; مفاهيم إسلامية.. عُدة الداعي | مجلة المجتمع

العنوان مفاهيم إسلامية.. عُدة الداعي

الكاتب جمال الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1977

مشاهدات 86

نشر في العدد 368

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 27-سبتمبر-1977

يحتاج الداعي إلى الله في أداء مهمته ووظيفته التي هي في الأصل وظيفة رسل الله إلى عدة قوية من الفهم الدقيق والإيمان العميق والاتصال الوثيق بالله تعالى.. هذه هي مقومات عدة الداعي وأركانها، وإذا فقدها لم يغن عنها شيء آخر وإذا ضعفت معانيها في نفسه فعليه أن يقويها.

ولك أخي القارئ سننقل ما كتبه الدكتور عبد الكريم زيدان في كتابه القيم -أصول الدعوة- عن عدة الداعي إلى الله مبتدئين بعون الله بشرح أول جزء هو الفهم الدقيق وما المقصود منه.

المبحث الأول

الفهم الدقيق

العلم قبل العمل

العلم قبل العمل قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ (محمد: 19).. فقدم العلم على العمل. والواقع أن تقديم العلم على أي عمل ضروري للعامل حتى يعلم ما يريد ليقصده ويعمل للوصول إليه. وإذا كان سبق العلم لأي عمل ضروريًّا، فإنه أشد ضرورة للداعي إلى الله؛ لأن ما يقوم به من الدين ومنسوب إلى رب العالمين فيجب أن يكون الداعي على بصيرة وعلم بما يدعو إليه وبشرعية ما يقوله ويفعله ويتركه فإذا فقد العلم المطلوب واللازم له كان جاهلًا بما يريده ووقع في الخبط والخلط والقول على الله ورسوله بغير علم فيكون ضرره أكثر من نفعه وإفساده أكثر من إصلاحه، وقد يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف لجهله بما أحله الشرع وأوجبه وبما منعه وحرمه، فيجب إذن لكل داع إلى الله تعالى: العلم بشرع الله وبالحلال والحرام وبما يجوز وما لا يجوز بما يسوغ فيه الاجتهاد وما لا يسوغ، وما يحتمل وجهين أو أكثر وما لا يحتمل. والعلم ما قام عليه الدليل الشرعي من كتاب الله أو سنة رسوله أو من أدلة الشرع الأخرى. وعلى المسلم أن يستزيد من هذا العلم الشرعي النافع ليعرف موضوع دعوته ليكون فيها على بصيرة وبينة فلا يأمر إلا بحق ولا ينهى إلا عن باطل.

الفهم الدقيق

ومن العلم العزيز النادر الذي يغفل عنه الكثيرون مع دلالة القرآن عليه وتصريحه به والدعوة إليه، علم طريق الآخرة الذي يهيج القلب ويزعجه ويدفعه إلى سلوكه، ويشعر صاحبه بغربته في الدنيا وقرب رحيله عنها إلى سفر بعيد لا يرجع بعده إلى دنياه ولا ينفع فيه زاد إلا التقوى، ولذلك فهو دائمًا مشغول بإعداد هذا الزاد ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾ (البقرة: 197) متطلعًا إلى ما هناك، إلى ما يؤول إليه أمره بعد سفره البعيد، أيكون مصيره إلى نار جهنم، وفي ذلك شقاؤه العظيم، أم يكون مصيره في دار النعيم بجوار الرب الكريم؟ إنه لهذه العاقبة المجهولة يكون دائمًا بين الخوف والرجاء، ولكنه خوف العارف لا الجاهل ورجاء العامل لا الحامل.

إن هذا العلم هو الذي قل وجوده بين الناس وبين طلاب العلم، وبدونه لا يعتبر العالم عالمًا وإن حفظ الشروح والمتون والأحكام وملأ رأسه منها ورددها على لسانه، إن هذا العلم هو لب العلم وغايته وكل مسلم محتاج إليه والعالم أشد حاجة إليه. والداعي أحوج من الجميع إليه.. إن هذا العلم هو الذي نسميه الفهم الدقيق الذي فقهه الصحابة الكرام وأشربت به عقولهم وقلوبهم فضنوا بوقتهم أن يذهب سدى في غير طاعة الله ودعوة إليه؛ فنشطت جوارحهم في العبادة والجهاد في سبيل الدعوة إليه حتى أتاهم من ربهم اليقين.

الفهم الدقيق يقوم على تدبر معاني القرآن

ويقوم الفهم الدقيق على تدبر معاني القرآن وإطالة النظر فيها وترديدها والوقوف عندها والتغلغل في مراميها ومقاصدها، فإن الله تعالى أنزل كتابه ليتدبر الناس آياته لا لمجرد أن يتلوه بلا فهم ولا تدبر. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: 29)، وقال تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24).

إن تلاوة القرآن بتدبر وإمعان تعرف المسلم بالرب الذي يدعو إليه. وطريق الوصول إليه. وما للمستجيب من الكرامة إذا قدم عليه، وتعرفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشيطان وحزبه، والطريق الموصلة إليه، وما المستجيب لدعوة الشيطان من الإهانة والعذاب.

إن هذه المعرفة ضرورية للداعي إذ بها تجعله كأنه في الآخرة وإن كان هو في الدنيا وتميز له بين الحق والباطل في كل ما اختلف فيه الناس تريه الحق حقًّا والباطل باطلًا وتعطيه فرقانًا ونورًا يفرق به بين الهدى والضلال والغي والرشاد وتعطيه قوة في قلبه وحياة وسعة وانشراحًا وبهجة وسرورًا وتعلقًا بالآخرة وعزوفًا عن الدنيا ليصير هو في شأن والناس في شأن آخر.

أركان الفهم الدقيق

- معاني الفهم الدقيق التي تكون دعائمه وأركانه كثيرة، وأهمها في نظرنا اثنان: الأول فهم الداعي غايته في الحياة ومركزه بين البشر. الثاني: تجافيه عن دار الغرور وتعلقه بالآخرة فلنبين المقصود من هذين الركنين.

معرفة الداعي غايته في الحياة ومركزه بين الناس

ما هي غاية الإنسان في الحياة؟ وهل وراء هذه الغاية غاية أخرى؟

أجابنا القرآن الكريم على هذا التساؤل فجعل الناس صنفين: الصنف الأول: يجعلون غايتهم الأكل والشرب والتمتع بملاذ الجسد وليس وراء هذه الغاية عندهم غاية أخرى، فهم يهتبلون فرص العمر وأيامه ليتمتعوا ما وسعهم التمتع، فما بعد هذه الحياة في نظرهم الكليل وقلوبهم الميتة إلا العدم والفناء وهؤلاء شر الخلق وأشقاهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ (محمد: 12) فهم صاروا كالدواب والبهائم لا يختلفون عنها إلا في الصورة والشكل وإلا في دخول النار. تلك هي غاية هذا الصنف أما مركزهم بين الناس، فهو مركز الإضلال والإفساد ومآلهم جميعًا دخول النار قال تعالى ﴿أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (البقرة: 221).

الصنف الثاني: وهم الذين عرفوا الحقيقة والغاية، عرفوا أنهم خلقوا لله لعبادته، وأنهم إليه راجعون، قال تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56) ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ (الانشقاق: 6) فغايتهم عبادة الله وحده ومنها الجهاد في سبيله والدعوة إليه وعمارة الأرض بفعل الخير وهداية الحياري إلى الحق وقيادتهم في دروب الحياة، تلك غايتهم في الحياة الدنيا، ووراءها الغاية العظمى والعليا: وهي مرضاة الله وحده جل جلاله قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج: 77-78). هذه مهمة المسلم في الحياة وغايته فيها، عبادة الله وحده وجهاد في سبيله: يجاهد نفسه حتى يحملها على الطاعة ويبعدها عن المعصية، ويجاهد بقلمه ولسانه وماله ويده في سبيل الله حتى تعلو كلمة الله ويستنير البشر بنور الإسلام. وقد اختار الله تعالى المسلمين لهذه المهمة الخطيرة، مهمة هداية الناس وقيادتهم للحق وإخراجهم من الظلمات إلى النور، فلا مجال للتخلي عن هذه المهمة الشريفة هذه المكرمة العظيمة التي أكرم الله بها المسلمين، بل عليهم أن يقبلوها بالرضى والنهوض بها وشكر الله عليها.

التجافي عن دار الغرور والتعلق بالآخرة

لا شيء أفسد للقلب من التعلق بالدنيا والركون إليها وإيثارها على الآخرة في هذا الفساد يقعد بالمسلم عن التطلع إلى الآخرة والعمل لها، وإتعاب الجسد في سبيل الله والدعوة إليه وهيهات لقلب فاسد مريض أن يقوى على مهام الدعوة إلى الله. إن الدنيا فيها قابلية الإغراء ولهذا وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله «إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء»، وحذرنا الله تعالى من الوقوع في شباكها والتعلق بها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (فاطر: 5).

ووجه الإغراء في الدنيا والاغترار بها أن فيها مباهج وملذات يحس بها الإنسان بجميع حواسه وتهواها نفسه بطبيعتها، وتؤثرها على ما سواها- ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ (القيامة: 20-21). فإذا تركت النفس وشأنها زاد تعلقها والتصاقها بها حتى تصبح هي كل غايتها ومنتهى أملها ومبلغ علمها - ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ (النجم: 29-30). وإذا ما وصلت النفس إلى هذا الحد فقدت حاسة القبول والاعتبار وعند ذاك لا يجدي معها وعظ ولا تذكير وبالتالي وبالبداهة لا يصلح صاحب هذه النفس أن يكون داعيًا إلى الله.

فما هو العلاج لتخليص القلب من أسر الدنيا وتعلقه بها؟ العلاج في ذلك تيقن زوال الدنيا ومفارقتها وتيقن لقاء الآخرة وبقائها ثم يقارن بين الأمرين فيؤثر الآخرة على الدنيا. قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (القصص: 60)، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (النساء: 77)، ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (النحل: 96) وأن يحضر في ذهنه هذا الذي تيقنه. وهذه الغاية واستحضارها في الذهن لا تكفي وحدها بل لا بد من قطع التسويف وطول الأمل حتى يحس بالغربة في هذه الدنيا. وأنه قد يرحل عنها في أية ساعة، وقال صلى الله عليه وسلم «إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح».. وقال عليه الصلاة والسلام: «ما لي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها».

وإذا وسوس له الشيطان وألقى في روعه أنه شاب قوي موفور الصحة العافية، فليطرد وسواسه باستحضار الشباب الذين رحلوا وهم الآن تحت الثرى، وإذا لج الشيطان في وسوسته فليخرج إلى المقابر ويستنطق الراقدين كم فيهم من الشباب الذين شربوا كأس الموت مبكرين، ثم ليرجع إلى محلته وليعد شيوخ وكهول بلده فسيجدهم أقل من عُشر رجال بلده، ومعنى ذلك أن الموت في الشباب كثير لم ينج منهم إلا القليل وهم الكهول الحاضرون.

فإذا قصر أمله في الحياة انبعث إلى التجهز للآخرة بعمل الطاعات إذ لا يدري متى ينادي عليه بالرحيل.

فإذا تخلص الداعي المسلم من التعلق بالدنيا وأفرغ ما في قلبه من سمومها وأقبل على الآخرة أحس بغربة شديدة في الدنيا، ولكن مع خفة في روحه وإقبال شديد على مراضي ربه وعلى رأسها الدعوة إليه وهداية الحياري من عباده، لا يعيقه عن ذلك تعب ولا نصب ولا ألم ولا سفر ولا سهر ولا بذل ولا تضحية؛ لأن ذلك كله من الزاد المؤكد نفعه وفائدته في سفره الطويل البعيد إلى الآخرة، بل إنه سيجد في تعبه راحة، وفي ألمه لذة وفي بذله ربحًا وفي تضحيته عوضًا مضمونًا.

وليس فيما أقوله خيالًا أو مبالغة، فإن الغريب عن أهله الذي طالت غربته عنهم ازداد شوقه إليهم سيجد لذة وهو يعد أسباب سفره إليهم، وإن كان في إعداد ذلك تعب لجسمه وسهر في ليله، ومن جرب عرف..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

123

الثلاثاء 16-يونيو-1970

دعوة الإسلام في ترنداد

نشر في العدد 14

127

الثلاثاء 16-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 14

نشر في العدد 59

138

الثلاثاء 11-مايو-1971

حوار مع الشيطان