العنوان شجون سودانية حول التآمر الدولي والغياب العربي
الكاتب صلاح عبدالمقصود
تاريخ النشر السبت 23-مايو-2009
مشاهدات 45
نشر في العدد 1853
نشر في الصفحة 28
السبت 23-مايو-2009
- الصين وماليزيا والهند وتركيا تستثمر في السودان وتجني أرباحًا وفيرة.. وأموال العرب ضائعة في الأسهم والبنوك.
- استياء شديد من دعوة وزير الخارجية المصري لعقد مؤتمر دولي حول السودان دون تنسيق أو تشاور مع الخرطوم.
- علي كردي في الماضي طلب نميري من السادات زراعة القمح في السودان لتحقيق الاكتفاء الذاتي.. فرد عليه قائلا : أمريكا لن توافق!
السودان رغم موقعه الجغرافي المهم حيث الحدود مع تسع دول، ورغم أرضه الخصبة التي تزرع نسبة كبيرة منها بالأمطار. ورغم ثرواته الغنية، سواء الحيوانية أو الزراعية، وأخيرًا البترولية.. رغم كل ذلك فإنه لا يزال فقيرًا وغير مستقر!
القلاقل ودعوات الانفصال قديمة في السودان، إذ بدأت في الجنوب عام ١٩٥٥م - أي قبل استقلال السودان بعام - وكانت تهدأ وتثور، إلى أن تصاعدت وتيرتها عام ۱۹۸۳م، وأوشك المتمردون على الوصول إلى العاصمة الخرطوم.
وجاءت حكومة البشير عام ١٩٨٩م التعامل مع هذا الملف بصورة فاعلة بالحرب تارة وبالتفاوض تارة أخرى لكن الإنجاز الذي حققه الجيش السوداني وسيطرته على العديد من المناطق الإستراتيجية التي كانت بحوزة الحركة الشعبية لتحرير السودان أجبرت الحركة على الجلوس إلى مائدة. المفاوضات، فكانت «اتفاقية نيفاشا» التي أسفرت عن تقاسم السلطة والثروة.
بعد أن هدأت الحرب في الجنوب جاءت أحداث التمرد في إقليم «دارفور» التدخل بالسودان في مأزق جديد وصل إلى حد صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية باعتقال الرئيس عمر البشير ومحاكمته إضافة إلى صدور قرار اعتقال بحق اثنين آخرين هما: «أحمد هارون»، وزير الدولة للحقوق الإنسانية بوزارة الداخلية، و«علي کوشیب»، قائد میلیشیات «الجنجويد»، إضافة إلى الاتهام الموجه إلى تسع وأربعين شخصية سودانية أخرى بارتكاب جرائم حرب ضد أهالي دارفور.
مواقف متباينة
في زيارتي الأخيرة للخرطوم – ضمن وقد رابطة الصحافة الإسلامية، الذي ضم سبعة من الكتاب ورؤساء التحرير العرب- التقيت بالرئيس عمر البشير وعدد من القيادات الرسمية والشعبية.
لاحظت - من خلال لقاءاتي - أن الشارع السوداني في غالبيته رافض لقرار المحكمة الجنائية، لكن ثمة أقلية يمثلها حزب المؤتمر الشعبي بقيادة الدكتور حسن الترابي شريك الحكم السابق - يرى ضرورة تسليم الرئيس وخضوعه للمحاكمة.
وثمة فريق ثالث يمثله حزب الأمة (أقدم الأحزاب السودانية برئاسة الصادق المهدي - رئيس الحكومة السودانية الأسبق - الذي يرفض تسليم الرئيس البشير باعتباره رمز الدولة السودانية وسيادتها، لكنه في الوقت نفسه يطرح حلًا للأزمة يتمثل في إنشاء محاكم سودانية تتصدى لمحاكمة المتهمين من قبل المحكمة الجنائية بارتكاب جرائم حرب.
مرارة شديدة
مواقف القوى السودانية من الأزمة دفعني للبحث عن تقييم السودانيين للمواقف العربية والدولية، سألت الرئيس البشير في لقائنا معه عن تقييمه للدور المصري فرد باقتضاب شديد واصفًا إياه بالإيجابي، مضيفا أن «الرئيس مبارك وجه عددًا من القانونيين وعلى رأسهم د. مفيد شهاب، والسفير نبيل العربي، وكلفهم ببذل الجهد القانوني في هذه الأزمة بحكم علاقات مصر مع الغربيين والأوروبيين، وبالتالي فقد بذل جهدًا كبيرًا».
ما لم يقله الرئيس البشير قاله غيره من القيادات السودانية التي لا تقيدها الدبلوماسية، فقد عرفنا أن السودانيين يشعرون بمرارة شديدة من ممارسات المسؤولين المصريين، ومنها على سبيل المثال:
قيام وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط، والوزير عمر سليمان - قبل أسابيع - بالسفر إلى الجنوب السوداني مباشرة دون التوقف بالخرطوم، والاجتماع بقادة حكومة الجنوب قبل الاجتماع بالرئيس عمر البشير وهي الواقعة التي يعتبرها السودانيون سابقة في تاريخ العلاقات المصرية - السودانية.
ذكروا أيضًا - بلوم شديد - الدعوة التي أطلقها وزير الخارجية المصري لعقد مؤتمر دولي حول السودان بعد صدور قرار المحكمة الجنائية الخاص بالرئيس البشير، وقالوا : «إن (الزول) أبو الغيط لم ينسق أو يتشاور مع أشقائه السودانيين قبل هذه الدعوة، وكان تصرفًا أحاديًا من جانبه».
قمة الدوحة
العاتبون ذكروا أيضًا بحزن أن عمرو موسى . الأمين العام لجامعة الدول العربية - زار السودان مقترحًا عليهم تبني طلب تجميد قرار الجنائية الدولية لمدة عام، وليس رفضه أو إسقاطه، وهو ما يعني إقرار السودان بطلب المحكمة وخضوعه للابتزاز طيلة هذا العام!
إضافة إلى ما سبق فقد سمعت من الدكتور الطيب مصطفى - وزير الاتصالات السوداني السابق أن الشقيقة مصر بذلت جهودا كبيرة لإثناء الرئيس عمر البشير عن حضور قمة الدوحة، واستخدمت في ذلك أساليب الترهيب والترغيب!
وأوضح الطيب أن الرئيس مبارك رفض حضور القمة وخفض مستوى تمثيله لدرجة أن وزير خارجيته لم يشارك فيها، وكانت مصر تتبنى موقفًا مختلفًا عن موقف القمة الذي خرج رافضًا لقرار المحكمة، لكنها عدلته أثناء المناقشات.
الموقف العربي في المقابل، تحدث إلينا «علي كردي»
وزير الدولة للشؤون الخارجية - معبرًا عن ارتياحه للموقف العربي الذي تجسد في قرار القمة العربية، قائلا: «إن قضية السودان مثل قضية فلسطين يجب الالتفاف حولها؛ لأن هذا الالتفاف لا يعود بالفائدة على السودان فقط بل تعود فائدته على دولنا العربية والإسلامية».
وأضاف: «لقد عشنا فترة من الزمن في مرحلة المشاهدة، فالكل يتابع ما يحدث في فلسطين والعراق وغيرهما من الدول، وتعلم جميعاً ما آلت إليه الأوضاع».
وقال : «إننا وجدنا في أزمتنا مساندة عربية وإسلامية وأفريقية ودولية، ونتمنى أن تستمر هذه المساندة لنستطيع مواجهة الاستعمار الغربي ودوائره السياسية والإعلامية».
وسألته عن الاستثمار في السودان فذكر أن حوافزه كثيرة، وعوائده تفوق عوائد الاستثمار في دول أخرى، لكنه عتب على الدول العربية التي تحجم عن الاستثمار في السودان، مشيرا إلى أن دولًا غير عربية دخلت باستثمارات كبيرة للغاية في السودان وهي على التوالي الصين، فماليزيا، فالهند وتركيا .
التكامل الزراعي
عدت فسألت الوزير «علي كردي» عن المشروع المصري الليبي السوداني الخاص بزراعة
خمسة ملايين فدان وتوطين مليون فلاح مصري بتمويل ليبي فرد علي الوزير بقصة مفادها : أن الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري كان قد طلب من الرئيس المصري الراحل أنور السادات - دخول مصر إلى شمال السودان للاستثمار - في زراعة القمح الذي يمكن أن يسد حاجة .
مصر والسودان فرد عليه السادات بقوله: «أمريكا لن توافق على ذلك مما يدل على وجود سياسات تضع العراقيل في وجه هذا النوع من الاستثمار.
الرغبة في التعاون بين مصر والسودان والتكامل بين البلدين خصوصًا في مجال الزراعة والاستثمار تجدها عند معظم القيادات السودانية حتى أن وزير الاتصالات السابق، ورئيس منبر السلام د. الطيب مصطفى قال لي: إن مصر والسودان بلد واحد، كان يسمى بوادي النيل، والذي قسمه هو الاستعمار الإنجليزي.. لقد قطع هذا الاستعمار ما أمر الله به أن يوصل، وهو مصر والسودان، ووصل ما كان ينبغي أن يقطع وهو شمال السودان وجنوبه»...
وحدة السودان
سألت د. الطيب هل معنى ذلك أنك تعارض وحدة شمال السودان وجنوبه؟
فأجاب: «نعم؛ لأننا لم نجن من الجنوب إلا الخسارة.. وأؤكد لك أن الانفصال من مصلحة السودان بل إن جنوب السودان الآن منفصل، فلا يحق للرئيس السوداني أن يعين خفيرًا في الجنوب حيث حكومته المستقلة هي التي تدير شؤونه.. واصبح الجنوب محكوما من الحركة الشعبية لتحرير السودان، وإذا سألت تحرير السودان من ماذا؟ تجد الإجابة: تحريرها من الوجود العربي الإسلامي!».
وأضاف الطيب قائلاً: الرئيس السوداني الآن يحكم شمال السودان، لكن الحركة الشعبية تحكم جنوب السودان وتشارك بنسبة كبيرة في حكم شمال السودان والدليل أن رئيس حكومة الجنوب هو النائب الأول للرئيس السوداني عمر البشير، وهذه مشكلة ... حسب تعبير الطيب مصطفى.
سألت وزير الشؤون الخارجية علي كردي عن رأيه في كلام الطيب مصطفى فقال: «هذه هي وجهة نظره، لكننا - كحكومة - مع وحدة السودان ونرى أنها ضرورة».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل