العنوان شبح التقاعد
الكاتب د. يحيى عثمان
تاريخ النشر الأربعاء 31-أغسطس-2022
مشاهدات 172
نشر في العدد 2171
نشر في الصفحة 60
الأربعاء 31-أغسطس-2022
استشارات أسرية
د. يحيى عثمان
استشاري تربوي وعلاقات أسرية
مستشار البحوث بمجلس الوزراء الكويتي سابقاً
y3thman1@hotmail.com
الإخوة الكرام، تحية تقدير لمجلتكم الموقرة، قد يبدو من عنوان رسالتي عدم أهمية الموضوع؛ وذلك لعدم أهمية هذه الشريحة من المجتمع، التي لا يستفاد منها، رغم ما لديها من إمكانات يمكن أن تسهم بها في بناء بل وتطوير البلد، وكأنها أصبحت عبئاً ثقيلاً على المجتمع، لكني سأحاول أن أنقل لكم ما يعانيه المتقاعد عسى أن تساهموا في تخفيف وطأة التقاعد.
منذ أن وصلني خطاب شؤون العاملين يخبرني بتاريخ تقاعدي في نهاية العام وأنا في حيرة من أمري؛ كيف سأقضي ما تبقى من عمري متقاعداً؟ وإليكم بعض الأفكار بل الهواجس التي عصفت بي:
أخيراً، وبعد تاريخ حافل من الإنجازات وشهادات التقدير، لم يعد العمل بحاجة لي، وخبراتي التي كنت حريصاً على تعليمها والقيم والمثل التي كنت أسعى في كل مناسبة على توريثها بل وغرسها في شبابنا ماذا سأفعل بها؟
وكيف سأقضي فترة تقاعدي؟ للأسف نماذج أصدقائي سلبية، فالكسل وعدم الحركة أثَّر على صحتهم، وتسارعت أمراض الشيخوخة تزحف على نفسيتهم قبل أبدانهم، ناهيك عن الملل والضجر، نوم لساعة متأخرة من النهار، وأرق مصحوباً بالقلق في الليل، وقد يلتقون في ديوانية أحد الأصدقاء حول حديث ممل أو صمت القبور أو لعب الورق أو متابعة غير مشوقة للتلفاز، وما زادني توجساً من فترة التقاعد ما أسرت لي به زوجتي أن صديقاتها يعانين من أزواجهن المتقاعدين؛ لأنه بسبب ما يعانون من فراغ أصبحوا يتدخلون في شؤون المنزل، ويثيرون مضايقات لأتفه الأسباب، وإنها تتمنى ألا أضايقها بمكوثي بالبيت!
تقدمت بطلب الاستمرار بالعمل نظير مكافأة أو بدون أجر، ولكن قوبل طلبي بالاعتذار، وعليه فإن كان من العمر بقية فمن المنتظر أن أتقاعد في نهاية العام، بماذا تشير عليَّ وعلى آلاف المتقاعدين؟
الحل
إن من سنن الله تعالى في خلقه التطور، فمنذ المرحلة الجنينية حتى الوفاة يمر الإنسان بمراحل متباينة، من الطفولة للصبا للبلوغ للشباب والرجولة ثم الشيخوخة، ولكل منها سماتها ومذاقها، رونقها ومسؤولياتها، متاعها وأعباؤها، ويقول الله عز وجل: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً) (نوح: 14)، (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) (الروم: 54)، وعلى المسلم أن يحيا مرحلة عمره بكل رضا وقبول، وأن يتمتع بكل ما تتيحه المرحلة من متع مادية ومعنوية مما يكون عوناً له على طاعة وشكر الله على آلائه.
مرحلة التقاعد:
تعتبر من أكثر مراحل العمر متعة؛ لأنها تتميز بالحرية؛ فمنذ مرحلة رياض الأطفال ونحن ملتزمون بالدوام، أو بمنهج دراسي أو عمل، قدرتنا على إدارة وقتنا محدودة بالنظام الذي التحقنا به، أما الآن فاليوم كله ملكي، قد تستهويني القراءة ليلاً ولا أحمل هم الاستيقاظ مبكراً للالتحاق بالعمل، أسافر ولا أحسب عدد الساعات ومتى سأعود للدوام بعد انتهاء الإجازة، كثيراً ما كنا نشتري كتباً في موضوعات تستهوينا ولا نتمكن من قراءتها لأن مسؤوليات العمل تقتضي تنمية معارفنا في تخصصنا، فحان الوقت أن نقرأ ما نريد لا ما تفرضه علينا مسؤولياتنا، حتى علاقاتنا قد تقتضي طبيعة العمل التعامل مع أفراد لا نفضل التعامل معهم، أما الآن فأنا حر في اختيار من أتعامل معهم.
وكذلك المسؤولية؛ فمنذ الصغر ونحن مسؤولون أمام الآخرين، أما في هذه المرحلة فعادة ما نكون قد أنهينا مسؤولياتنا المطالَبين بأدائها، وما يبقى هو نوع من الفضل بما تسمح به قدراتنا، كنا مطالبين بأداء مسؤولية تربية الأولاد وما يتطلبه ذلك من سعي على الرزق وبذل كل الجهد لإقناعهم بمنظومة القيم والأخلاق الإسلامية حتى يكونوا عباداً صالحين، أما وقد كبروا وأصبح لديهم أسرهم، فقد انتهت مسؤولياتنا تجاههم وبقي الاهتمام وتقديم الرعاية المعنوية والمادية بقدر طاقاتنا، نهتم بهم ولكننا غير مسؤولين عنهم.
وعليه فنصيحتي للأخ الكريم:
تهنئتي القلبية لك ببلوغك مرحلة التقاعد، ولنتذكر قول الحبيب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «خير الناس من طال عمره، وحسن عمله» (رواه الترمذي)، وهذه بعض الأفكار التي يمكن الاسترشاد بها، ولكنني أؤكد أن كل إنسان أعلم بما يتوافق معه، ومهما اطلع على تجارب الآخرين فعليه أن يجتهد ويبدع لاختيار نموذج الحياة الذي يتوافق مع قدراته ورغباته وبيئته النفسية وزوجه.
1- مراجعة للقيم الحياتية:
تنظيف الفكر من كل السلبيات التي قد تعلق به، وأن التقاعد يصاحبه كسل وخمول ولا عمل، بل إنه فرصة أكبر للتفكر والإبداع والعطاء ولكن بشكل مختلف.
2- شحذ الهمة بالنماذج والقيم الإيجابية:
إن التاريخ يثبت أنه لا علاقة بين التفاعل الإيجابي مع الحياة وما بلغه الإنسان من سن، بل هناك نماذج أبدعت بعد بلوغها الستين أو السبعين أو حتى التسعين!
نعم إن المخ يبدأ بفقد أعداد هائلة من خلاياه بمرور الزمن، وقد يؤثر ذلك على الذاكرة، ولكن يعوض ذلك التخصص والخبرة، ناهيك عن توالي الاطلاع وتوسع المدارك على مر السنين، مما يزيد من قدرة الإنسان على التحليل والرؤى واستخلاص الحكمة وملكة الإبداع، ولعل خير نموذج على ذلك بعض الصحابة، رضوان الله عليهم، الذين أسلموا في شيخوختهم، ومع ذلك عكفوا على دراسة دين الله تعالى أو رفع راية الجهاد، كذلك العلماء المسلمون عبر التاريخ الذين أثروا المكتبة العربية من علوم شرعية وطبيعية ظلوا حتى الثواني الأخيرة من عمرهم وبعضهم بلغ التسعين يتعبدون بطلب ونشر العلم.
تؤثر الصورة الذهنية عن الذات في طاقة الإنسان، فإن كانت إيجابية وله رؤية تمثل قيمة مضافة فتتفجر طاقاته وتنطلق إبداعاته، وإلا فتطمس همته ويصبح عالة على أسرته، كما يجب البعد عن النماذج المحبطة الذين ربما استسلموا لليأس والفراغ القاتل، التي تدمر طاقاته وتبعث في نفسه الخمول والدعة.
وإليك بعص الأمثلة، ولكن يجب مناقشة هذه الأفكار مع زوجتك وصياغة نموذج حياتكما بما يسعد ويتوافق مع سمات وخصائص شخصيتكما وعلاقتكما:
- قد لا يتمكن المسلم في كل الأوقات من أداء السنن والتنفل لانشغاله بأعباء أسرته وعمله، والتقاعد فرصة للتقرب إلى الله تعالى؛ «.. وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ..» (صحيح البخاري، 5502).
- التزود بالعلم الشرعي، خاصة عبادة التدبر، وهناك مئات قنوات «يوتيوب» والكليات الإلكترونية التي تقدم العلوم الشرعية من خلال دراسة منهجية أو الدراسات الحرة.
- إذا كان لديك بعض العلم الشرعي فيمكن عمل حلقة دراسية سواء بالمسجد أو الشبكة الإلكترونية.
- نتيجة التطلع إلى مستويات معيشية أعلى، خرجت الزوجة للعمل، مما أثر سلباً على تربية الأولاد، ولعل من أهم الأنشطة التي يمكن القيام بها جمع الأحفاد ويا ليت بعض أصدقائهم حول حلقة تربوية يتعلمون من خلال «قصص جدو» القيم والأخلاق والسلوكيات الطيبة.
- القيام بأنشطة اجتماعية: تعاني بعض الأسر من فقدان المودة والرحمة وعدم الخبرة الحياتية، فيمكن من خلال خبرتك الزوجية تقديم إما دورات عملية أو لقاءات «تحت عنوان علمتني الحياة»، تتناول مجموعة من المعارف الزوجية والتربوية من خلال مواقف مرت بك أو قراءات كان لها أثر في مسيرة حياتك أو أخطاء تعلمت منها، كما يمكن أن تتشارك مع زوجتك في السعي لحل الخلافات الزوجية التي تعصف ببعض الأسر وتؤدي إلى تفككها أو الطلاق.
- هواية أو معارف: تشير العديد من الدراسات إلى أن الإنجاز يعتبر من أهم مقومات سعادة وابتهاج الإنسان، ولعل ممارسة هواية جديدة أو طَرْق أحد أبواب المعرفة يشعر الإنسان بقدرته على الإنجاز، ومن الأمثلة الرائعة في ذلك دراسة وتحليل التاريخ واستخلاص العبر منه، للأسف نسبة كبيرة من شبابنا فقدوا متعة القراءة كمصدر أساسي من مصادر المعرفة، وأصبحت الألعاب الإلكترونية شاغلهم الرئيس؛ مما أثر على رصيدهم المعرفي، لذا فيمكن عرض القيم المستقاة من تحليل التاريخ من خلال العرض القصصي الشيق.
- من المؤكد أن لديك خبرات مهنية وإدارية يمكن أن تمثل قيمة مضافة لأبنائك الشباب من العاملين في تخصصك، فمن خلال إحدى أدوات التواصل الاجتماعي يمكن تنظيم لقاء شهري لتعرض خبراتك وتجيب عن تساؤلاتهم.
- الحرص كل الحرص على ممارسة الرياضة ويفضل الاشتراك في أحد النوادي الرياضية.
- الاشتراك في أحد النوادي الاجتماعية والخاصة بكبار السن، أو عمل مجموعة سواء فعلية أو إلكترونية لتبادل الأفكار والمشاركة في أنشطة قيّمة.
- إعادة صياغة العلاقة الزوجية: لطبيعة دور كل من الزوجين، فالزوج يكدّ على الرزق، والزوجة ترعي البيت، فالأنشطة المشتركة بينهما كانت محدودة، ولكن يجب في مرحلة التقاعد التفاعل المشترك بينهما، ومن الأمثلة على ذلك شراء الطعام وطهوه وتنظيم البيت ورعاية الحديقة والزهور والطيور! نعم من الأوقات الممتعة التي يمكن أن يقضيها المتقاعد مشاركة زوجته في أعباء كانت تقوم بها بمفردها، كما أوصي بتقليل الاعتماد على الخدم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل