثمائة عام في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها، فهل يستكثر على الشعوب العربية بضعة أشهر أو حتى بضع سنوات.. ما لكم كيف تحكمون ؟ إنه الهجوم المعاكس، غير أنهم يلملمون الفلول المهزومة النائحة على مكتسباتها من مجاميع الفساد والاستبداد والمنتفعين والمرتجفين البائسين الذين طاشت عقولهم واستمرؤوا بول الضباع للوقوف أمام الإصلاح !!

تحية للشعوب العربية في عيد ميلادها الأول في عهد الحرية والتحرر.. وهنيئا لها، فقد أنجزت في شهور ما لم ينجزه مستعبدوها في عقود، لقد كانت سنة أولى فقط في عمر الإصلاح، لكنها ملهمة، وهي تبشر بمستقبل عربي واعد فقدته طويلاً.

لقد ضربت تونس وأخواتها أنصع الأمثلة الراقية في إمكانية التفاهم والتعاون والاستيعاب ومحاولة الانعتاق من أمراض الماضي واستوعب الناس بعضهم على اختلاف توجهاتهم وأفكارهم رغم كثرة العصي في دواليبهم، وكل عام والشعوب العربية بخير، ونحن بانتظار عام جديد للحرية قادم، وسيكتمل البناء بعون الله.

الرابط المختصر :