العنوان أمهاتنا (2)- سودة بنت زمعة (رضي الله عنها) … تبتغي رضا رسول الله ﷺ
الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 25-يونيو-2011
مشاهدات 59
نشر في العدد 1958
نشر في الصفحة 46
السبت 25-يونيو-2011
أول امرأة تزوجها النبي ﷺ بعد موت السيدة خديجة رضي الله عنها فكانت في بيته أمًا لبناته من بعد أمهن
آثرت رضا النبي ﷺ على رضا نفسها فتنازلت عن ليلتها إلى السيدة عائشة رضي الله عنها
مات النبي ﷺ وهو عنها راض وتجرعت مرارة فراقه وعاشت وفية على العهد من بعده حتى توفيت في آخر عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه
روت عنه خمسة أحاديث وعاشت عابدة قانتة زاهدة.. وقد اختارت الله ورسوله حين نزلت آية التخيير فنالت البشارة من الله تعالى
إنها خير مثال تقتدي به زوجات الآباء في التعايش مع أولاد الزوج إن قدر الله لهن أن يجتمعن في بيت واحد ويعشن معًا تحت سقف واحد .. فهي رمز الطيبة والتسامح والرفق واللين والأمومة والحب، وهي الزوجة والأم في آن واحد.
كما أن زواج النبي صلى الله عليه وسلم منها خير مثال للأزواج عند الاختيار حينما يقدمون على الزواج وفي أعناقهم من البنين والبنات من يحتاج إلى أم تضمه وحضن يدفئه ويد ترعاه فكانت هي أول أم لبناته بعد خديجة رضي الله عنها.
إنها أمنا سودة بنت زمعة بن عبد شمس العامرية رضي الله عنها .. أول امرأة تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد موت خديجة فكانت في بيته أما لبناته من بعد أمهن من السابقات إلى الإسلام إذ أسلمت مع زوجها السكران بن عمرو بن عبد شمس في بداية الدعوة الإسلامية من السابقات إلى الهجرة حيث هاجرت معه إلى الحبشة، لكنه توفي عنها في مكة بعد عودتهما إليها فكان لها من الله خير العزاء؛ إذ أكرمها بالزواج من سيد البشرية محمد صلى الله عليه وسلم وذلك في رمضان في السنة العاشرة من البعثة لتصير أما لكل المؤمنين والمؤمنات وزوجة لنبي الله في الدنيا والآخرة.
آمنت بالنبي واتبعته
إن الإيمان بالله تعالى ورسوله واتباع الحق والعمل به والثبات عليه لهو منة يمن بها ربنا على من يشاء من عباده فيكرمهم به في الدنيا ويرحمهم به في الآخرة، وقد نالت أمنا سودة هذه الكرامة في الدنيا بزواجها من النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الآخرة بعلو المقام حيث تصير زوجة له في الجنة.
وتحكي لنا خولة بنت حكيم امرأة عثمان ابن مظعون قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم من سودة قالت: يا رسول الله، ألا تزوج؟ قال: «من»؟ قالت: إن شئت بكرًا أو ثيبًا . قال: «فمن البكر؟ قالت ابنة أحب خلق الله عز وجل إليك، عائشة بنت أبي بكر. قال: ومن الثيب؟ قالت: سودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك على ما تقول، قال: «فاذهبي فاذكريهما علي» (رواه أحمد). فكانت خولة رضي الله عنها بشير خير لسودة حيث ساق الله الخير على يديها لتنعم سودة بهذا الزواج المبارك بالعيش في أكرم بيت مع أعظم زوج.
دروس وعبر
وفي زواج النبي ﷺ من سودة دروس وعبر يمكن أن نستلهمها، فقد علمنا في هذا الزواج المبارك أن أساس بناء البيت المسلم إنما يكون على الإيمان بالله ورسوله وهذا يتضح في قول خولة: «آمنت بك واتبعتك على ما تقول»، وأن هناك معايير ثابتة لا بد من توافرها في الزوجة عند الزواج بها وعلى رأسها الدين الذي تتلاشى أو تضعف أمامه المعايير الأخرى من قلة الحظ من الجمال الظاهر الذي يذبل مع مرور الوقت، أو قلة ذات اليد من المال الذي يزول وينفد، أو نقص في العشيرة والحسب والجاه إذ يفنى ذووه بالموت في أي لحظة.
ويخطئ الزوج حين يظن أن سعادته الزوجية لن تكون إلا مع امرأة تصغره أو أخرى تكبره، أو مع الثرية الغنية أو الجميلة الفاتنة أو الوجيهة النسيبة والشريفة الحسيبة، وإن كان هذا حسن إن تعانق مع الدين وحسن الخلق إلا أنه لا ينبغي أن نجعل منه أساس بناء الأسرة وقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زوجاته الطاهرات على تفاوت فيما بينهن في ذلك.
فالدين إذا هو المقياس الحقيقي الذي يرفع المرء ويُعليه، وحسن العمل وصدق الاتباع إظهار لجوهر هذا الدين ودعوة إليه، أما المقاييس الدنيا التي يقيس بها بعضنا مكانة البعض فقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم تصحيح المفاهيم تجاهها، وحثنا ألا نجعل منها القاعدة الرئيسة في الزواج فقال: «تنكح المرأة على إحدى خصال ثلاث تنكح المرأة على مالها، وتنكح المرأة على جمالها، وتنكح المرأة على دينها فخذ ذات الدين والخلق تربت يمينك الألباني السلسلة الصحيحة». وقال: تنكح المرأة لأربع: «لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» (رواه البخاري).
تحب الرسول ﷺ وتبتغي رضاه. إن من علامات حب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤثره على أنفسنا وأهلينا وأبنائنا وأموالنا، كما قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (رواه البخاري)، وأن نحبه حبًا يترجم في أقوالنا وأعمالنا، وأن نرجو مرافقته ومجاورته في الجنة، ولن يكون هذا إلا بالتضحية والإيثار، وهذا ما أرادته أمنا سودة رضي الله عنها وحرصت عليه فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرجت معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم» (رواه البخاري).
لقد آثرت سودة رضي الله عنها رضا النبي على رضا نفسها ففعلت ما يحبه هو لا ما تشتهيه هي، وما حرمت نفسها من المبيت معه في ليلتها إلا لهدف أسمى وهو رضاه عنها وقربها منه وخلودها معه زوجة له في دار الخلود في أعلى مقام بالجنة كما عاينت عدله بينهن فيما يملك من نفقة وكسوة ومبيت ولم تشأ أن تثقل عليه لشدة عدله وهي الكبيرة المسنة وقد لمست فيه حبه عائشة رضي الله عنها فوهبتها ليلتها. قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه سلم منها» (صحيح أبي داود).
مديح عائشة لها...
مدحتها عائشة فقالت: «ما رأيت امرأة أحب إلى أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة، من امرأة فيها حدة قالت فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة قالت يا رسول الله قد جعلت يومي منك لعائشة. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومين يومها، ويوم سودة». (رواه مسلم) . مسلاخها المسلاخ هو الجلد. ومعناه أن أكون أنا هي. «حدة» لم ترد عائشة عيب سودة بذلك. بل وصفتها بقوة النفس وجودة القريحة، وهي الحدة.
القانتة العاملة...
هذه هي سودة أم المؤمنين رضي الله عنها زوج نبينا صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة روت عنه خمسة أحاديث عاشت عابدة قانتة زاهدة، وقد اختارت الله ورسوله حين نزلت آية التخيير فنالت البشارة من الله القائل سبحانه: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32)﴾(الأحزاب: الآية 31 ).
مات النبي صلى الله عليها وسلم وهو عنها ،راض وتجرعت مرارة فراقه حين مات وعاشت وفية على العهد من بعده حتى توفيت على الأرجح في آخر زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
فرضي الله عن أمنا سودة وأرضاها وجمعنا معها في جنات النعيم .
(*) إجازة في الشريعة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل