; شرط العلم أساس «وجوب» التقنين في عصرنا الحاضر. | مجلة المجتمع

العنوان شرط العلم أساس «وجوب» التقنين في عصرنا الحاضر.

الكاتب توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-2001

مشاهدات 70

نشر في العدد 1436

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 30-يناير-2001

قراءة تحليلية للموسوعة العصرية للفقه الجنائي الإسلامي (٨)

الإيمان بالله واليوم الآخر هو قمة التكاليف الشرعية، على المجتمع أن يوضح لأفراده المعاصي التي تستحق جزاء جنائيًا.

العلم بالتحريم شرط أساسي للمسؤولية الجنائية في شريعتنا، والمفروض أن المجتمع لا يمكن أن يعاقب شخصًا على فعل إلا إذا أعلمناه أولًا بتحريمه، ولذلك فالتعليم والعلم والإعلام فريضة في الإسلام على المجتمع وعلى الفرد ذاته.

وشريعتنا توجب علينا أن نعلم الفرد ما المعاصي التي سيعاقب عليها إذا ارتكبها، وقد بينا في حاشيتنا -على كتاب الشهيد عبد القادر عودة- أن ذلك المبدأ هو الذي يجعل تقنين التعازير واجبًا على الجماعة ومن يمثلونها في العصر الحاضر؛ لأنه أصبح ضروريًا لتسهيل أسباب العلم، وإن كان الفقه قد سار في الماضي على أنه يكفي وجود النصوص التكليفية التي تحرم المعاصي، فإن ظروف زماننا قد اختلفت عما كان في الماضي.

إن الإسلام يلزمك بالتعليم والعلم وبعد العلم يمنحك الله الاختيار الحر؛ أي القدرة على الالتزام الطوعي بهذا السلوك القويم سواء كنت فردًا أو جماعة، فإذا انحرفت بعد ذلك كله فأنت شاذ تحتاج إلى ردع وزجر بالعقوبة، أو الجزاء الشرعي والديني يوم القيامة.

والتكاليف التي يفرضها فقهنا وشريعتنا تتسع لكثير من نواحي الحياة الفردية والاجتماعية يخرج كثير منها عن نطاق القوانين الوضعية العصرية.

أول هذه التكليف التي تفرضها شريعتنا هي العبادات، وكثير منها أعمال وتكاليف فردية، لكن أهمها هي التكاليف الجماعية، مثل الحج وصوم رمضان، والصلوات الجماعية والزكاة وجميع العبادات لها جانب فردي وجانب اجتماعي، وكلاهما لا تعتني به القوانين الوضعية.

وقمة هذه التكاليف هي العقيدة التي يقصد بها الإيمان بالله وبالحساب والجزاء في اليوم الآخر وبرسالة الإسلام وشريعته.

 إن شريعتنا تهتم أولاً بالأمر والنهي، والتحليل والتحريم، وهذا هو ما يسمى في فقهنا الحكم التكليفي، المخاطب به المكلف دينيًا وخلقيًا، دون تحديد الجزاء الجنائي أو القضائي؛ لأن الجزاء الأساسي العام لكل خروج على الأحكام التكليفية هو الجزاء الأخروي يوم الحساب، وهذا هو معنى وصف الشريعة بأن لها طابعًا دينيًا؛ أي أن الجزاء الأساسي فيها هو في الآخرة.

 وللعقيدة أهمية كبرى في التشريع؛ لأنها هي التي تجعل المكلفين يلتزمون أحكامها طوعيًا خوفًا من الحساب والجزاء يوم القيامة دون حاجة للقضاء والجزاء الجنائي إلا في حالات استثنائية.

  والله -سبحانه وتعالى- أعلن إنه لا يعاقب الناس إلا بعد أن يرسل لهم الرسل لينذروهم ويرشدوهم إلى طريقالحق والعدل والصواب، وقد بنى الشهيد عبد القادر عودة على ذلك قوله عن مبدأ الشرعية الذي يُقصد به أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بعد صدور أمر بتحريم الفعل والعقاب وعلم كل فرد بذلك أو تمكينه من هذا العلم، واستنبطنا من ذلك أن المجتمع عليه واجب أن يسهل لأفراده سبل العلم بالمعاصي التي تستحق جزاء جنائيًا، وقد أصبح من المسلم به في عصرنا أن ذلك يستلزم بيانها في مجموعة مقننة ومعروفة تسمى التقنين أو المجلة أو المدونة- وهذا ما نسميه واجب التقنين.

إن فقيهنا خطا الخطوة الأولى، وقرر في كتابه أن التقنين جائز في شريعتنا، ونحن خطونا الخطوة الثانية، وقلنا إنه ليس جائزًا فقط، بل أصبح واجبًا فيعصرنا.

وأهم أسباب الوجوب في نظرنا أن أسلافنا تركوا لقضاة زمانهم سلطة التعزير؛ لأنهم كانوا يشترطون فيهم أن يكونوا مجتهدين فهم كانوا يقومون بالتعزير باعتبارهم من الفقهاء المجتهدين.

 لكن قضاة عصرنا لم يعودوا مجتهدين، بل هم مقلدون ولذلك فإن على الفقهاء والمجتهدين أو أهل الاجتهاد أن يبينوا لهؤلاء القضاة المقلدين ولعامة الناس الأفعال التي تستحق التعزير والجزاء الذي يستوجبه كل منها- وهذا هو ما نسميه في عصرنا بالتقنين.

وإذا كان التقنين واجبًا في التعازير فهو في الحدود أوجب؛ لأن عقوباتها بدنية قصوى- وهي حقوق لله تعالى، ولذلك فإن لها أحكامًا خاصة يجبأن تبين في التقنين، وأهمها ما يتعلق بحالة التوبة التي يترتب عليها سقوط الحد مع بقاء التعزير.

 وفضلًا عن ذلك، فإن هناك خلافات فقهية قديمة وجديدة بشأن عدد الحدود لا بد من أن يفصل فيها التقنين ولا تترك لاجتهاد القاضي، وخصوصًا إذا كان القضاة مقلدين كما هو الحال في عصرنا والعصور التالية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 547

117

الثلاثاء 20-أكتوبر-1981

اتقوا دعوة المظلوم

نشر في العدد 1332

70

الثلاثاء 29-ديسمبر-1998

المجتمع الثقافي (1332)

نشر في العدد 1233

69

الثلاثاء 07-يناير-1997

المجتمع التربوي (العدد 1233)