; سينما هوليوود في خدمة «البيت الأبيض»- | مجلة المجتمع

العنوان سينما هوليوود في خدمة «البيت الأبيض»-

الكاتب رائدة شبيب

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-2000

مشاهدات 67

نشر في العدد 1431

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 19-ديسمبر-2000

  كيف أصبحت هوليوود مطبخ أفلام تخدم السياسة الأمريكية؟

دعوات المقاطعة الشعبية للسلع والخدمات الأمريكية ليست مجرد دعوة لدعم الانتفاضة، بل هي وسيلة أصبحت ملحة ولا ينبغي الاستهانة بأهميتها للتحرر من الهيمنة الأمريكية، وإن العرب والمسلمين، لاسيما الجيل الشاب الناشئ في ظل هيمنة العولمة بهوية أمريكية أو عولمة الهيمنة الأمريكية بحملات جديدة، إنما يدينون بهذا المنظور الحدث الانتفاضة، وللوعي الشعبي الذي عبرت عنه، والذي يحقق التضامن المطلوب من وراء سائر الحدود والحواجز، ولا ريب في أن المقاطعة شكل من الأشكال الحاسمة والفعالة للوعي الشعبي والتضامن العربي والإسلامي، ومن أسباب تفعليها بيان الأضرار الكبرى التي ينشرها الارتباط التبعي بالولايات المتحدة في مختلف الميادين العسكرية والسياسية والاقتصادية وكذلك الفكرية والاجتماعية التي قد تكون أخطر من سواها، نظرًا لما تساهم فيه من صياغة الأفكار والأذواق والأحاسيس، وهذا مما تلعب الصناعة السينمائية الأمريكية فيه دورًا رئيسًا.

يتصاعد البخار في مطابخ أفلام هوليوود من كثرة الطبخات التي تعد فيه، فالتشكيلة واسعة ومتنوعة من قصة الحب السماوي إلى المعركة الزوجية الجهنمية ومن فيلم الرعب المفزع إلى الكوميديا الفكاهية الممتعة من أفلام الكاو بوي المغبرة إلى أفلام الفضاء المستقبلية تقدم لجماهير السينما والتلفاز حسب الأذواق كأطباق خفيفة ذات روائح شهية، أو كأطباق مبهرة حادة من الأفلام الأمريكية، أما العرض المغري على لائحة الطعام الذي يطلبه المشاهد الشاب فهو فيلم المشاهد السريعة الحركة، والذي يدعى ac- movie tion وهو في العادة مليء بالعمليات الإجرامية والاقتتال.

يتم إخراج هذا النوع من الأفلام من قبل كبار طباخي الأفلام الأمريكية مثل رولاند إمريخ وولفجانج بيترسون وجيمس كامرون باستمرار، وتحصل أفلام «الأكشن» على طابعها الخاص باستخدام أدوات فنية مثيرة وأصوات غريبة ومشاهد مبالغ فيها وتتميز بقصة رهيبة تجذب الانتباه التام خلال مشاهدة الفيلم حتى النهاية وهذه القصص يجب النظر فيها للكشف عن السر الموجود خلف الوصفة الإنتاجية لهذه الأفلام. 

حين ننظر لمنتجات سينما هوليوود في السنوات الماضية نلاحظ أن قصصها في الكثير من الأحيان ليست مأخوذة من الخيال فحسب، وإنما هي مستوحاة من أرض الواقع القائم، وهي أكثر من مجرد أفلام للتسلية، وتكون السياسة محور القصة والحدث في أكثر الأحيان. ولكن أي نظرية تقدم للمشاهدين في كل أنحاء العالم، بالصوت المجسم وعلى الشاشة الكبيرة؟

القائمة طويلة والاختيار واسع

هناك تشكيلة رهيبة من المقبلات ومنها مثلًا فيلم بموضوع كلاسيكي، يتحدث عن اختطاف طائرة من قبل إرهابيين إسلاميين متعصبين (كالمعتاد) يختطفون طائرة جامبو مليئة بالركاب ويهددون من موقعهم هذا واشنطن بقنبلة غازية مدمرة للأعصاب (Executive Decision

(USA 1996

ونتناول في الوجبة الرئيسة فيلمًا موضوعه قضية تهريب أسلحة حيث تسرق قنبلة نووية من مخزن نووي روسي ويتم بيعها مع ثمان أخر للعراق، فيتمكن مجرم صربي من تهريب واحدة منها إلى نيويورك، كي يفجر بها مركز الأمم المتحدة(The Peacemaker USA 1997) 

ونختم الوجبة بتحلية فنختار فيلمًا جاسوسيًا خفيفًا، وقصته أن قنابل روسية «كالعادة» تقع بأيدي إرهابيين عرب «كالعادة» يهددون بتفجيرها التخليص المعتقلين من جماعتهم من السجون الأمريكية                (True Lies, USA 1999).

وجبات تتوافق تمامًا مع أذواق الحكام في واشنطن، لأنها تحتوي على الشريرين (bad guys) الذين يوقعون الدنيا في حالة خوف وفزع، ولا يقدر عليهم سوى الأبطال الأمريكان good guys)) والذين يقضون عليهم باسم السلام العالمي وأمن الدولة.

ويرسم المخرجون في هوليوود مشاهدهم المرعبة فيصورون فيها موضوعات تشغل السياستين الداخلية والخارجية الأمريكية ومنها خطر انتشار الأسلحة وخاصة أسلحة الدمار الشامل وخطورة التجارة بالمخدرات والأخطر الإرهاب الدولي، الذي يجب اتخاذ إجراءات وقائية منه، حسب خطة وزارة الخارجية، فمن هم الأعداء في سياسة واشنطن ليحصلوا على أدوار الشريرين في أفلام هوليود؟

في ظل التطورات على الساحة الدولية هم الآن إرهابيون خطيرون دوافعهم دينية أو أيديولوجية ومن المفضل أن يكونوا من الشرق الأوسط، أو من أنحاء مجهولة في العالم الثالث المتخلف الفوضوي وهؤلاء الآن الذين يعزون هوليود في حزنها على افتقاد العدو الشيوعي المفضل، إلا أنها ترجع لإحيائه عند اللزوم في بعض الأفلام. 

ليس من باب «الصدفة» أن يتم إعداد الأفلام على أساس عملي وحقيقي، وأن يكون هدفها في كثير من الحالات نشر تصورات ومصالح أمريكية، وهى تشرح وتثبت في رؤوس الناس ضرورة قيام الولايات المتحدة بدور أساسي في النظام الدولي لحماية الشعوب، وخاصة شعبها، مما تعتبره عدوانًا.

ميمي ليدر (Mimi Leder) وهي مخرجة فيلم (Project Peacemaker) -ترغب كما تقول في أن «يستمتع زائرو السينما بمشاهدة أفلامها، ولكن في الوقت نفسه أن تذكرهم بأن الأشياء التي يرونها هي وقائع، تقوم الحكومة الأمريكية مع حكومات أخرى بمعالجتها».

وزميلها ولفجانج بيترسون يعلق على فيلمه حيث يقول إن هناك «حقيقة وجود الإرهاب الذي أصبح شيئًا تقبلناه كجزء من الحياة الحديثة فنحن خلقنا مشهدًا لنوضح للجمهور كيف أن عملية إرهابية واحدة يمكن أن يكون لها أثر على العالم كله». 

ظاهر أن مخرجي هوليوود اختاروا لأنفسهم خدمة حكومتهم باستخدام أفلامهم السينمائية كجهاز لتسويق سياسة الولايات المتحدة دوليًا وتبريرها، وبالمقابل فإن البلد الأم وحكومته بالذات لا ترحب بهذا العمل فقط وإنما تقوم بتمييز هؤلاء المخرجين الذين يتمتعون بالآداب السياسية الصحيحة، فهي تساعدهم في مشاريعهم السينمائية، مثلًا بتزويدهم بمعدات وأدوات، أو توفير أماكن للتصوير، يتضح ذلك في فيلم (Air Force One) كمثال، والذي تقوم فيه جماعة خطيرة من الإرهابيين الشيوعيين باختطاف طائرة الرئيس الأمريكي وترافقه على متنها زوجته وابنته.

في هذا الفيلم يقوم الممثل المشهور هاريسون فورد بدور الرئيس الأمريكي، الذي يظهر كرجل شجاع ونبيل حسيب نسيب ورجل فعل لا رجل كلام فقط، فهو وحده يتمكن من إنقاذ نفسه وعائلته ووطنه ويقضي على الأعداء بذكائه. 

في مرحلة التحضير لتصوير الفيلم سُمح لأعضاء الإنتاج أن يدخلوا طائرة الرئيس رغم القوانين الأمنية المتشددة التي لا تسمح لأحد بدخولها، وجاء هذا التصريح بعد مأدبة عشاء دعا إليها الرئيس الأمريكي كلينتون الممثلين الرئيسين ومخرج الفيلم، وسادها جو لطيف داخل البيت الأبيض. هذه الحركة الإيجابية لم تأت جوابًا على طلب أو رجاء من قبل صانعي الفيلم، فجنرال طائرة الرئيس الأمريكي المسماة (Air Force One) واسمه رون سكونيرز يقول في تصريح له في هذه المرة نحن الذين اتصلنا بالمنتجين لنسألهم إن كانوا بحاجة لمساعدة القوات الجوية وسمحنا لهم باستخدام قواعد القوات الجوية والمعدات التي لا نقدمها لهوليوود عادة، ومن المعدات التي قدمها الجيش الأمريكي أيضًا ستة طائرات حربية من قاعدة القوات الجوية في فلوريدا، ومروحيتان من نوع (Blackhawk UH69)، كما تم تشغيل ٢٥٠ رجلًا من الجيش الأمريكي لتشغيل تلك المعدات كذلك فقد تلقى المسؤولون عن الفيلم مساعدة وزارة الدفاع والوحدات العسكرية المحلية لولاية أوهايو وكاليفورنيا، لكي يبدو التصوير واقعيا للغاية. 

وبذا أصبح هذا الإنتاج من أنجح الأفلام وجمع صانعوه ثروة إضافية، وأصبح الرئيس الأمريكي بطلًا مشهورًا في أنحاء العالم.. يا لها من نهاية سعيدة!.

إن الأسلاك بين هوليود وواشنطن ساخنة باستمرار وتستمتع الحكومة بتحقيق ما تريد، وتدفع ثمنه بتعاونها الإيجابي.

وماذا عن المشاهد الذي ينفق ماله ووقته على مشاهدة هذه الأفلام؟

سيصاب أولًا بمغص شديد بعد تلك الوجبة، وثانيًا سيتلقى عملية غسل دماغ مرتبة، كي يفهم حياته بصورة أفضل عبر المنظار الأمريكي لها. وثالثًا سيستوعب لماذا تهاجم الولايات المتحدة حتى الآن وتضرب بطائراتها الحربية في العراق مثلًا، وهو المدمر اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا إذ سيتذكر المشاهد ذلك المشهد المثير في فيلم للبطل أرنولد شوارزنجر، عندما استعد رئيس المجموعة الإرهابية لإطلاق أربع صواريخ نووية على أمريكا.

ويبقى أن يستلقي المشاهد على مقعده مستريحًا، وأن يطمئن ويقول لنفسه: أمريكا ستقوم بحل المشكلات كلها على طريقتها المفضلة.

الرابط المختصر :