العنوان سيد قطب في مكتب التحقيق
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1981
مشاهدات 62
نشر في العدد 540
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 25-أغسطس-1981
- انحصرت أهداف «تنظيم ١٩٦٤» بتربية القاعدة الإسلامية لتكوين الجيل المسلم لإقامة النظام الإسلامي
- الطاغوت في رأيي هو كل شريعة غير شريعة الله.
- والقومية راية فات أوانها التاريخي العالمي.
- حركة الإخوان أنجح تجربة في القرون الأربعة الأخيرة
فمحاربتها إهدار لأكبر محاولة في إقامة هذا الدين.
- نعم، النشاط السري يؤدي إلى فتنة، ولكن وزرها على من
يمنع النشاط العلني.
بمجرد وصول أول بلاغ للنائب العام
في يوم ٣ أكتوبر سنة ١٩٦٥، نقل صلاح نصر رئيس أمن الدولة مكتبه من مبنى سراي
النيابة في محكمة باب الخلق إلى داخل السجن الحربي.. رغم مخالفة ذلك لقانون
الإجراءات الجنائية.. إلا أن السيد صلاح نصر كان يحتمي وراء نصوص قانون فرعون الذي
أصدره الرئيس السابق في غيبة مجلس الأمة.. ووافق عليه المجلس بعد بدء دورته..
وبدأت مهمة صلاح نصر في فتح المحاضر ليسجل بها أولًا بأول كل بلاغ يرد إليه..
يعاونه مصطفى العسال سكرتير التحقيق.. ويقوم بتوزيع الأعباء على مجموعة من وكلاء
النيابة اختارهم بنفسه ولديهم نفس الاستعداد الموجود لديه في الخضوع لرغبة
الحاكم ونصرته على نصوص القانون.
وكان المحققون عندما يدخل إليهم
المتهم يصابون بالعمى فلا يرون آثار التعذيب الواضحة عليه.. واختص صلاح نصر لنفسه
بالشخصيات الهامة في التنظيم للتحقيق معها بنفسه.. والشخصيات الهامة ليست بدورها
في التنظيم ولكن بمدى كراهية الرئيس السابق لها.. وكان المرحوم الشهيد سيد قطب
أكثر الشخصيات التي يكرهها عبد الناصر، ولذلك فقد تولى صلاح نصر بنفسه التحقيق معه
حتى يصل اسمه إلى أسماع الرئيس السابق عندما يطلع على التحقيقات.. وكان يطلع على
كل التحقيقات مع الشخصيات التي يكرهها.
وفي يوم ١٩ ديسمبر ١٩٦٥ فتح باب
الزنزانة الانفرادية في السجن الحربي وخرج شبح رجل.. وكان الرجل هو المرحوم الشهيد
سيد قطب إبراهيم.. وكانت تلك أول مرة يرى فيها النور.. فقد ظل حبيس تلك الزنزانة
منذ القبض عليه يوم ٩ أغسطس.. أي ۱۳۰ يومًا كاملاً.. تعرض
خلالها لأبشع أنواع التعذيب اليومي حتى يكتب إقرارًا بما يملونه عليه.. وصمد الرجل
لكل ألوان التعذيب.. وكان الوحيد الذي لم يكتب إقرارًا.. أصر على موقفه وتحمل ما
لا يتحمله أي بشر من عذاب.. وأخيرًا أخذوه إلى ممثل النيابة العامة ليدلي بأقواله
أمامه.. وتوجه الرجل يحيط به زبانية التعذيب.. صفوت الروبي.. وسامبو.. ودخل غرفة
التحقيق داخل السجن الحربي.. يتصدرها مكتب يجلس إليه صلاح نصر.. وبدأ المحقق يسأل:
س- وما أهداف التنظيم الذي
أسستموه أنت ومجلس القيادة؟
جـ- أولًا تربية المجموعات
الموجودة فعلاً تربية إسلامية كاملة قبل ضم أحد آخر إليهم وبعد ذلك لا قبله يبدأ
التوسع في ضم أفراد آخرين سواء من داخل جماعة الإخوان المسلمين أو من خارجها من
الراغبين للعمل للإسلام لتربيتهم على هذا المستوى، وفي برنامج طويل المدى، ومتروك
فيه الزمن بلا حساب يتوصل إلى تكوين جيل مسلم أو على الأقل قاعدة واسعة يمكن أن
يقوم عليها النظام الإسلامي باعتبار أن التربية الإسلامية الأخلاقية لابد أن تسبق
النظام وبناء على هذا الفهم بدأت معهم تدريس العقيدة وتاريخها على أن يحمي هذا
النظام نفسه من الاعتداء عليه بتدريب مجموعات فدائية تتحرك فقط عند الاعتداء وذلك
بعد أن استبعدنا البدء بأي عمل لقلب نظام الحكم أو بأي عنف غير هذه الحالة- وهذا
ما فهمت أنه واضح في حسهم.
س- وكيف السبيل للوصول للهدف
النهائي، وما هو هذا الهدف فيما ترون؟
جـ- الهدف النهائي الذي اتفقنا
عليه هو أن يقوم نظام إسلامي يحكم بشريعة الله لا بالقوانين الوضعية، والسبيل
التربية الطويلة المدى على نطاق واسع.
س- وهل كان هذا التنظيم سريًا أم
علنيًا- فيما ترى؟
جـ- "كان سريّ".
س- وما الغرض من جعله سريًا إذا
ما كان الهدف هو تربية دينية أخلاقية؟
جـ- عندنا اعتقاد استقيناه من كل
التجارب الماضية ومن معرفتنا بالخطط الصليبية والصهيونية والشيوعية في المنطقة
لمحاربة ومنع أي تربية إسلامية حركية تهدف لتحقيق مثل هذا الهدف وإقامة حكم إسلامي
على ما نرى وهو أن يكون قاعدة التشريع فيه الشريعة الإسلامية.
س- هل ترى أن هذا التنظيم كان
يلتزم بما ضمنته من آراء بكتاب «معالم على الطريق»؟
جـ- "أيوه".. ومعالم
على الطريق كتاب فيه فعلًا خلاصة آرائي اللي كنت أقود التنظيم على أساسها.
س- هل ترى أن هذا التنظيم السري
هو الطليعة المؤمنة التي تنادي بها؟
جـ- هذا التنظيم وسيلة لتربية
أفراده ليكونوا في مستوى الطليعة المؤمنة المطلوبة وهم كانوا- أي الخمسة- موافقين
على هذه الأفكار ومقتنعين بها و"بيعملوا على تطبيقها وهم كانوا مفروض ينقلوها
للي بعدهم ويعملوا على إقناعهم بها".
س- هل كنتم ترون أن وجود الأمة
المسلمة قد انقطع منذ مدة طويلة ولابد من إعادتها للوجود؟
جـ- لابد من تفسير مدلول كلمة
الأمة المسلمة التي أعنيها فالأمة المسلمة هي التي يحكم كل جانب من جوانب حياتها
الفردية والعامة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية شريعة الله ومنهجه.
وهي بهذا الوصف غير قائمة الآن في مصر ولا في أي مكان في الأرض في رأيي، وإن كان
هذا لا يمنع من وجود الأفراد المسلمين لأن فيما يختص بالفرد الاحتكام إلى عقيدته
وخلقه، وفيما يختص بالأمة الاحتكام إلى نظام حياتها كله.
س- وهل ترى أن نظام الحكم القائم
بالبلاد نظام جاهلي؟
جـ- أرى أنه نظام غير إسلامي.
س- هل ترى أن هناك مجتمعات جاهلية
ومجتمعات غير إسلامية؟
جـ- لا أنا لا أرى أن هناك
مجتمعات غير إسلامية، وإنما المجتمع "يا إسلامي يا جاهلي".
س- وما رأيك في نظام الحكم القائم
على هذا الضوء الذي تقرره؟
جـ- أنا أراه نظامًا جاهليًا.
س- معنى ذلك أنك ترى ضرورة تغيير
نظام الحكم القائم؟
جـ- أرى أن يتغير عندما تتوافر
أسس قيام النظام الإسلامي التي ذكرتها.
س- وما معنى الطاغوت، فيما ذهبت
إليه بكتاب معالم على الطريق؟
جـ- الطاغوت- في رأيي- هو كل
شريعة غير شريعة الله.
س- أوردت بالصحيفة ١٠٥ من هذا
الكتاب أن الانطلاق بالمذهب الإلهي تقوم في وجهه عقبات مادية من سلطة الدولة ونظام
المجتمع وأوضاع البيئة، وهذه كلها هي التي ينطلق الإسلام ليحطمها بالقوة، فهل يفهم
من ذلك أنك تدعو لاستعمال القوة ضد الدولة والنظم القائمة فيها لقلبها؟
جـ-
بقراءة الموضوع كله، الواردة فيه هذه الجملة وخاصة الفقرتين السابقتين مباشرة لهذه
الفقرة يتبين أنها واردة في صدد انطلاق الدولة الإسلامية لتحرير النوع الإنساني
بجملته من الأوضاع المفروضة عليه من القوى التي تحكمه، وأن مهمة الدولة الإسلامية
لیست مجرد حماية الوطن الإسلامي وإنما بعد ذلك الانطلاق بالمذهب الإلهي الذي تقوم
في وجهه عقبات مادية من سلطة الدولة ونظام المجتمع وأوضاع البيئة في تلك الأوطان،
والكلام كان عن حملات المستشرقين على مبدأ الجهاد الإسلامي التاريخي للرد على هذه
الحملات.
س- وكيف يتسنى هذا القول وأنت
تتحدث عن سلطة الدولة وهي لا تقوم إلا مع المحكومين منها؟
جـ- الموضوع كله خاص بسلطات الدول
الأجنبية في وجه الدولة الإسلامية عند قيامها وهذا ما تقرره نصوص الموضوع الوارد
في كتابي.
س- أوردت بصحيفة ٢٢ من كتابك أنه
لابد من التخلص من ضغط المجتمع الجاهلي والثورات الجاهلية والقيادة الجاهلية وأن
مهمتكم ليست أن تصطلحوا مع واقع هذا المجتمع الجاهلي ولا أن تدينوا له بالولاء ولابد
من تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساسه خاصة وأنه مجرم بالقهر والضغط على عيشكم كما
ترون.
جـ- هذه الفقرة واردة في منهج
التكوين الفكري على الأساس الإسلامي والمطلوب هو التخلص من ضغط الأفكار والتصورات
والعادات والتقاليد في فترة التربية والتكوين من هذه الضغوط الواقعة وفي هذه
الجملة بالذات أن من مهمتنا أن نغير من أنفسنا أولاً لنغير هذا المجتمع أخيرًا فهي
تحدد وسيلة التغيير في نظري وهي التغيير النفسي والفكري الذي ينشأ عنه تلقائيًا
التغيير الواقعي.
س- وما رأيك في الوطنية، وهل
تعترف بها أو تنكرها أنت ومجموعتك؟
جـ- رأيي أن الوطنية يجب أن تكون
هي العقيدة لا الأرض وأنه يجب تغيير المفهوم الحالي وهو الإقليمية إلى هذا المفهوم
الواسع الذي أريده.
س- وما رأيك في القومية؟
جـ- رأيي فيها أنها راية فات
أوانها التاريخي العالمي، وأن العالم كله الآن يتجه إلى تكوينات مذهبية تقوم على
أساس فكرة وعقيدة وأن الاتجاه إلى القومية الإسلامية يتفق مع طبيعة العصر الذي
نعيش فيه وطريقة تفكيره أكثر من فكرة القومية.
س- وما مدلول عبارة «الحاكمية
لله» في رأيك؟
جـ- أن تكون شريعة الله هي قاعدة
التشريع.
س- ومتى نودي بهذه العبارة فيما
تعرف؟
جـ- "ده تعبير استقيته أنا
من دراستي للإسلام".
س- ألا تعرف أن هذه كلمة قالها
الخوارج قديمًا وقد قال عنها الإمام علي "إنها كلمة حق أريد بها باطل".
جـ- أنا لا أتذكر موضعها هذا من
التاريخ ولم أكن أعنيه عندما استعملتها وأنا كنت أعني أن تكون شريعة الله هي قاعدة
التشريع. وبما أن الله- سبحانه وتعالى- لا ينزل بذاته للتحكيم وإنما أنزل شريعته
ليحكم بها فحاكميته- سبحانه وتعالى- تتحقق عن طريق تحكيم شريعته- كما تقول النصوص
القرآنية بألفاظها.
س- ألم تنقل هذه الأفكار من
مؤلفات أبو الأعلى المودودي.
جـ- أنا انتفعت بكتبه وغيرها من
الكتب أثناء دراساتي للإسلام.
س- وما الفرق بين ما تنادي به وما
ينادي به أبو الأعلى المودودي.
جـ- لا فرق.
س- وما الغرض من تسليح التنظيم
وتدريب أفراده على الأمور العسكرية؟
جـ- رد الاعتداء إذا وقع عليه.
س- وما هو الاعتداء المقصود وقوعه
من وجهة نظركم وممن سيقع؟
جـ- صورة الاعتداء في تصوري هي
الاعتقال للتعذيب والقتل وإحداث العاهات المختلفة قبل المحاكمة والحكم، وهي الصور
التي وقعت بالفعل سنة ١٩٥٤.
س- هل من ذلك أنكم قررتم مقاومة
السلطات عند كشف تنظيمك وافترضتم تلك الافتراضات وأقمتم عليها نتائجكم التي من
أجلها تسلحتم؟
جـ- السلطات التي لا تتقيد بأي
قانون لیست سلطات رسمية ولا تعد مقاومتها لسلطة رسمية.
س- ولكن المفروض أن الاعتقال
إجراء قانوني يفرضه القانون في حالات معينة وليس في ذلك تثريب على السلطات القائمة
بها.
جـ- أنا لا أعترض إطلاقًا على
الاعتقال ذاته كإجراء قانوني أعترف بقانونيته ولكن الذي رأيناه بالفعل سنة ١٩٥٤ هو
ما أثر في نفوسنا وأعطانا صورة معينة للاعتقال ستتكرر فيما كنا نعتقد، كلما تكرر
الاعتقال.
س- ألا تعرف أن في قيام هذا
التنظيم بتلك الصورة التي رويتها مخالفة للقانون ويعرضك وجماعتك لسلاحه؟
جـ- أعرف أنه مخالف للقانون،
ولكني كنت مضطرا إليه باعتباره الوسيلة الناجحة للتربية الإسلامية وإن منعها
القانون.
س- وكيف تكون مخالفة القانون
وارتكاب جرائم وسيلة للتربية؟ وهل ترضى الشريعة الإسلامية بذلك ودين الدولة الرسمي
هو الإسلام وقد نص الميثاق في أكثر من موضع على احترام كافة الديانات والعقائد؟
جـ- إذا كان القانون يمنع قيام
المسلم بواجبه الديني في إرشاد الآخرين إلى الصحيح وتربيته التربية الصحيحة والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر فإن العيب يكون عيب القانون ذاته لمخالفته لأصل ديني،
بينما الدستور ينص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام.
س- وهل ترى في القوانين القائمة
ما يمنع المسلم من القيام بواجباته الدينية وإرشاد الآخرين إلى الدين الصحيح؟
جـ- أنا أرى في القرار الخاص بمنع
النشاط العلني لجماعة الإخوان المسلمين وهي تؤدي هذه الواجبات الدينية التي ذكرتها
مخالفة لأمر من أوامر الدين.
س- وما سبب حل جماعة الإخوان
المسلمين -فيما تعرف؟ وهل كان ذلك بسبب قيامها بنشاط ديني؟
جـ- أنا أرجح هذا.
س- وما الظروف التاريخية التي
تعرفها عن حل هذه الجماعة؟
جـ- أنا أعرف أن الجماعة انحلت
بقرار حكومي "معرفش صادر من أي جهة ومعرفش نصه ولا القانون المنطبق عليه"،
وأنا أعتقد أنها انحلت بسبب نشاطها الديني وبسبب أنها حركة إسلامية والقوى
المعادية للإسلام ذات ثقل في تقدير الظروف المختلفة، وقد تمكنت بدسائسها من إيجاد
هوة من التوجس والتخوف وعدم الثقة بين الثورة وبين جماعة الإخوان المسلمين انتهت
بالتصادم الذي أدى إلى الحل.
س- ولكن الثابت على ما نعرف بيقين
أن حزب الإخوان المسلمين كان يشكل تنظيمًا سريًا إرهابيًا داخل الدولة ارتكب
بواسطته عدة جرائم -قتل المرحوم الخازندار المستشار وقتل آخرين من الأبرياء وتخريب
بعض المرافق- الأمر الذي لم يكن معه بد من حل هذا التنظيم السري وهذه الجماعة
السياسية تمشيًا مع مبادئ الثورة التي تنادي بها منذ قيامها سنة ١٩٥٢.
جـ- الذي أعرفه شخصيًا أن الإخوان
المسلمين كان لها تنظيم سري، وأنا على ما أعرف ليس هو السبب المباشر في حل الجماعة
إنما السبب هو الدسائس الأجنبية التي تآمرت وأدى ذلك إلى حل الجماعة.
س- هل ترى أنه من الممكن أن تسمح
الثورة بقيام جماعة ذات تنظيم سري مسلح داخل الدولة؟ وهل ترى أن في قيام تلك
الجماعة افْتِئَاتا على الدولة وعلى نظام الحكم القائم في البلاد بما لا ترضاه أي
دولة في العالم ولا يرضاه أي نظام ولا قانون؟
جـ- طبعًا لا ترضى الدولة- ولكن
كان ممكنًا حل هذا التنظيم السري بالتراضي على أساس حل التنظيم وإبقاء الجماعة
كحركة علنية.
س- وهل ترى أن جماعة الإخوان
وحدها هي القائمة على أمور الدين الإسلامي قاطبة حتى إذا ما حرم القانون نشاطها
كحزب سياسي له تنظيم سري تكون الدولة قد أهدرت الدين الإسلامي ومنعت المسلم من
القيام بواجباته الدينية؟
جـ- أنا أرى أن حركة الإخوان
المسلمين كانت هي أنجح تجربة في خلال القرون الأربعة الأخيرة في كل البلاد
الإسلامية فإهدارها بسبب أخطاء جانبية أنا أعرف أنها أخطاء هو بدون شك إهدار لأكبر
محاولة في إقامة هذا الدين، ومن أجل هذا كنت أرى أنه يمكن فصل حركتها الإسلامية عن
مسألة التنظيم السري، وأنه كان يجب بذل جهد من الدولة في هذا.
س- قرر قادة أعضاء التنظيم السري
أنك أفهمتهم أنهم هم الأمة المؤمنة وسط مجتمع جاهلي وأنه لا تربطهم لا بالدولة ولا
بالمجتمع ولا بنظام الحكم القائم فيه أي رابط وأنهم كأمة مسلمة عليهم أن يعتبروا
أنفسهم في حالة حرب مع الدولة والمجتمع الذي يعيشون فيه وكنت تسمي لهم البلاد
بأنها دار حرب طبقًا للاصطلاح الإسلامي، وتبين على ذلك أن أي عمليات قتل وتخريب لا
ضير منها ولا عقاب عليها، بل العكس فيها مثوبة.
جـ- في هذا الفهم أخطاء كثيرة،
فهم أولًا مجرد نواة تربى وتكون لتكون في مستوى الطليعة المؤمنة، وهذا ما كان
مفهومًا بيني وبينهم بوضوح. ثانيًا إن الكلام عن علاقة الأمة المؤمنة بدار الحرب
ودار الإسلام كان الحديث فيها كأحكام نظرية لبيان الأحكام في ذاتها لا لأنها
منطبقة على أحد في الوقت الحاضر لأنه سبق تقرير أن وجود الأمة المسلمة أمر من أمور
المستقبل التي كنت أريد أن يفهموها- ولكن مع الأسف فهموا خطأ عني كما أرى الآن.
س- وكيف يكونون قد أخطأوا الفهم-
خاصة وقد قرر أحدهم وهو علي عشماوي أنه عند الحديث معك عن القتل ناقشك في حديث
رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بأن: «من قال لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم
وأموالهم» فقلت إن الحديث لابد أن يؤخذ مع نصوصه الأخرى في نفس الموضوع ومع الظروف
والملابسات التي قيل فيها وإن ليس معنى ذلك إن كل من قال لا إله إلا الله حرم قتله.
وفي هذا دلالة صريحة على أنك كنت تحرضهم على ارتكاب جرائم القتل والاغتيال وقد
أجزت لهم قتل المسلم كما استنتجت لهم أقوال المسلمين الذين لا يفهمون معنى عبارة
لا إله إلا الله بالمعنى الذي تفهمه أنت.
جـ- أنا لا أتذكر هذه المناقشة،
وإذا كانت حصلت فلابد أنها كانت في معرض الدفاع عن النفس وفي هذه الحالة يكون
المعتدي هو الذي عليه الوزر لا من يرد.
س- وما الشروط التي يجب أن تتوافر
للدفاع عن المسلم شرعًا حتى يباح للمسلم قتل أخيه المسلم فيما ترى؟
جـ- أن يعتدى عليّ أو يحاول
الاعتداء ابتداء بينما أنا أقوم بعمل غير مضر أو بنشاطي العادي.
س- وهل ترى أن في استعمال الحاكم
المقررات الشرعية والقانونية اعتداء يستباح معه القتل والتخريب؟
جـ- بهذه القيود- قيود استعماله
لمقرراته الشرعية والقانونية لا يجوز- ولكن في اعتدائه خارج كل القوانين لا يكون
في حدود مقرراته الشرعية والقانونية.
س- وهل يمكن أن يفترض المسلم أن
اعتداء سيقع عليه متوقعًا- ثم يقتل ويخرب بمثوبة ودون عقاب ديني؟
جـ- أنا أعتبر أن هذا ليس
افتراضًا وإنما هو من تجربة واتجاه يبدو فيها الإصرار على تكرار التجربة كلما وجدت
حركة.
س- وما الذي أثبته الواقع فيما
تبينت حتى تفترض هذه الافتراضات وترتب عليها نتائج؟
جـ- الواقع الذي أعنيه هو واقع
التجربة الماضية عام ١٩٥٤ الذي يعطي ترجيحًا لتكراره "وهو اللي خلاني أقول
لهم يقاومون لما يبتدؤون يقعدون".
س- ألا ترى أن في قيام تنظيم سري
مسلح بين المسلمين ما يؤدي إلى قيام فتنة يأباها الدين الإسلامي وينهى عنها؟
جـ- قد يؤدي إلى فتنة ولكن الذي
يكون عليه وزرها هو الذي يمنع النشاط العلني فيضطر الآخرون للنشاط السري ويمكن
إنقائها بإباحة النشاط العلني.
س- ألا يوجب عليك دينك الإسلامي
أن تمنع أي فتنة قبل وقوعها وتتجنب مقومات وقوعها مما كان يجدر معه ألا تشكل
تنظيمًا سريًا مسلحًا بالبلاد وتبارك تسليحه وإجراء تجارب على المفرقعات واستيراد
أسلحة من الخارج لمقاومة السلطات؟
جـ- ضرورة القيام بالواجب الديني
هو المفروض، والفتنة افتراض، فعلي أن أقوم بواجبي الديني، وإذا وقع الافتراض- أي
الفتنة- فإن وزره على الذي اضطرني للسرية وليس علي.
س- وما التناقضات الموجودة بين
نظام الحكم القائم وبين النظام الذي تراه وتسعى من أجله؟
جـ- شريعة الله ليست هي قاعدة
التشريع في الأوضاع القائمة، والمطلوب هو أن تكون شريعة الله هي قاعدة التشريع.
وهذا هو التناقض الأساسي في رأيي الذي تنشأ عنه جميع التناقضات الفرعية.