العنوان شبابك يا زين.. التنصير يستغل البطالة في تونس باصطياد الشباب الباحث عن العمل في إيطاليا
الكاتب عبدالباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2003
مشاهدات 67
نشر في العدد 1557
نشر في الصفحة 28
السبت 28-يونيو-2003
تعددت أساليب التنصير في المغرب العربي، وقد عرف القارئ جانبًا من محاولات التنصير في الجزائر وخاصة في منطقة القبائل، وفي المغرب الأقصى، لكن لا أحد حتى الآن يتطرق للحديث عن التنصير في تونس.
ولحساسية القضية فإن المنصرين المنتشرين في تونس حاليًا لا يعلنون هدفهم الحقيقي، وإن كانوا لا يخفون هويتهم الدينية كمتخصصين في الشؤون الكنسية، وفي جو الكبت والقهر الذي تعيشه الدعوة الإسلامية في البلاد، فإن نتائج أعمال التنصير التي تتستر بمدارس اللغة الإيطالية تحت لافتة مغرية للآلاف وهي تأهيل الشباب التونسي للعمل في إيطاليا، غير معلومة.
وكما أن عددًا من الدول مثل اليونان تقدم لمسلمي الدول المجاورة لها تسهيلات واسعة لمن يرتد عن الإسلام ويغير اسمه للدخول إليها والعمل فيها، تدعي البعثات الكنسية الإيطالية في تونس أن من يدخل مدارسها ويجيد اللغة الإيطالية يمكنه السفر إلى إيطاليا والعمل فيها، وقالت مصادر مطلعة لـ المجتمع: إن الاعتقاد السائد هو أن من يعتنق النصرانية ينقل لإيطاليا للعمل في الشركات التي تم الاتفاق بينها وبين الكنيسة على تلك الترتيبات.
«دوز» الضائعة بين رمال الصحراء
دوز مدينة صغيرة تقع في الجنوب التونسي، تحيط بها من الجانبين بحيرة شط الجريد المالحة، وقبل بلوغ هذه البوابة المفتوحة على الصحراء تطل عليك من بعيد أشجار النخيل مبشرة بوصولك إلى مدينة دور النشيطة رغم فقرها، وهي من مناطق الظل في البلاد، تفتقر لكثير من الخدمات، وتعج كغيرها من المدن والقرى التونسية بجيوش البطالة من حملة الشهادات وممن انقطعوا عن التعليم في مراحل مختلفة ولأسباب متعددة، ومنها عدم القدرة على تحمل النفقات الدراسية.
في هذه المدينة الصغيرة أقام المنصرون الإيطاليون مدرسة لتعليم اللغة الإيطالية للشباب في المنطقة ومن حولها، وهي واحدة من عديد المدارس التي تعمل في مجال التنصير تحت لافتة تعليم اللغة لمن يرغبون في العمل بإيطاليا يدير هذه المدارس ومنها مدرسة «دوز» التونسية قس إيطالي يدعى سالفيدري شيغاراندي، أقام شبكة كاملة من هذه المدارس على الضفة الجنوبية من المتوسط كما تقول المصادر الإيطالية. وشعاره «لا تنصير بدون نمو اقتصادي» وإلى جانب مدرسة دوز مدرسة أخرى في منطقة «قبيلي» القريبة من دوز وهي من الأماكن التي يزدحم فيها العاطلون عن العمل قسم من المدرسة للأطفال وقسم آخر للعاطلين الراغبين في العمل بإيطاليا كعمال منتظمين لا كمهاجرين غير شرعيين تعصف بهم المصالح والأهواء، بتعبير المنصرين وصاحب الفكرة «التنصير مقابل العمل» دوبيترو سوغوراني، وهو منصر إيطالي استطاع إقناع السلطات الحكومية في إيطاليا بفكرته، وهي أن «المسلمين العاطلين على العمل في تونس ودول المغرب العربي وإفريقيا، الذين يعانون من البطالة والفقر، وانسداد سبل العيش في بلادهم سيقبلون على الدخول في النصرانية إذا كان ذلك سيخرجهم مما هم فيه من بؤس مادي ومشکلات اقتصادية في ظل الظروف السياسية التي تعيشها بلدانهم، ويحارب فيها الإسلام السياسي»، وقد وافقت السلطات الإيطالية على ذلك، حيث يعتقد الكثيرون من السياسيين و الكنسيين وغيرهم أن تونس ومنطقة المغرب العربي كانت نصرانية في مرحلة السيطرة الرومانية على المنطقة، ويجب إعادتها للنصرانية مجددًا بملء الفراغ الحاصل الذي سببته حملات الاستئصال التي طالت الرموز الإسلامية بالمغرب الكبير.
وتتحدث المصادر الإيطالية عن مجموعات من التونسيين تم إعدادهم في مدارس الجنوب ووصلوا بالفعل إلى إيطاليا، وهناك دفعة أخرى تستعد للحاق بهم وذلك لمزيد من الأعداد. وتقول تلك المصادر إن أحد الشباب التونسيين ويدعى وليد (٢٤) سنة استطاع أن يغير مجرى حياته «تنصر» وتعلم اللغة الإيطالية خلال ستة أشهر في تلك المدرسة، وينقل عن وليد قوله «بسبب البطالة وانعدام فرص العمل في تونس قررت الالتحاق بالمدرسة الإيطالية لتعلم اللغة، أرجو أن أتمكن من الذهاب للعمل في إيطاليا وبالتالي أتمكن من مساعدة عائلتي».
وتقول محطة «رأي» التلفزيونية الإيطالية: إن أحد الطلبة في المدرسة الإيطالية ويدعى محمد «كان أبرز الطلاب في الدورة الثانية بالمدرسة وهو يمارس عملين مختلفين لمساعدة عائلته» وتنقل عنه القول: «أريد أن أذهب لإيطاليا لمساعدة عائلتي لأن العمل في تونس معدوم والأجور منخفضة».
كماشة التنصير استطاعت الإطباق على عامل في المجال السياحي يقوم بتأجير جمله للسياح ليلتقطوا لهم صورًا وهم على ظهره، أو ركوبه لبعض الوقت. ورغم أنه يتقن أربع لغات على حد قول المصادر الإيطالية إلا أن الإغراء دفعه هو الآخر للالتحاق بالمدرسة الإيطالية طمعًا في المزيد، وقد نقل عنه قوله: «لا أستطيع الحصول إلا على دينارين في الساعة وهو ما يعني عشرين دينارًا في الأسبوع وهذا لا يكفي»، ويقول: «سنحت لي الفرصة للتعلم في المدرسة وسأذهب لإيطاليا لتحقيق مستقبل أفضل».
وتقول المصادر الإيطالية: إن القائمين إلى مدارس التنصير من المتطوعين ومن المقتنعين تمامًا بمهمتهم.
وتقول إحدى المنصرات «لقد تعرفت إلى شباب متحمسين بقوة للدراسة وتعلم اللغة الإيطالية واستطاع تعلم اللغة خلال ستة أشهر فقط وهذا شيء مدهش بالفعل، ويتحاشى المنصرون الحديث عن مهمتهم الحقيقية ويحاولون الظهور بمظهر إنساني بحت.
ويتساءل المراقبون عن سر قيام المنصرين بتأسيس المدرسة والإشراف عليها، بالاتفاق مع السلطات الإيطالية والتونسية، ولماذا لم تسند هذه المهمة إلى المدنيين الإيطاليين والمتخصصين في اللغة؟
تنصير تونس الأمر الذي يثير استغراب المراقبين أيضًا كيفية دخول هؤلاء الشباب إلى إيطاليا، حيث تفرض القوانين الإيطالية الجديدة حصول طالب العمل على عقد مسبق مع إحدى الشركات الإيطالية وهو ما يعني أن أطرافًا داخل السلطات الإيطالية متواطئة مع الكنيسة في هذه الحملة التنصيرية التي تستهدف تونس الزيتونة في غفلة من بعض أهلها، وعجز من البعض الآخر، وغض طرف من الجهات الرسمية، فلقد استطاعت الجهات التنصيرية توفير عقود عمل لمن كانت ترغب في نقلهم لإيطاليا. وتقول المصادر الإيطالية: «إن الحكومة الإيطالية تشجع هذا العمل وتعده عملًا إيجابيًا في هذا المضمار.
القس ديل بيترو يواصل الاتصال بالشباب الذين تم نقلهم إلى روما للعمل في مؤسسات إيطالية، بينما كثير من الشباب الإيطالي يتسكع في الطرقات أهي الإنسانية، أم السياسة، أم التنصير؟
الاهتمام الزائد عن الحد بالشباب الذين تم نقلهم إلى إيطاليا والذي يسميه المنصرون «متابعة المسيرة» كشفت للكثيرين ومن بين السطور وجود خطة التنصير تونس وضعت معالمها في الفاتيكان منذ زيارة البابا لتونس سنة ١٩٩٩م، ولقائه الرئيس زين العابدين بن علي، وعن ذلك يقول المنصر ديل بيرو: «الشباب التونسي باكورة لقضية، أبوابها يجب أن تبقى مفتوحة لمن لديهم الرغبة في العمل وبالانتماء لثقافتنا والاندماج في مجتمعنا» ديل بيرو أنشأ في روما مركزًا لاستقبال الأمهات المهاجرات المحتاجات وللعائلات التي ليس لها مسكن، لكن فرحته كانت كبيرة عند استقبال الشباب التونسي الذين تم إعدادهم في بلادهم «تونس»، فليس لدى الإيطاليين ما يقدمونه للتونسيين من قيم، فحياتهم وشوارعهم مليئة بـ الجريمة، وتجارة المخدرات والفساد الأخلاقي.
وعندما سأل الصحفيون الإيطاليون بعض التونسيين عن أسباب مجيئهم لإيطاليا وما تعرضوا له من غسيل دماغ تلعثم بعضهم وأجابوا بحسب ما تلقوه من تعليمات: «نحن جئنا هنا للعمل وللعمل فقط»، وكرروا ما قاله المنصرون من قبل «جئنا لمحاولة إيجاد مورد رزق ومساعدة عائلاتنا في تونس» بعضهم قال: «جئنا للعمل فقط» وهو ما أثار فضول الصحافيين الذين يتابعون مسيرة قوافل الشباب التونسي وهم بين براثن التنصير على طريقتهم الخاصة. كان ديل بيترو يواصل مراوغاته و يخفي أهدافه الحقيقية وراء عباراته المعسولة: «نحن لا نؤمن بالتفرقة العنصرية والتمييز بين الديانات نحن متساوون أمام العالم وأمام الرب»
ويبقى السؤال عن موقف المؤسسة الدينية الرسمية في تونس مما يحصل؟ هل تعلم أم لا تعلم؟ وهل مسؤوليتها تتوقف عند تكفير الحركة الإسلامية في تونس وحسب؟