; سيد قطب .. شاهد على الحملة الأمريكية | مجلة المجتمع

العنوان سيد قطب .. شاهد على الحملة الأمريكية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 01-مارس-2003

مشاهدات 51

نشر في العدد 1540

نشر في الصفحة 36

السبت 01-مارس-2003

رؤوس الأموال الأمريكية في حاجة ملحة إلى حرب جديدة.. هذه هي المسألة 

موقف أوروبا.. وتلكؤها في الاستجابة لهاتف الحرب ومحاولتها تهدئة الأعصاب الأمريكية الثائرة. عوامل وقتية للسلام وليست ضمانات حقيقية للبشرية

دعاة الغرب يمنوننا بحل قضايانا المعلقة إذا نحن انضممنا إلى معسكر الرأسمالية الذي يدعونه معسكر الديمقراطية.. كأننا لم ننضم إلى هذا المعسكر مرتين!

طريق الخلاص أن تبرز إلى الوجود من أرض المعركة..كتلة تقول: لا.. لن نسمح لكم بأن تديروا المعركة على أشلائنا وحطامنا 

قبل أكثر من نصف قرن وبالتحديد في عام ١٩٥١م ظهرت الطبعة الأولى من كتاب « السلام العالمي والإسلام» للشهيد سيد قطب في وقت استعرت فيه الحرب الباردة بين المعسكريين الرأسمالي والشيوعي في أعقاب الحرب العالمية الثانية التي انتهت عام ١٩٥٤م، وكان العالم وقتها لا يستبعد قيام حرب عالمية ثالثة...

وقد قدم سيد قطب في كتاب «السلام العالمي والإسلام» تحليلًا للأوضاع السياسية والاقتصادية في المعسكرين الغربي والشرقي ودوافع إشعال نيران الحروب وما موقف الأمة العربية والإسلامية.. حال اندلاع الحرب.

ومن يقرأ الكتاب هذه الأيام ويسقط ما كتب فيه قبل ٥٢ سنة على الواقع يصاب بالدهشة البالغة.. فبعد عملية تبديل بسيطة يجد القارئ نفسه أمام تحليل رائع للواقع الحالي وكأن السنين لم تمر والأوضاع لم تتغير.. وفيما يلي نقل عن الكتاب مع قدر قليل من التصرف:

 ما طريقنا نحن الأمة المسلمة؟ ما موقفنا من الصراع العالمي الذي يدور حولنا؟ ما واجبنا تجاه الحياة، وتجاه الإنسانية، وتجاه أنفسنا؟

 إن عقيدتنا الإسلامية تملك أن تسعفنا بحلول عملية لمواجهة مشكلاتنا الداخلية والخارجية، وقد تبين من هذا الاستعراض أن هذه العقيدة لا تفصل بين المشكلات الداخلية والمشكلات الخارجية فهي تربط بينها في حياة الإنسانية وتربط بينها في وسائل العلاج.

 ولقد شهدنا روابط كثيرة بين مسألة السلام العالمي في المحيط الدولي وحياة الفرد في ضميره وحياته في الأسرة وحياته في الجماعة وشهدنا روابط كثيرة بين مثيرات النزاع والصراع في الميدان الدولي وكثير من المشاعر والنظم والاقتصاديات في داخل الجماعة.

 فالآن ما طريقنا كيف نواجه مسألة السلام العالمي بعقيدتنا الإسلامية؟ وكيف نتصرف في المجال الدولي طبقًا لهذه العقيدة؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال أحب أن نواجه الواقع العملي في محيط الكتل التي تتصارع اليوم في المجال الدولي، أحب أن نستعرض المبادئ التي يقوم عليها هذا الصراع، والعوامل التي تدفعه وتؤثر فيه.

 فعلى ضوء هذه المواجهة يمكن أن نعرف رأي الإسلام في تلك المبادئ، ورأيه في هذه الدوافع وأن نعرف كذلك موقفنا الذي يجب أن نتخذه وندرك إن كان الموقف الذي تمليه علينا عقيدتنا هو ذات الموقف الذي يحقق مصالحنا، أم إن هنالك تعارضًا بين واجبنا لعقيدتنا، وواجبنا لمصالحنا، إن كان هنالك مثل هذا التعارض فإذا اتضح أن الحلول التي تمليها علينا عقيدتنا الإسلامية هي ذات الحلول التي تمليها علينا مصالحنا، بل هي ذات الحلول التي تمليها مصلحة الإنسانية العليا وخير البشرية جميعًا. فإننا نسير إذن في الطريق على هدى، ونسير فيها بقوة ونسير فيها باطمئنان. وفي هذه الحالة يصبح الهتاف بتنحية العقيدة الإسلامية عن مجرى حياتنا السياسية أو الاجتماعية لغوًا لا يستند إلى دليل، وهذرًا لا يستحق الاحترام.

 فلنأخذ على بركة الله في استعراض الواقع البشري الذي نواجهه، لنعرف فيه رأي المصلحة الإنسانية والمصلحة القومية، ورأي الإسلام.

 على حافة الهاوية: ناقوس الحرب يدق ها هو ذا يقرع سمع البشرية المنكودة الطالع، وكل من عاش في أمريكا في خلال الأعوام الأخيرة يدرك بوضوح أن أمريكا ستحارب كل شيء ينطق بهذه الحقيقة أو يوحي؛ التعبئة العامة لكل قوى الشعب وموارده قائمة على قدم وساق، وما يغطي هذه التعبئة إلا ستار رقيق من الدبلوماسية، قد يحجب الحقائق في خارج أمريكا، أما في داخلها فهي أبرز من أن يحجبها ذلك الستار.

 وكل من يتتبع الصحافة الأمريكية، وأجهزة الدعاية الأخرى في الإذاعة والسينما - بل في داخل الجامعات والمعاهد - يدرك بوضوح أن هذه امة تستعد للحرب - للحرب القريبة . وأنها تعبي الرأي العام، وتعده إعدادًا ثابتًا كاملًا شاملًا، وأنها إن لا تكن هي الحماقة المؤكدة في إنفاق كل هذه الجهود فإنها الحرب المؤكدة إذن، وعن قريب!.

 إن أمريكا تريد أن تحارب، ولو طاوعتها أوروبا لما صبرت عن الحرب ولكن أوروبا المحطمة كانت أعجز من أن تلبي رغبة أمريكا الملحة وهي لا تزال تلعق جراحها، وتعالج ماسيها، فضلًا عن أن للشيوعية فيها قوى مذخورة، تتهيأ للحظة المنظورة، وإغراء الدولار كان يملك أن يصنع كل شيء في أوروبا، إلا أن يدفعها إلى حرب عالمية ثالثة.. ولهذا وحده صبرت أمريكا.

 إن رؤوس الأموال الأمريكية في حاجة ملحة إلى حرب جديدة. هذه هي المسألة إن الفتوحاتالعلمية التي أسرعت خطاها في الحرب الماضية والتجارية التي أفادتها الصناعة من تعبئة الموارد في أيام هذه الحرب، قد هيأت للصناعة الأمريكية فرصًا جديدة لمضاعفة الإنتاج، في الوقت الذي أصبحت مسألة التصريف مسألة عسيرة.

ومع أن الأسواق كانت بعد الحرب خاوية وفي حاجة ماسة إلى الإنتاج المدني، وخالية من المنافسة الأوروبية، إلا أن القدرة على الشراء كانت ضعيفة، وبخاصة في أوروبا المحطمة ومعنى هذا هو الكساد بالقياس إلى الإنتاج الأمريكي، ومعنى الكساد هو الخسارة المؤكدة الرؤوس الأموال الأمريكية.

ومن هنا كان «مشروع مارشال» وكانت لهذا المشروع غايات أساسية ثلاثة:

 الغاية لأولئك كانت هي تصريف الإنتاج الأمريكي الفائض دون أن تدفع الدول المنتفعة به ثمنه نقدًا بالدولار الأمريكي، فقد كانت الحكومة الأمريكية تفتح الاعتمادات للدول الأوروبية لتنفقها هذه الدول في شراء الإنتاج الأمريكي في الغالب، وحقيقة أن رؤوس الأموال الأمريكية كانت تتحمل ضرائب عالية لتمكين الحكومة من تنفيذ مشروع مارشال، ولكنها مع هذه الضرائب العالية كانت تحقق ربحًا لا شك فيه بتنفيذ المشروع، وتتقي الخسارة التي تنشأ من الكساد!.

والغاية الثانية: كانت هي اتقاء حالة  التبطل بين عمال أمريكا، وما يتبع التبطل من هزات اجتماعية، بعد وقف الإنتاج الحربي الذي كان يستغرق هذه الأيدي العاملة، وكان هذا يقتضي إيجاد منصرف للإنتاج المدني يسمح بتشغيل المصانع إلى الحد الأقصى، فكان مشروع مارشال وتغذية دول أوروبا بالآلات هو الوسيلة لتحقيق هذا الهدف، الذي ينطوي بدوره على تحقيق نوع من «الرنج» لرؤوس الأموال الأمريكية!.

 والغاية الثالثة: كانت هي تعمير أوروبا، وإعادة سير الحياة فيها - وبخاصة حياة العمل- تحقيقًا للنشاط الاقتصادي العالمي كله من ناحية، ومقاومة للشيوعية في أوساط المتعطلين من ناحية أخرى... وكان مشروع مارشال يعاون على تحقيق هذه الغاية.

ولكن مشروع مارشال لم يكن يمكن امتداده إلى الأبد، فطبائع الأشياء تقتضي وقوفه عند حد معين عندما تصل الأسواق الأوروبية إلى درجة التشبع من جهة، وعندما تصل أداة الإنتاج الأوروبية إلى درجة الإنتاج الكامل من جهة أخرى، وقد استعادت أوروبا أو أوشكت أن تستعيد قدرتها الكاملة على الإنتاج، وعادت إلى الموقف الذي تصبح فيه مصدرة لا مستهلكة ومزاحمة للإنتاج الأمريكي، لا في الأسواق الأوروبية وحدها، بل كذلك في أسواق العالم الأخرى. 

عند ذلك لعبت بريطانيا لعبتها الماكرة التي استغلت فيها سذاجة العقلية الأمريكية، وقلة خبرتها الدولية، تلك هي لعبة تخفيض قيمة الجنيه الاسترليني بالنسبة لقيمة الدولار، فلقد تركت أمريكا تقدم عليها تحقيقًا للقيمة الواقعية للدولار في الأسواق لا القيمة الرسمية، وتظاهرت بالذعر منها والإشفاق، وهي تكتم عن حليفتها نية أخرى تلك النية التي لم تتبينها أمريكا إلا أخيرًا !!. 

أما النتيجة فكانت هي إغلاق الأسواق في وجه البضائع الأمريكية التي أصبحت أسعارها مرتفعة بالقياس إلى العملة في منطقة الاسترليني، احتفاظًا بهذه الأسواق للبضائع الإنجليزية، التي لم تتأثر أسعارها بتخفيض قيمة الجنيه الاسترليني في منطقة الاسترليني، أما في سواها فقد صارت أرخص بكثير من مثيلها الأمريكاني!.

وعندما تنبهت أمريكا أخيرًا إلى هذه الخدعة، أخذت ترد عليها باستنزاف الخامات من الأسواق العالمية، مستعينة بقدرتها الفائقة على الشراء، وبقوة نقدها في الأسواق العالمية ذلك كي ترفع سعر هذه الخامات في وجه الصناعة البريطانية، وتجعلها أقل قدرة على المنافسة، لأن ارتفاع ثمن الخامات يجبر الصناعة الإنجليزية على رفع أسعار المنتجات وبذلك يقع شيء من التعادل بين الأسعار الأمريكية والأسعار الإنجليزية، وقد ارتفع سعر خامات الصوف مثلًا خمسمائة في المائة، لأن الصوف صناعة إنجليزية رئيسة، وكذلك ارتفعت أسعار معظم الخامات التي تقوم بها على أساسها الصناعة البريطانية بتأثير هذه الخطة الأمريكية التي جاءت ردًا على الخدعة الإنجليزية وكان هذا سببًا رئيسًا في موجة الغلاء التي عمت العالم أخيرًا، بجانب الأسباب الطبيعية الناشئة من الاستعداد للحرب العالمية!.

 إلا أن هذا الإجراء الأمريكي لم يكن لزيد على أنه إجراء وقتي المواجهة هجوم معين، ولكن الحالة العامة في الأسواق بالقياس إلى استقبال الإنتاج الأمريكي لم تتأثر تأثرًا يذكر، وقد صادف ذلك صدمة كاملة باكتساح الشيوعية (1) لذلك القسم المهم من أسواق العالم وهو الصين، الصين ذات الخمسمائة مليون من السكان. ربع سكان الأرض على وجه التقريب وحقيقة أن الصين لم تكن سوقًا أمريكية رئيسة ولكن كان المرجو بعد هزيمة اليابان أن تصبح كذلك، فلما اكتسحتها الشيوعية أغلق هذا المنفذ، وأحست رؤوس الأموال الأمريكية بشيء من الاختناق كما أحست الدوائر الاجتماعية بالخطر من انتشار البطالة وقد بلغت الأيدي المتعطلة قبيل الحرب الكورية نحو خمسة ملايين نقصت إلى ثلاثة ملايين بعد ابتداء هذه الحرب». 

ومن هنا لم يكن بد لأمريكا أن تحارب وإذا كانت الحرب الكورية قد اجتذبت نحو مليونين من الأيدي المتعطلة، فإنها لا تصلح وحدها علاجًا للموقف، ولابد من حرب شاملة تجتذب جميع الأيدي العاملة من جهة وتضمن لرؤوس الأموال أرباحًا كاملة من جهة أخرى، فالحرب بالقياس إلى أمريكا اليوم «عام ١٩٥١م» هي ضرورة حياة قومية، فضلًا عن الرغبة القوية في وقف تيار الشيوعية العالمية بطبيعة الحال هذا التيار الزاحف، الذي يغمر في كل يوم أرضًا جديدة ويقفل في كل يوم سوقًا جديدة.

وإذا كانت أوروبا تتلكأ في الاستجابة لأمريكا، فتؤجل بهذا التلكؤ موعد نشوب الحرب المطلوبة، فإنها لن تتلكأ طويلًا، لأنها ستجد نفسها قريبًا مدفوعة إلى الحرب بنفس الأسباب التي تدفع أمريكا وفي اليوم الذي يبلغ الإنتاج الأوروبي الرأسمالي ذروته، سيواجه الموقف ذاته بالنسبة إلى الأسواق ومادامت الشيوعية تزحف، وهي لابد أن تزحف، تملى لها تلك الأحوال الاجتماعية السيئة في معظم بلاد العالم وفوارق الطبقات السحيقة التي تثير الحنق في الصدور، ويغذيها ذلك الجشع الغبي الذي نستمسك به الرأسمالية والإقطاعية، وبخاصة في مناطق الشرق... ما دامت الشيوعية تزحف فهي تغلق في كل يوم سوقًا جديدة في وجه الإنتاج الرأسمالي في أوروبا أو أمريكا... وهنا تلتقي مصلحة رؤوس الأموال هنا وهناك في محاولة وقف هذا التيار واسترداد الأسواق بقوة السلاح أو على الأقل بالاستهلاك الحربيوإنتاج الأسلحة والذخائر وأدوات الموت والدمار تلك التي تضمن للمصانع أن تعمل، ولرؤوس الأموال أن تربح، وللملايين أن تموت!.

فموقف أوروبا الحاضر، وتلكؤها في الاستجابة لهاتف الحرب، ومحاولتها تهدئة الأعصاب الأمريكية الثائرة... كل أولئك عوامل وقتية للسلام وليست ضمانات حقيقية لهذه البشرية المنكودة الطالع، التي تدفع بها إلى المجزرة مصالح رؤوس الأموال ومطامعها، وما يكمن وراء هذه المصالح والمطامع من مادية فكرية لا تقيم وزنًا لأي عامل أدبي أو روحي على الرغم مما تملأ به دعايتها من تلويح باسم المبادئ الأدبية والأهداف الإنسانية.

في مفرق الطرق

وتقف الكتلة الشيوعية اليوم في جانب، وفي الجانب الآخر تقف الكتلة الرأسمالية، وتحاول كلتاهما أن تستدرج البقية الباقية من العالم إليها وأن تستخدم في المجزرة موارد هذه البقية مواردها البشرية والاقتصادية والجغرافية جميعًا. 

فأما الكتلة الرأسمالية بقيادة أمريكا فتستخدم عدة وسائل لهذه الغاية:

 تستخدم أولًا عامل التخويف للرأسماليين في كل أنحاء العالم، وبخاصة في العالم العربي، من الشيوعية التي تزحف يومًا بعد يوم، وتناشدهم المصلحة المشتركة بين الاستعمار والرأسمالية وتلجأ في ذلك إلى المخالفة الطبيعية بين الرأسمالية المحلية والرأسمالية العالمية.

وتستخدم ثانيًا الضغط السياسي والاقتصادي، وأحيانًا الضغط المسلح، في البلاد الواقعة في ربقة الاستعمار المباشر وغير المباشر.

 وتستخدم ثالثًا إغراء الدولار تحت عنوانات كثيرة منها ذلك العنوان الجديد الذي خلف مشروع مارشال، وهو عنوان «المساعدات الاقتصادية» وعنوان «النقطة الرابعة» في مشروع ترومان!

 وهي على العموم تخاطب الطبقات الحاكمة ولا تعتمد كثيرًا على الجماهير، لأن مصالح هذه الطبقات معلقة بانتصار الكتلة الرأسمالية.

وتبذل جهودًا جبارة في هذا السبيل، وإن كانت لا تريد في الوقت ذاته أن تلقي بالًا إلى مطالب الشعوب القومية، لفرط ثقتها بالطبقات الحاكمة، ويقينها أن هذه الطبقات لن تعادي الاستعمار عداء حقيقيًا في سبيل مطالب شعوبها القومية، وسيظل موقفها كذلك إلى أن تتولى هذه الشعوب قضاياها بأنفسها، وتبرهن على أنها لا تستنيم لشعوذات المشعوذين وأنها معتزمة أن تسبب للاستعمار والجبهة الرأسمالية متاعب حقيقية، وتعرض مصالح هذه الجبهة وجيوشها الأخطار حقيقية في حالة نشوب الحرب... وعندئذ فقط قد تفكر الكتلة الرأسمالية الاستعمارية في الإنصات قليلًا لصيحات هذه الشعوب!.

إن هذه الكتلة تريد أن تضمنا إليها لتستطيع أن تجند من العرب وحدهم مليونًا كما ورد فيبعض البرقيات، ثم لتتخذ من بترولنا ومواردنا الغذائية، ومواقعنا الاستراتيجية عدة للنصر في المذبحة العالمية المنتظرة، وبخاصة بعد تلك الصفعة القاسية التي أصابتها في الهند الصينية وما تزال تترنح منها (٢)

ولقد قيل في الحرب الماضية: إن المحاربين كانوا يظهرون حقول الألغام أحيانًا في الصحراء الغربية بإطلاق الجمال والبغال فيها، فإذا عزت عليهم الجمال والبغال أطلقوا زنوج المستعمرات الإفريقية، يطهرون بأشلائهم المتطايرة حقول الألغام. وسواء صح هذا أم لم يصح، فإن وظيفة جند المستعمرات كانت دائمًا هي تطهير حقول الحرب وتمهيدها للسادة البيض، واحتمال الصدمة الأولى في المعارك الحامية.

وفي هذه الحرب الكورية الحديثة تلقى «الآلاي» التركي الذي ذهب إلى هناك نفس المصير. وقام بنفس الدور، ولن يختلف مصير الخراف العربية عن مصير جند المستعمرات والآلاي التركي في الحرب القادمة لو قدر لها أن تثور!.

 وأما الكتلة الشيوعية فتخاطب الجماهير الكادحة، تخاطب الملايين التي تنتج كل شيء وتجوع تخاطب المعدات الخاوية والأجساد العارية تخاطب الضحايا التي طال عليها الإهمال وطال عليها الحرمان، وأصبحت تستجيب لكل ما يلوح لها بالرغيف، وكل من يعدها الخلاص من الترف الفاجر الداعر الذي تزاوله على مرأى منها ومسمع فئة قليلة العدد فاحشة الموارد، بينما الشظف الكافر السافر يحيل هذه الملايين الكادحة حطامًا، ثم يفتت ذلك الحطام!.

وهي تستخدم كذلك أخطاء الاستعمار وجرائمه ورغبة الشعوب المستعبدة في القاء هذا النير عن أعناقها، والاستمتاع بالحرية الطبيعية التي يغتصبها الاستعمار الفاجر الآثم، بمعاونة الخونة من المستغلين في هذه البلاد، كما تستفيد من مقاومة الصليبية الغربية والرأسمالية المحلية لكل دعوة إسلامية حقيقية، وكل عدالة اجتماعية إسلامية.

وعلى أية حال، فإن كلتا الكتلتين تحاول أن تلقي في روع البقية الباقية من العالم، أن ليس للبشرية كلها إلا أن تسلك طريقًا من طريقين، وأن تنضم إلى كتلة من الكتلتين، وأنه لا مفر من أن تنتصر الجبهة الغربية، أو أن تنتصر الجبهة الشرقية ليسود السلام وتنعم البشرية بالأمن وتصل الإنسانية إلى استقرار، وأن انضمام البقية الباقية من العالم هو السبيل الوحيد لتغليب إحدى القوتين على الأخرى بصفة حاسمة، لإنهاء حالة القلق والتأرجح والاضطراب.

 فأين وجه الحق في هذه الدعوى، وأين وجه المصلحة القومية والمصلحة الإنسانية في هذا الدعاء؟.

إنه ليس من مصلحتنا نحن ولا من مصلحة الإنسانية أن تغلب الآن إحدى الكتلتين على الأخرى، وتمحوها من الوجود محوًا، فنحن في دور استكمال وجودنا الطبيعي في الحياة، واستنقاذ مصالحنا المغصوبة بأيدي المستعمرين، ليس من مصلحتنا أن تهزم الجبهة الشرقية هزيمة نهائية، ولا من مصلحة الإنسانية كذلك، وإن وجود هذه الكتلة بهذه القوة في هذه الفترة لهو إحدى الضمانات لنا لنستخلص هذه الحقوق يومًا بعد يوم، كما أنه الضمانة المؤقتة للبشرية ألا تسيطر عليها قوى الاستعمار الجائر الغاشم الظالم (۳). 

وإذا كان فينا من يحسن الظن بأمريكا، ويظن أن سيطرتها ستحد من شره الاستعمار، فلينظر كيف تقف أمريكا في صف هذه الاستعمار، وكيف تمده بقوة الحديد والنار عند الاقتضاء، على أنني أعيد البشرية أن يستبد بها الصلف الأمريكي السخيف، الذي قد لا يقاس إليه الصلف البريطاني ذاته في أرض المستعمرات إن عداوة الأمريكي للملونين عداوة كريهة بغيضة، وإن احتقاره للملونين لتهون إلى جانبه تعاليم النازية، وإن صلف الرجل الأبيض في أمريكا ليفوق كل ما كانت تتصوره الهتلرية، وويل للبشرية يوم يوقعها سوء الطالع في ريقة هذا الصلف الأمريكاني بلا قوة في الأرض تخشى ويعمل لها حساب.

كذلك نحن في حاجة مؤقتة إلى وجود الكتلة الشرقية في الأرض، لتخويف الطغاة والمستغلين واسترداد حقوق الجماهير المسلوبة في ظل هذا التخويف وإننا لندين لوجود هذه القوة بالشيء الكثير من محاولات تحقيق العدالة الاجتماعية، ولولا الخوف من الشيوعية ما تم منها كثير ولا قليل!.

 ولكن هذا كله ليس معناه أنه من الخير لنا وللإنسانية أن ينتصر المعسكر الشرقي انتصارًا حاسمًا كاملًا، وأن يتحقق ذلك الحلم الشيوعي الواهم ويدين للشيوعية الجميع. 

إن هذا المعسكر لا يبغي لنا الخير، ولا يطيق أن تكون لنا فيه كرامة، إنه يريدنا جنودًا له أو عبيدًا، لا أن يكون لنا وجود ذاتي وكيان محترم ولقد دلتنا تجربة فلسطين على حقيقة ما تضمره لنا روسيا الشيوعية، لقد وقفت منا موقف العداءفي مجلس الأمن، كما أسلحة الكتلة الشيوعية هي التي وقفت في وجوهنا بفلسطين، ذلك لليهود أن روسيا كرهت أن يكون للأمة العربية كيان وأشفقت أن تستحيل الكتلة العربية قوة حقيقية تستعصي على السيادة الشيوعية في المستقبل فآثرت أن تتبخر كل دعاواها في حقوق الشعوب الطبيعية، وأن تخسر أساسًا من أسس دعايتها ضد الاستعمار، وأن تسمح بقيام دولة «إسرائيل» على أساس الدين وحده - وهو أنكر ما تنكره الشيوعية - أثرت ذلك كله على تقوية الكتلة العربية وضربتها تلك الضربة القاسية المنكرة، لتقوم إسرائيل في جنبها كالشوكة تمزق وحدتها الجغرافية، وتفصل حدودها المتصلة، وتحرمها التماسك والقوة والشخصية. إن روسيا عدوة وحدتنا وقوتنا ووجودنا الذاتي وكل ما تلوكه السنة دعايتها هو مجرد أسلحة في صراعها مع الكتلة الغربية، كدعاية هذه الكتلة ضدها سواء بسواء.

على أن طبيعة الحياة تأبى الانتصار الكامل - الحاسم لقوة واحدة من هاتين القوتين الماديتين، اللتين لا يفرق بين طبيعتهما إلا اختلاف المصالح و والمطامع، وإن الهزيمة لتنبت في زحمة النصر، كما  أن النصر ينبت في ركام الهزيمة، وها نحن أولاء نرى أن الحلفاء الذين بذلوا ما بذلوا ليقهروا ألمانيا واليابان ينحنون اليوم على الحطام والأشلاء، ليستنقذوا منها المارد الذي صرعوه بالأمس، كي يستعينوا به على المارد الجديد ... نفس الذي فعلوه بعد الحرب العالمية الأولى... ولئن انتصروا غدًا على الجبهة الشرقية، فليواجهن ألمانيا من جديد ولئن انتصرت الشيوعية فلينبتن عدوها من ذات نفسها، من الضغط والكبت اللذين لا تطيقهما البشرية طويلًا. 

إنه لمن السذاجة أن نتصور أننا نستطيع أن نجني ثمرة السلام العالمي من وراء اصطدام هاتين الكتلتين الضخمتين في حرب حاسمة أخيرة، ولقد كان الطيبون الأبرياء في العالم يتخيلون هذه الثمرة الحلوة يانعة بعد كل من الحربين الماضيتين فلم تطلع شجرة الحرب إلا ثمرات مرة، وتجرعها هؤلاء الطيبون الأبرياء، وكان الجني الحلو كله للطغاة والمستغلين.

طريق الخلاص

إن طريق الخلاص للبشرية المنكودة الطالع لن يكون الانضمام إلى هذا المعسكر أو ذاك، ليسحق أحدهما الآخر سحقًا، ويخلو له وجه العالم يسيطر عليه وحده ويسيره كما يريد.

 إن المعركة في صميمها ستدور في أرض غير أرض الكتلتين، ستدور في تركيا وإيران والعراق وسورية ومصر والشمال الإفريقي وفي باكستان وأفغانستان، وفي منابع البترول الإيرانية والعربية... إنها ستدمر مواردنا نحن، وتحطم حياتنا نحن، وتدع أرضنا بقعًا خرابًا يبابًا، وسواء علينا انتصرت هذه أم انتصرت تلك، فسنخرج نحن من المعركة فتاتًاوحطامًا، لا كما خرجت أوروبا من الحروب الماضية، ولكن كما لم تخرج أمة من حرب قط وإذا كانت هيروشيما قد ذهبت مثلًا، بقنبلة ذرية صغيرة، فنكون نحن تلك الفئران الصغيرة التجارب القنابل الذرية، والقنابل الهيدروجينية وغاز الموت الزاحف، وأشعة الموت السحرية، وحرب الميكروبات الطائشة، وسائر ما يتمخض عنه الذهن الكافر في دنيا الضمير الغربي الملوث.

 إن دعاة الكتلة الغربية هنا يمنوننا بحل قضايانا المعلقة مع الاستعمار، إذا نحن انضممنا إلى معسكر الرأسمالية الذي يدعونه معسكر الديمقراطية!. كاننا لم ننضم إلى هذا المعسكر مرتين متواليتين، وكأننا لم تلدغ من ذلك الحجر مرتين وأنا أعرف السبب في ذلك الموقف الغريب المريب.. إنه تلك المخالفة الطبيعية بين الرأسمالية المحلية والاستعمار الغربي، إنه المصلحة المشتركة بين المحتلين والمستغلين إن الطغاة والمستغلين لا يطيقون أنينزلوا عن القليل مما مردوا عليه من طغيان واستغلال، وهم يدركون جيدًا أن الاستعمار هو سندهم الطبيعي، وأنه هو الذي خلقهم وأنشأهم ومنحهم النفوذ والثراء فهو الذي كافة الخونة الذين خدعوا جيش عرابي، وساعدوا جيش الاحتلال في مصر، ووهب لهم الضياع والأموال.

 وماذا على السادة أن تصبح الجماهير وقودًا للحرب الجديدة؟ إن الحروب تضاعف أموالهم وتؤدي عنهم الديون التي تثقل أراضيهم وشركاتهم، إن كانوا قد أسرفوا على أنفسهم بخسائر القمار، أو بالمتاع الفاجر الداعر الذي يذهب بالأموال، وإنهم ليطمئنون في ظل الأحكام العرفية التي تصاحب الحرب إلى حماية اشخاصهم من الفضائح وإلى تكميم الأفواه وتحطيم الأقلام وإلى البطش بالأحرار الذين يوقظون الجماهير لحقوق الجماهير، وإنهم لفي مأمن من ويلات الحرب بأرواحهم كما هم في مأمن منها بأموالهم، فضريبة الدم لا يؤديها في بلاد الشرق إلا الفقراء! ولقد رأينا في معارك فلسطين كيف كان الضباط من «أولاد الذوات» يجنبون ويلات الحرب في الميدان، ثم يمنحون أوسمة الشجاعة، وهم في القاهرة غارقون فيالمواخير و«الكباريهات».

 فماذا على السادة أن يربطوا بلادهم بعجلة الرأسمالية - حليفتهم الطبيعية - وهم في مأمن من كل خسارة؟ وماذا على الرأسمالية الغربية أن تزدري صيحات الشعوب للحرية، وفي يدها زمام السادة الذين يعرفون أولياء نعمتهم الحقيقيين وحماتهم الأصليين؟

إن طريق الخلاص هو أن تبرز إلى الوجود من أرض المعركة المنتظرة كتلة تقول: لا إننا لن نسمح لكم بأن تديروا المعركة على أشلائنا وحطامنا، إننا لن ندع مواردنا تخدم مطامعكم، ولن ندع أجسادنا تطهر حقول الغامكم، ولن نسلمكم رقابنا كالخراف والجداء.

إن هذا وحده هو الذي يعيد إلى الأدمغة المحمومة شيئًا من الهدوء، وإلى الخطوات المجنونة شيئًا من الاتزان، ثم يشعر هؤلاء أن في هذه الرقعة الفسيحة الضخمة المهمة ناسًا، يحسب لهم حساب، لا كميات مهملة ولا ماشية وأذناب!.

 وإن الذين استعمرت الدعايات أرواحهم ليقولون: إن هذا مستحيل ما إليه من سبيل، فنحن لا نملك القوة، وستدوسنا الأقدام من هنا أو من هناك، لا يغني عنا أن نعلن الحياد، أو أن ننضم إلى هذا أو ذاك. 

وأنا أدرك كيف تستعمر الدعاية الأرواح والأذهان، ولكني لا أدرك كيف يهون الناس على أنفسهم إلى هذا الحد الزري، وكيف لا يخجلون أن يصبحوا بإرادتهم عبيدًا وأشياء!.

 إن جيشًا ما لا يأمن أن يدير المعركة في أرض معادية، يتربص به أهلها الدوائر، ويتلفون ذخيرته ومؤنه ويقطعون خطوطه ومواصلاته، ويتجسسون عليه للعدو، ويحرمونه الهدوء والراحة، سواء سالمهم فتركهم على ما هم فيه، أو تولى الحملة عليهم، ليواجه الثورة الداخلية، بينما هو يواجه الأعداء في الميدان.

ولقد هزم الجيش الألماني مرتين بسبب الثورات والانتفاضات الداخلية، قبل أن يهزم في ميادين القتال، وما من جيش يواجه عداء الشعوب وهو آمن في قديم الحروب أو حديثها، وما يؤمن بذلك إلا المستغفلون الأذلاء.

إن هذه الشعوب التي تعد مئات الملايين والتي تتحكم مواقعها الاستراتيجية في نتائج أية حرب عالمية، وتتحكم مواردها الطبيعية في النصر والهزيمة... إن هذه الشعوب لا تعجز عن شيء حين تريد، وكل قول غير هذا هراء ..

الهوامش

(1) الشيوعية يمكن أن يستبدل بها النهوض الاقتصادي في بعض البلدان وبخاصة جنوب شرق آسيا، وفي جوانب أخرى الصحوة الإسلامية، أو الإرهاب المزعوم أو التهديد العراقي.

(۲) البديل هنا هو ما حدث في سبتمبر ٢٠٠١م. 

(۳) نحن نعيش اليوم أثار انتصار الجبهة الرأسمالية على الشيوعية واختلال الميزان الدولي. 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 7

127

الثلاثاء 28-أبريل-1970

افتتاحية - العدد 7

نشر في العدد 11

124

الثلاثاء 26-مايو-1970

قضية الحرب والسلام!

نشر في العدد 17

122

الثلاثاء 07-يوليو-1970

تحركات مشبوهة.. فأين المسؤولون؟