; سوريا بين الجبهة الإسلامية والنظام المعزول | مجلة المجتمع

العنوان سوريا بين الجبهة الإسلامية والنظام المعزول

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1980

مشاهدات 61

نشر في العدد 503

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 04-نوفمبر-1980

خبر راج منذ فترة على ألسنة الناس في أسواق دمشق وبيوتاتها.. يقال إنه تسرب من عساكر القوى الجوية السورية إلى الشارع، مفاده أن الطائرات الإسرائيلية مرت في سماء سورية في طريقها لقصف مركز تموز النووي في العراق.. ويقال إن جهات عسكرية في سورية تؤكد أن الطائرات الإسرائيلية مرت في سماء سورية على ارتفاع شاهق، وهي تحمل شارات طيران تابعة لدولة أخرى دون أن تعترضها الطائرات السورية.. وتذكر بعض المصادر أن العميد محمد الخولي رئيس مخابرات القوى الجوية أعطى أوامره بعدم الالتفات إلى تلك الطائرات..

ليضيف إلى سيرة النظام حلقة أخرى من حلقات الصمود والتصدي على هذه الطريقة التي أدت إلى عزلة نظام دمشق على المستوى العربي.

محاولات ميئوسة للخروج من العزلة:

وإذا كانت هذه المقدمة تعكس بعضًا من مواقف النظام السوري من جيرانه العرب والعدو اليهودي بآن واحد، فإن التفتت والتآكل والتصدع الداخلي هو الذي يفسر لنا سبب تصرفات نظام دمشق الذي يتخبط وهو يحاول جاهدًا التقاط أنفاسه الأخيرة، ذلك أن العقلية المريضة لمن يعيش نزعه الأخير تشخص نفسها في مثل هذا السلوك الذي لا يتصف بأية صفة من أوصاف الانضباطية الأخلاقية والبعد العقلاني.

ومن هنا يعرف القارئ سر عزلة النظام السوري على المستوى العربي.. إلا أن الطير الذي يرقص مذبوحًا من الألم، لم يحاول أن يتعلق ولو بخيوط العنكبوت قبل أن يخر صريعًا، وهكذا حاول نظام دمشق أن يلعب بورقتين خاسرتين:

الأولى:

محاولة الإعلان عن الوحدة الاندماجية بين النظامين السوري والليبي، بحثًا عما يسد الخرق الذي فضح عورة النظام..

ولكن هيهات!! فقد اتسع الخرق على الراقع.. ولم يصدق الشعب أبدًا ذلك الإعلان.. وما زال الواقع يثبت أن الشعب كان صادق الإحساس.

الثانية:

المعاهدة مع الروس.. وكانت هي الورقة الأخيرة التي حاول فيها «كرملين» دمشق أن يلعب فيها، على الرغم من أنها ورقة محروقة قد تكوي أصابع رجال نظام دمشق في فترة قريبة.. ولكن! ماذا عسى نظام دمشق أن يفعل غير ذلك؟!! وهو الذي يبحث عن الشيطان كي يعتقه من العزلة التي وقع فيها.

قتل الشعب.. لماذا؟

لم يجد النظام بدا في محاولة كسر طوق العزلة وتثبيت دعائمه من قتل الشعب في الشوارع والبيوت.. فكانت مجازر دموية في سورية لا تشبهها أبدًا تلك التي قام بها العدو اليهودي في فلسطين المحتلة.

  • ففي سجن تدمر.. قتل رجال رفعت أسد ما يزيد على ألف سجين.

  • وفي سجن الرقة.. قتل أكثر من 400 سجين غدرًا على يد رجال المخابرات العميد علي دوبا.

  • وفي شوارع حلب وحماة قتل المئات من الرجال والأطفال والشيوخ غدرًا برصاص القوات الخاصة، وكثيرة هي الحوادث التي فعلها رجال النظام في قتل الأبرياء، وهو يحسب أن بذلك سوف يؤدب شعب سورية الأبي على رجال الثورة الإسلامية المظفرة، وقد أثبت الواقع السوري أن هذا تفكير غبي..

ولعل من يقول إن الخبراء والمستشارين الروس هم الذين طلبوا إلى نظام دمشق القيام بمثل هذه المجازر للوصول إلى هدفين هما:

  1. قتل الإسلاميين وإبادة آلاف الرجال من الإخوان المسلمين نهائيًا في محاولة يائسة لاستئصال الحركة الإسلامية.

  2. تيئيس الشعب وزعاماته الدينية والعلمية والسياسية والفكرية من الحركة الجهادية التي قام بها الإخوان المسلمون ولحق بهم كثير من فصائل الشعب السوري.

وإذا عدنا إلى واقع الساحة السورية، فإننا نجد أن مخططات النظام المستقاة من الإرشاد الروسي يقول «كل ما يتمناه الكرملين يدركه»، فطبيعة الشعب السوري تختلف عن طبائع الشعوب الإسلامية التي أخضعها الروس في شرق أوربا ومناطق أخرى من آسيا.. إنه شعب مسلم.. لا يختلف في اندفاعه ووحدة مشاعره عن إخوانه المسلمين الذين يلقنون الروس في أفغانستان أعمق الدروس، ولعل أصدق وأول ما يدل على استمرار وحدة الشعب السوري مع إخوانه المقاتلين، ظهور جبهة إسلامية جديدة في سورية، وسوف نلقي الضوء على هذه الجبهة فيما يلي.

الجبهة الإسلامية:

تشكلت في سورية الحبيبة جبهة إسلامية عريضة القواعد.. واسعة النفوذ في صفوف الشعب الصابر.. وقد صدر عن أمانتها العامة البيان الأول يوم1/ ذي الحجة / 1400 هـ - الموافق 14/10/1980، وقد أوضح هذا البيان الوضع الذي يغطيه فساد عام شمل جميع مرافق الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. وكان من مظاهر هذا الفساد:

  1. تحكم الطائفة الواحدة تحت واجهة الحزب وتسلطها على كافة شؤون الحياة ومجالاتها.

  2. ضرب الحريات العامة والخاصة، والقضاء على كل معارضة وصوت حر.

  3. استهداف عقائد هذه الأمة وضرب مقوماتها في جميع المجالات، والقضاء على جميع الهيئات الإسلامية والمؤسسات الدينية...

  4. ترسيخ الطائفية، وتأليب الشعب بعضه على بعض تحت واجهة الصراع الطبقي.

  5. تجريد الجيش من عناصره السليمة، وتحويله عن مهمته الأساسية وحمله على التنكيل بأبناء الشعب.

  6. إشاعة الرشوة والمحسوبية في جميع مرافق الحياة، وإيجاد شبكة واسعة من المستغلين على حساب مصالح الشعب.

كل هذا وغيره جعل جميع المواطنين في سورية يتطلعون إلى الخلاص من هذا الفساد المطبق، وعندها تقدم الإسلام للإنقاذ، فانطلقت كتائب المجاهدين لتحقق للشعب تطلعاته.. مما جعل المواطنين في سورية يتجاوبون مع ضربات المجاهدين متطلعين إلى نظام جديد صالح ينقذ العباد والبلاد.

ولما كانت آمال الشعب لا تتحقق إلا بتضافر جهود المخلصين -كما يؤكد البيان- فقد تداعى المخلصون من رجال الفكر والعلم والسياسة إلى تشكيل جبهة إسلامية واحدة تتصدى لفساد هذه الأوضاع وتتحمل عبء إنقاذ الأمة مما وصلت إليه، وتعيد لها مجدها وعزتها التي لا تتحقق إلا بالعودة الصادقة إلى هذا الإسلام الذي رضيه الله لهذه الأمة.

وكان من أهم أهداف هذه الجبهة بحسب ما حدده بيانها:

  1. رفع الخطر الذي يتهدد العباد في سورية نتيجة استمرار هذا النظام الفاسد فيها.

  2. إنهاء الأوضاع الشاذة وإقامة الحكم الإسلامي الذي يحقق الأمن والحرية والسعادة لجميع فئات الشعب وسائر المواطنين.

  3. السعي إلى إيجاد صيغة سياسية مقبولة لدى جميع المواطنين.. وقد ذكر البيان أن الجبهة ستعرضها في وقت لاحق إن شاء الله تعالى.

  4. استيعاب الجهود الإسلامية المتفرقة وتوجيهها نحو الهدف الإسلامي الأعلى وهو إقامة حكم الله في الأرض.

ثم يهيب البيان الصادر عن الجبهة الإسلامية التي كوَّنها رجال الدين والفكر والسياسية في سوريا بأبناء الشعب السوري داعيًا لإسقاط النظام والثورة حتى يكتمل النصر المؤزر إن شاء الله، ومن ثم لتعود لهذه الأمة كرامتها وعزتها.

ومما لا شك فيه أن النظام القائم -وقد بات على وشك الانهيار- سوف يقف لهذه الأمة بالمرصاد ويكيد لها، ويمكر بها وهو يرى بعينه نهضة المسلمين وثورتهم، ويشعر بقرب انهياره وسيبذل وسعه في تشكيك المسلمين بقيادتهم، وتمزيق وحدتهم، وتفريق صفوفهم مستغلًا في ذلك جهل الجاهلين وأطماع الطامعين، وانحراف المنحرفين..

غير أن ثقتنا بوعي جماهير هذا الشعب، تجعلنا نطمئن إلى قطع الطريق على المفسدين وإحباط مؤامراتهم ومخططاتهم.

﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: 43)، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 54).

وفي الختام يقول بيان الجبهة:

وإن الجبهة الإسلامية إذ تصدر البيان الأول لها، ستعقبه -إن شاء الله- ببيانات لاحقة كلما اقتضى الأمر، تعرض فيها أعمالها وبرامجها، وستتابع اتصالاتها ومساعيها في تحقيق أهدافها المرجوة، مستعينة بالله متوكلة عليه.

ترى.. ماذا سيفعل نظام دمشق بعد هذا الالتحام الشعبي الكامل في مواجهته؟

  • هل سيقول إن كل الشعب عميل للصهيونية؟

  • وهل سيدعي -كما تعود أن يسأل أثناء التمشيط- أن المحرك الأساسي هو كامب ديفيد؟

  • وهل سيستمر باتهام الأنظمة العربية وإلصاق تهمة إثارة القلاقل الداخلية بها؟

لا.. لم يعد أحد يصدق النظام أبدًا.. وصدق من قال إن النظام يكذب.. وهو يكذب على نفسه أيضًا!!

الرابط المختصر :