ترجمة: جمال خطاب
منتجات «البوليستيرين الرغوية » التي تُستخدم في تعبئة الأطعمة لا يوجد ما يضر بالبيئة الحيوية أكثر منها.. فهي لا تفنى ولكن تتقطع إلى قطع صغيرة جداً تخنق الحيوانات وتضر بالحياة البحرية وتطلق مادة «البنزاين » المسببة للسرطان لألف سنة أو أكثر
ما نظنه أن «سكر الذرة » ليس إلا منتجاً من القطران والفحم يخلو من القيمة الغذائية وضار جداً بالصحة
الولايات المتحدة هي الدولة المتقدمة الوحيدة التي تسمح ببيع حليب الأبقار التي تعطَى هرمونات النمو الاصطناعية
باستخدام البذور العقيمة تضع التكنولوجيا الحيوية المزارعين الأكثر فقراً في العالم في شكل جديد من العبودية.. العبودية الجينية
آه يا «مونسانتو ».. كم أنت خبيثة! تحاولين دائماً أن تقنعينا بأنك ملتزمة بالزراعة المستدامة مع إعلاناتك الدائمة في الإعلام الأمريكي التي تدعي الحكمة، حتى وأنت تفرضين بذورك العقيمة «فرانكن سيد » التي أعدت وعولجت في مختبراتك، والتي تنتهي صلاحيتها كل عام؛ «أي أنها غير مستدامة، كما تدعين .
لكن ينبغي ألا نفاجأ برسالتك، فأنت على أي حال تقومين بذلك منذ عقود عدة، منذ فترة طويلة برعاية شركات مثل «ديزني تومورو لاند »، وشركات أخرى ساعدت في إمطارنا بسموم ال «دي دي تي »، والواضح أنه قد سمح لك بإرسال منتجاتك ونشرها في العالم بلا قلق على البيئية أو الصحة طالما كنت تنفقين قليلاً من هذه الأموال - بشق الأنفس - لإقناعنا بخلاف ذلك.
في هذه العجالة، دعونا نلقي نظرة سريعة على بعض المساهمات العملاقة في مجال التكنولوجيا الحيوية الأكثر إثارة للريبة، والأكثر ضرراً للمجتمع على مدى القرن الماضي في مجال الأعمال التجارية الخاصة بهم.
أولاً: «السكارين :»
فاجأت «مونسانتو » العالم في عام 1901 م بمادة «السكارين » التحلية الاصطناعية، وقامت ببيعها لشركة «كوكا كولا » وشركات الأغذية المعلبة كبديل للسكر. وفي وقت مبكر من عام 1907 م، اكتشفت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية ما لهذه المادة من آثار صحية ضارة.
كل الذين يتناولون «الحلوى المعلبة » مخدوعون إن اعتقدوا أنها «سكر الذرة ،» ويقول «هارفي وايلي »، المفوض الأول لإدارة الأغذية والعقاقير: «من يعتقد أنه كان يأكل سكراً؛ فهو مخدوع، إنه في واقع الأمر يتناول منتجاً من القطران والفحم يخلو تماماً من القيمة الغذائية، وضار جداً بالصحة .» وبعد عقود من الاستمتاع بالاستهلاك غير المقيد، تقرر في السبعينيات من القرن الماضي أن يباع «السكارين » مع تحذير مكتوب
على غلافه، وذلك بعدما اكتشف أنه يسبب السرطان، عند تجريبه على فئران التجارب.
ومع ذلك، خاضت شركة «مونسانتو » معركة لثلاثة عقود؛ لتعكس وتغير القرار، وفازت بما تريد في عام 2001 م، ولكن ورغم كل شيء، كيف يمكن لمنتج مشتق من القطران والفحم أن يكون آمناً للاستهلاك؟
ثانياً: منتجات «البوليستيرين »:Polystyrene في أربعينيات القرن الماضي، انتقلت شركة «مونسانتو » إلى إنتاج البلاستيك المستخرج من النفط، بما في ذلك ما يسمى ب «رغوة البوليسترين » المعروف أيضاً باسم «الستايروفوم»، ومعظمنا يدرك الآن، أن «رغوة البوليسترين » تشكل كارثة بيئية، إذ لا يوجد ما يضر بالبيئة الحيوية أكثر منها، فهذه المادة لا تفنى، ولكنها تتقطع إلى قطع صغيرة جداً تخنق الحيوانات، وتضر بالحياة البحرية، وتطلق مادة «البنزاين » المسببة للسرطان في البيئة لمدة ألف سنة أو أكثر.
وكما يقول «هارون بسكين »، رئيس مجلس مشرفي سان فرانسيسكو في عام 2007 م: «تعتمد منتجات «البوليستيرين » الرغوية على مصادر إنتاج غير متجددة النفط، وهي غير قابلة للتدمير تقريباً، وتترك إرثاً ثقيلاً
من التلوث على بيئتنا الحضرية والطبيعية ..»
وعلى الرغم من الأدلة الدامغة ضدها، فإن هذه الحاويات التي تستخدم في تعبئة الأطعمة، الضارة المصنعة من «البوليستيرين » لا تزال منتشرة في أماكن شتى من أنحاء البلاد، والمثير للدهشة، أن الجمهوريين صوتوا في «الكونجرس » الأمريكي لصالح إعادة إنتاجها، ليعاد استخدامها في الكافتيريات في أنحاء البلاد.
ثالثاً: «العامل البرتقالي Agent Orange:
في البداية تم تطويره باعتباره مبيداً للأعشاب وأوراق النباتات، ولكن العامل البرتقالي سيئ السمعة استخدم فيما بعد كسلاح عسكري من قبل الجيش الأمريكي خلال حرب فيتنام؛ لإزالة أوراق الشجر الكثيفة من أشجار الغابات.
في هذه العملية، تم إلقاء أكثر من 12 مليون جالون من كوكتيل المواد الكيميائية القوية، التي وصفها عالم الأحياء «آرثر جالستون ييل » بأنها «ربما أكثر الجزيئات سُمية، وأكثر التوليفات التي ابتكرها الإنسان ضرراً »، وقد تم رشها على البلدات والمزارع، وإمدادات المياه خلال فترة تسع سنوات، هي فترة الحرب على فيتنام.
يقول «د. جيمس ر. كلاري »، وهو عالم سابق في فرع الأسلحة الكيميائية التابع للحكومة: «عندما بدأ «العلماء العسكريون » برنامج المبيدات في الستينيات، كنا على بينة من حدوث ضرر مؤكد بسبب التلوث بمادة «الديوكسين » الموجودة في المبيدات، ومع ذلك لأن هذه المادة كان سيتم استخدامها مع «العدو »، لم يكن أحد منا قلقاً من استخدامها».
ووفقاً لوزارة الشؤون الخارجية الفيتنامية، فإن عدم الاهتمام ذاك، أدى إلى تعرض 4.8 مليون نسمة لمبيدات الأعشاب،
جنباً إلى جنب مع 400 ألف حالة وفاة، و 500 ألف ولدوا بتشوهات خلقية.
رابعاً: هرمون «النمو البقري» Bovine Growth Hormone:
هل تعلم أن الولايات المتحدة هي الدولة المتقدمة الوحيدة التي تسمح ببيع حليب الأبقار التي تُعطَى هرمونات النمو الاصطناعية؟
ومع استثناء وحيد، البرازيل، فإن بقية دول العالم المتقدمة، بما فيها جميع البلدان ال 27 في الاتحاد الأوروبي وكندا ونيوزيلندا، وأستراليا، حظرت استخدام هرمون النمو في الحليب الموجه للاستهلاك البشري.
* لماذا يكره الجميع هرمون الحليب؟
الحليب المستمد من الأبقار المحقونة بالهرمون يظهرُ مستويات أعلى من الهرمونات المسببة للسرطان، وهو منخفض القيمة الغذائية، الأمر الذي أدى بالمحاكم الأمريكية للحكم لصالح وضع علامات ليبل منفصلة على الحليب الخالي من الهرمونات.
ويقول «د. جانما دافاسامبوا»، الباحث في جامعة «هارفارد» إن الحليب الذي نشربه اليوم هو تماماً عكس الحليب الذي كان يشربه أجدادنا منذ ألفي عام.. الحليب الذي نشربه اليوم ليس هو الغذاء المثالي كما نعتقد »، ووفقاً لمركز سلامة الأغذية، وبفضل زيادة الطلب على السلع الاستهلاكية، فإن ما يقرب من 60 % من المستهلكين يشربون حليباً خالياً من ذلك الهرمون في الولايات المتحدة، أي أن 40 % من المستهلكين يشربون حليباً من الأبقار المحقونة بالهرمون.
خامساً: «البذور المعدلة وراثياً» Genetically-Modified Seeds:
غير مكتفية بما قدمته للبشرية من دمار وشرور، قررت «مونسانتو » في الثمانينيات من القرن الماضي أن تصل للجذور في قضية البذور، وقد تم ذلك وسط ضجة كبيرة للتخويف من العدوان على الشركات وعلى براءات الاختراع لعملاق التكنولوجيا الحيوية «مونسانتو »، مع حملة تسويقية بملايين الدولارات، وحملات إعلانية تظهر أطفالاً شبعى يبتسمون، وترديد مزاعم غريبة عن قدرة «تكنولوجيا الأطعمة الحيوية على المساعدة في إنهاء الجوع في العالم !»
كتب «مايكل بولان » في مجلة «نيويورك تايمز» ما لم يكن هناك خلل ما، فإن الهدف من هذه الحملة الإعلانية الجديدة الجريئة هو استغفال الناس من أمثالي! حسناً، في البداية ارتاب العالم الأول في هذا الغذاء المعدل وراثياً، ثم عاد إلينا بحجج واهية؛ إنها المعضلة الأخلاقية؛ إطعام الفقراء، والواقع أننا إذا تغلبنا على غثياننا بخصوص تناول الأغذية المعدلة وراثياً، فإن الأطفال في العالم الثالث سيصابون بالعمى. الشيء الواضح وضوح الشمس في رائعة النهار، مهما كانت المبررات، هو أن «مونسانتو :»
أ- لا تعطي هذه البذور مجاناً.
ب- تجعلها عقيمة حتى يعيد المزارعون شراءها كل عام.
وهي أمور تجعل من الصعب الاعتقاد بأن الشركة لديها نوايا حسنة، أو أن يكون «قلبها » على كوكب الأرض وسكانه.
تقول «إيما ماست » من حركة التنمية العالمية: «من خلال بيعها لبذور الانتحار العقيمة، تضمن التكنولوجيا الحيوية
والشركات متعددة الجنسيات للمزارعين الأكثر فقراً في العالم شكلاً جديداً من أشكال العبودية الجينية.. في الوقت الراهن 80 % من المزارع في البلدان النامية تزرع المحاصيل باستخدام البذور المخزنة من إنتاجها، والفرق بين عدم قدرتنا على حفظ بذور جديدة من البذور العقيمة، هو الفرق بين الموت والبقاء على قيد الحياة، حسب قولها.
بذور «مونسانتو » العقيمة.. تُنذر العالم بالمجاعة والخراب
بذور «مونسانتو » المهندَسة وراثياً سوف تنقل صفاتها للحقول عن طريق الهواء وسينتقل العقم إلى بقية البذور ليؤدي إلى الإخلال بالأمن الغذائي ومن ثَمَّ المجاعة
ماذا لو وصلت بذور «مونسانتو» العقيمة إلى كل نباتات العالم وانتقلت صفاتها الوراثية وعقمها إلى البذور الأصلية التي تتمتع بالخصوبة الطبيعية؟!
تمثل التكنولوجيا التي تستخدمها شركة «مونسانتو » في تعقيم البذور، والمسماة «تكنولوجيا التعقيم والإنهاء »، أكبر تهديد للبشرية، وإذا تم استخدامها من قبل الشركة بشكل واسع النطاق، وهذا ما يحدث بالفعل، فإنه سيؤدي حتماً إلى انتشار المجاعات في كل أنحاء العالم.
ظل مليارات البشر يعتمدون على الأغذية الناتجة عن البذور التي يحتفظ بها المزارعون ليقوموا بزرعها في العام التالي، آلاف السنوات مرت، والمزارعون يمارسون هذه العملية، التي هي جزء من الدورة الزراعية، وهم يطعمون منها البشر بشكل طبيعي وآمن.
حتى جاءت تكنولوجيا تعقيم البذور، أو البذور العقيمة، الخاصة بشركة «مونسانتو ،» لتجعل من المستحيل على المزارعي إعادة استخدام أو استنبات محاصيلهم إذا ما استخدموا بذور «مونسانتو » العقيمة؛ لأنها لا تستنبت إلا مرة واحدة.. كل هذا يحدث لدفع المزارعين لشراء بذور جديدة كل عام.
في الأقطار الأقل غنى، يعتمد مئات الملايين من البشر اعتماداً كبيراً على مزارع صغيرة تنتج لهم الطعام، فإذا ما قام المزارعون بالاعتماد على تكنولوجيا وبذور «مونسانتو » العقيمة، فإنهم لن يقدروا على شرائها عاماً بعد عام، ويمكن أن يؤدي هذا إلى بوار أراضيهم ونشر المجاعات في مناطقهم، كما لن يستطيعوا شراء احتياجاتهم من المناطق المجاورة؛ لأنها ستكون واقعة في نفس المأزق ونفس الفخ الذي تنصبه «مونسانتو » للجميع باحتكارها للبذور اعتماداً على تكنولوجيا التعقيم والإنهاء للبذور 1.
تقول «هوب شاند » خبيرة البيئة: «إن هذه التكنولوجيا خطرة للغاية، حيث إن نصف مزارعي العالم فقراء ولا يستطيعون شراء بذور «مونسانتو » في كل موسم، ومع ذلك فإنهم يزرعون ما بين 15 و 20 % من الأرض التي تمد العالم بالطعام، ويطعمون 1.4 مليار من البشر، 100 مليون في أمريكا اللاتينية، و 300 مليون في أفريقيا، ومليار من البشر في آسيا.. هؤلاء المزارعون يعتمدون على بذورهم المدخرة من الموسم الفائت، وعلى مهارتهم في انتخاب البذور واستنباتها وإكثارها في مزارعهم الصغيرة .»
المرعب حقاً هو أن تحقق «مونسانتو » أحلامها باحتكار كل ما هو أخضر فوق الأرض، ماذا لو وصلت بذور «مونسانتو » العقيمة والمعدلة وراثياً إلى كل هؤلاء وانتقلت صفاتها الوراثية، وانتقل عقمها إلى البذور الأصلية التي تتمتع بالخصوبة الطبيعية، وأصبحت كل البذور عقيمة مثل بذور «مونسانتو »؟ عندها تكون «مونسانتو » قد حققت كامل أهدافها بالاحتكار الكامل لكل ما يستنبت فوق هذا الكوكب، وهذا ما تخطط له.
وتقول «كاميلا مونتسينوس »، وهي خبيرة زراعية، في منظمة «تشيليان »، معبرة عن قلقها من حبوب «مونسانتو » وبذورها: «تحدثنا مع مجموعة من الخبراء في الهندسة الوراثية كانوا قد درسوا بذور «مونسانتو ،» وأكدوا لنا أن البذور المهندسة وراثياً سوف تنقل صفاتها إلى الحقول التي لا تستخدم الهندسة الوراثية، وذلك عن طريق حبوب اللقاح التي سيحملها الهواء وسينتقل معها العقم إلى تلك الحقول، ولن يكتشف هذا إلا بعد فوات الأوان، عندها يمكن أن تحدث كوارث زراعية أقلها نقص المحاصيل الذي يمكن أن يؤدي إلى الإخلال بالأمن الغذائي ومن ثم المجاعة .»
«مونسانتو » لا تهدد العالم بالمجاعة فحسب، لكن تكنولوجيا «مونسانتو » لها أبلغ الضرر على صحة البشر وعلى البيئة الكونية.
الهامش
1- أعلن مكتب سجلات الجريمة، في الهند، أن عام 2009 م سجل أرقاماً قياسية، إذ أقدم 17.368 مزارعاً على قتل أنفسهم، ليكون هذا العدد هو الأكبر في غضون ست سنوات؛ بسبب الديون التي تراكمت عليهم جراء شراء بذور «مونسانتو » العقيمة