; شخصية «الحمار» في الفكر وأدب (7) الحمار يفكر | مجلة المجتمع

العنوان شخصية «الحمار» في الفكر وأدب (7) الحمار يفكر

الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة

تاريخ النشر السبت 26-نوفمبر-2011

مشاهدات 57

نشر في العدد 1978

نشر في الصفحة 46

السبت 26-نوفمبر-2011

  • المسرحية تعالج «أزمة الفكر التي عاشتها مصر بعد كارثة ١٩٦٧م.. حيث كان الفكر مهترئًا مريضًا منحرفًا مقلوبًا
  • في غيبة الوعي يكون الهروب بالإبداع الشكلي إلى الشعارات التي تناقض واقع الناس

نعم الحمار يفكر ويفكر.. وتبدو علامات التعجب والاستفهام الكبيرة على وجه المؤلف توفيق الحكيم.. تفكر؟!

فيجيب الحمار:

- مثلك تمامًا، ألم يقل فيلسوفكم: «أنا أفكر؛ إذاً فأنا موجود؟»، وأنا أقول له: «أنا موجود؛ إذًا أنا أفكر» (ص ١٥،19)

والمسرحية تعالج «أزمة الفكر» التي عاشها المواطن المصري وعاشتها مصر كلها بعد النكسة الرهيبة «نكسة ١٩٦٧م»، حيث كان الفكر مهترئًا مريضًا متثائبًا.. وأخطر من ذلك أنه كان منحرفًا مقلوبًا، والأقصى من ذلك أنه كان «فكر تبرير»، ولم يكن «فكر إبداع وتحرير»، وسخر الحكيم بمرارة من هذا الفكر ومن أصحابه على لسان الحمار:

- الحمار: سأعرض عليك بعض ما أعرف عنك وعن غيرك من الحمير.

- المؤلف: غيري من الحمير؟!

الحمار عفوًا.. أقصد غيرك من المفكرين المؤلفين، فربما خطر لي أنا أيضًا أن أؤلف، ولكن قبل ذلك يجب أن أفكر وقبل أن أفكر يجب أن أقرأ وأن أطلع ولقد اطلعت بالطبع على الكثير من حكايات إخواننا الحمير.. أقصد إخواني.

سأقص عليك بعضها هنا، أما تفكيري فقد أدى أخيرًا إلى النظر في معاني حكاياتكم ومغازيها، ومنها ما جاء في ألف ليلة وليلة، وأهمها ما دار حول شهرزاد وشهريار، وأظن أنك كتبت شيئًا عن شهرزاد لعلها تمثيلية (ص١٦)

الشخصية الإيجابية

والحمار في هذه المسرحية له «شخصيته الإيجابية»، في وقت كانت السلبية هي السمة المميزة للسلوك العام في الفكر والأدب والسياسة والجيش كان كل مواطن يسأل عن «الحل»، وكأني بالحكيم يريد أن يقول: إن الحل ليس مستحيلًا إنه في التغيير والتجديد، يجب أن تعرف ماذا تريد، وكيف تحقق ما تريد من عيوبنا أننا قادرون على «فتح مسائل»، و«إثارة أمور» بالسياسة والأدب والدين والمجتمع ولكن عيبنا الجوهري في عدم حسم ما نثير نبدأ ولا نختم ونفتح ولا نغلق، وننقد ولا نحل، ونبرر ولا نقرر.. وفي أسلوب رمزي كثف الحكيم هذه المشكلة الجذرية على لسان الحمار بنقده للحكيم بأنه أنهى مسرحية شهرزاد بأن جعله يهجر زوجته، ويترك قصره ويخرج هائمًا على وجهه في الخلاء.

- المؤلف: بالضبط.

- الحمار لم تقل لنا: ماذا فعل بعد ذلك؟ وماذا وجد في الخلاء؟ ومن قابل هناك؟ وكيف عاش؟

- المؤلف: هذا فعلًا ما لم أفكر فيه.

- الحمار أنا أفكر لك، وقد فكرت في ذلك، واسمح لي أن أعرض عليك نتيجة تفكيري، وأرجوك أن تتابع في صمت تسلسل فكري، وتصوري لما حدث لشهريار في الخلاء. (ص ۱۷).

وفي بيئة الأحداث التي سيتحرك فيها شهریار بهيئة جديدة»، لم يكن هناك إلا «الخلاء»، والشجيرات البرية واللصوص وقطاع الطرق، وشيخ المنصر. 

ويعيش «الفكر المريض» في وهم على «الإبداع الشكلي»، والانتفاشات اللامعة التي لا تدل على الواقع الموجود»، بل هي منفصمة عنه تمامًا، بل هي تتناقض معه تناقضًا واضحًا...

ويستعير الحكيم من المعجم السياسي ما يبين عن هذه المفارقة الهائلة بين الاسم والمسمى فاللص عضو محترم (ص ۱۸)، وأفراد العصابة أعضاء محترمون (ص٣٤)، والسطو الذي تقوم به عصابة ضليعة في الإجرام وقطع الطريق يُدعى «جباية» (ص ۱۸)، والعقل المفكر للعصابة يُدعى «المستشار العلامة» (ص ۱۸)، والأسلاب تدعى «مكافآت» (ص ۱۸).

شريط الاختلال

ويستمر شريط الاختلال وقلب الموازين والإسفاف الخسيس كما نرى في الحوار التالي:

- اللص النحيف نباشر عملنا كما ترى بهمة وذمة.

- اللص الضخم ونقوم بالجباية.. الجباية.

- اللص النحيف نعم وجبينا المال وجاء «علي بابا» واختلس مالنا، وأصبح مواطنًا محترمًا.

من إذا الأحق بلقب «المواطن المحترم»؟! نحن الذين اجتهدنا في جمع المال أم «علي بابا» الذي استغفلنا ونهبنا؟ فهمت الآن لماذا أنت عضو محترم. (ص ۲۰)

ولكن الحكيم يرتقي بالرمز إلى آخر مداه الرمز بثلاثيته المعروفة الرمز بالشخصية والرمز بالموقف والرمز بالكلمة.

 في هذه الفترة وخصوصًا سنة ١٩٦٧م وما تلاها، كانت مصر تعيش تجاه هذه التخبطات بلا وعي وفي هذه الفترة كتب الحكيم كتابه «عودة الوعي»، وفيه قال الحكيم: «إن هذه السطور ليست تاريخًا، إنما

هي مشاهد ومشاعر استرجعت من الذاكرة، ولا تستند إلى مرجع آخر للفترة ما بين هذين التاريخين من يوم الأربعاء ٢٣ يوليو ١٩٥٢م إلى يوم الأحد ٢٣ يوليو ۱۹۷۲م، وكانت القيادة تحرص على تحقيق الهدف بلا استعداد أو تأهل بالتهويش لا بالعمل الفعلي، وما قاله الحكيم باللسان السياسي المباشر في عودة الوعي قاله بطريقة الفنان على لسان اللص النحيف مخاطبًا شهریار:

- يظهر أنك مغفل أو أنك شجاع، والأصح أنك مغفل؛ لأنك واقف هنا بغير سلاح وبغير متاع الحمير ص (۲۲).

ويقول كذلك عن شهریار:

- إنه في آخر أيامه كان مخبولًا كما شاع عنه كثير الوحدة والشرود لذلك استحق أن يموت. (ص ۲۳).

عودة الوعي

ويقول الحكيم عن قائد الأمة يوم ظهر للناس يوم 9 يونيو ١٩٦٧م المشهور : وكان أكرم له وأعظم لو أنه اختفى عن أنظارنا في ذلك اليوم ولم يواجهنا بالكلام» «عودة الوعي، ص ٦٦»، إنه كان من الطبيعي أن تنتهي ثورة ١٩٥٢م والنظام الذي خرج منها بوقوع هزيمة ١٩٦٧م. ويكاد الحكيم يترك مجال الرمز البعيد إلى مجال الكشف القريب، ويتخلى عن التلميح ويدخل دائرة التصريح، وهو يصور فئتين من اللصوص يجمعهما «منطق التبرير الاختلالي الذي يعني تسمية الأشياء بغير أسمائها كما ذكرنا من قبل، فكل مظاهر الشر يطلق عليها كلمة «الخير»، ولكن التنافس والتطاحن قائم بينهما على قدم وساق من أجل الحصول على القدر الأوفى من الأسلاب والغنائم. 

والفئة الأولى هي فئة المنصر، اللصوص «اللاقانونيين» الذين يهجمون ويضربون ويسليون ويقرون.

والفئة الثانية: هي فئة اللصوص «القانونيين»، أو الصوص الدولة الذين يسرقون في طمأنينة وثقة:

- شيخ المنصر: لعنة الله على الجهل، كنا نسمي أنفسنا عصابة، ويقال عنا منصر، باللخزي والعار!

- العلامة مستشار العصابة لكن مع ذلك يجب أن نفطن إلى نقطة مهمة؛ نحن لسنا وحدنا.

- شيخ المنصر: ماذا تقصد؟

- العلامة: هناك أناس غيرنا سبقونا في «الكار»، وينافسوننا في المضمار، ولن يعترفوا لنا بهذه الأوضاع الجديدة. 

- شيخ المنصر: من هم؟

- العلامة أولهم الملك شهريار ودولته وجنده، إنه يجمع قبلنا هذا الإيراد ويملأ به خزائنه

- شيخ المنصر: وهل يدفع للناس نصف الإيراد مثلنا؟

- العلامة: لابد أنه يدعي ذلك.

- شيخ المنصر: نزايد عليه.

- العلامة جنده أقوى من رجالنا، ثم إنه سيعتقد أنك ترمي إلى إسقاطه عن العرش

والجلوس مكانه. (ص ۲۸)

الفكر المريض

وفي غيبة الوعي ومع الفكر المريض يكون الهروب بالإبداع الشكلي إلى الشعارات التي تناقض الواقع الفعلي الذي يعيشه الناس، لقد كان النشيد القومي للمنصر:

نحن منسر من نار *** نحمل الــســيــف الــبـتـــار

من يقف في وجهنـــا *** نبتليه بالدمار

 فيقترح شهريار نشيدًا جديدًا يتفق مع المبادئ الجديدة

نحن أصحاب المبادئ *** نحن حراس الشرف

من يقل إنـــــــــا لــصــوص *** نبتليه بالقرف

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 55

107

الثلاثاء 13-أبريل-1971

حوار مفتوح.. أزمة المثقفين

نشر في العدد 1558

68

السبت 05-يوليو-2003

المجتمع التربوي (1558)

نشر في العدد 847

68

الثلاثاء 15-ديسمبر-1987

الفكر الإسلامي إلى أين؟