العنوان شروط التربية
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الأحد 26-يناير-1992
مشاهدات 61
نشر في العدد 986
نشر في الصفحة 36
الأحد 26-يناير-1992
للتربية شروط كثيرة يختلف العلماء والدعاة
عليها، نقتطف من كلماتهم ومواقفهم أهم تلك الشروط وهي:
1- الانتباه لخطورة النفس
فالنفس أمارة بالسوء في أصلها، والسوء كلمة
عامة تشمل كل ما يغضب الرحمن وما نهى عنه، فلذلك كانت أول شروط التربية هذا
الانتباه والحذر لخطورة هذه النفس التي بين جوانحنا وعدم التراخي في هذا
الانتباه، وفائدة هذا الانتباه والحذر منه أنه يقلل الوقوع بما لا يريد
المولى -عز وجل- من السوء، وإنما يقع الزلل بسبب غفلة عن خطورة هذه النفس،
هذا ما استوعبه أحد الحكماء فقال لمن بعده: «من توهم أن له وليًا أولى من الله قلت
معرفته بالله، ومن توهم أن له عدوًا أعدى من نفسه قلت معرفته بنفسه»(1)، فيكون على
استعداد دائم لأعدائه من البشر، وما خلق الله من شرار الدواب، وينسى الاستعداد
والانتباه لأقرب أعدائه إليه.
2- استرداد دولة العقل
إن الذي ميز آدم على باقي المخلوقات ما
حباه الله من العقل الذي يميز فيه بين الضار والنافع، فعندما يعطل عقله يفقد
التمييز بين ما يضره وما ينفعه، ويكون عرضه للتحكم فيه من شرار ما خلق الله تعالى،
ولو حكم الناس عقولهم فيما يعرض عليهم من الأمور لما أقدم أحد منهم على معصية،
ولكنهم يحكمون أهواءهم، ويجمدون عقولهم فيقعون بالمحذور، ولمثل هؤلاء يقول الإمام
ابن القيم: «لو خرج عقلك من سلطان هواك عادت الدولة له»(2). وكأن هناك غزوًا قد تم
على مملكة العقل، وكان العدو الغازي فيها هو الهوى فاستيقظ العقل من نومته، ولم
يرض بذل الأسر فتمرد، وقام بانقلاب على الهوى استعاد به هيمنته على دولته
المسلوبة، وأنه لا يمكن أن تنجح العملية التربوية في قوم لا يحكمون عقولهم فيما
يعرض عليهم من فتن الدنيا.
3- شد الرحال إلى القلوب
وعندما يجد العقل خطورة النفس، ويلتفت إلى
عدوه القريب لابد أن يدرك أن هذه النفس لا يمكن أن ينجح معها علاج دونما الالتفات
إلى المضغة التي «إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»(۳) كما صح في الحديث الشريف، فيشد الرحال له
ليبدأ عملية الإصلاح والتنقية، يقول محمد بن الفضل البلخي: «العجب ممن يقطع
الأودية والمفاوز والقفار ليصل إلى بيته وحرمه؛ لأن فيه آثار أنبيائه، كيف لا يقطع
نفسه وهواه حتى يصل إلى قلبه، لأن فيه آثار مولاه»(٤).
4- التنقية الكاملة
يقول النبي -صلى الله عليه وسلم: «لأن
يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يَرِيه(٥) خير له من أن يمتلئ شعرًا»(٦). فبين أن
الجوف يمتلئ بالشعر فكذلك يمتلئ بالشبه في الشكوك والخيالات والتقديرات التي لا
وجود لها، والعلوم التي لا تنفع والمفاكهات والمضحكات والحكايات ونحوها، وإذا
امتلأ القلب بذلك جاءته حقائق القرآن والعلم الذي به كماله وسعادته، فلم تجد فيه
فراغًا لها، ولا قبولًا؛ فتعدته وجاوزته إلى محل سواء، كما إذا بذلت النصيحة لقلب
ملآن من ضدها لا منفذ لها فيه، فإنه لا يقبلها، ولا تلج فيه لكن تمر
مجتازة لا مستوطنة، ولذلك قيل:
نزه فؤادك من سوانا تلقنا
فجنابنا حِلّ
لكل منزه(7)
وحتى يظهر فعل العملية التربوية لابد من
تطهير هذه المضغة من كل ما يخالف كلمات الوحي، فإن هذه الكلمات لا تقبل الخلطة
والذوبان بما يعارضها من الكلمات وغيرها، وهي ليست كسواها من الكلمات؛ فإنها لا
ترضى الاستقرار إلا في مكان طاهر يليق بقدسيتها، وعملية التنقية هذه عملية شاقة قد
تأخذ أمدًا طويلًا من عمر الإنسان وهي بذاتها «المجاهدة»، أو «التزكية»،
والتي يعقبها الفلاح بإذن الله؛ ذلك لأن هذه العملية لا تتم بحركة ميكانيكية
كإخراج شيء ما في وعاء، وإدخال شيء مكانه، بل هي معارك مع النفس والهوى والشيطان
وزينة الدنيا وجميع جواذب الأرض وجنود إبليس، وفي كل عملية تنقية وإحلال تحدث معارك
مع هؤلاء الأعداء ومجاهدة، وعلى مقدار الهمم والعزيمة والثبات يتم النصر، وتنجح
عملية التنقية، وإلا فالهزيمة المؤكدة التي يعقبها سيطرة الغزاة على القلب، فيمتد
الران ليغطي سائر القلب فتعمى البصيرة، وتضطرب الموازين فلا يعرف صاحب ذلك القلب
معروفًا، ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه، وعملية التنقية هذه لا تنجح حتى لا
يبقى شيء في هذا القلب لغير الله- تعالى- لأن كلمات الوحي لا ترضى بمجاورة كلمات
الباطل، وفي هذا يقول الإمام عبدالله بن المبارك: «لو أن رجلًا اتقى مئة شيء، ولم
يتق شيئًا واحدًا لم يكن من المتقين، ولو تورع عن مئة شيء ولم يتورع عن شيء واحد
لم يكن ورعًا، ومن كان فيه خلة من الجهل كان من الجاهلين، أما سمعت الله
-تعالى- قال لنوح -عليه السلام- لما قال: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ فقال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ
أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (هود:45-46)
5- الاستقامة والثبات على الجادة
وعملية التنقية للقلب لابد أن تستمر ولا
تتوقف حتى يتم تنظيف كامل للقلب، فإن التوقف والفتور يعطي فرصة للعدو القريب
المتربص وهو النفس بالانقضاض وتسديد سهام الهوى، والذي يعقبه الأسر والمهانة
والذل.
ولقد مدح الله -تعالى- المستقيمين بقوله: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ
الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ
الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: 30).
وقد أمر الله -تعالى- نبيه بالاستقامة
على الجادة لتنجح عملية التنقية فقال: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن
تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (هود:112).
وهكذا طبقها الصحابة -رضى الله عنه-
وفهموها، يقول أمير المؤمنين عمر -رضى الله عنه: «الاستقامة أن تستقيم على
الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب»(8).
6- الحذر من خاتمة الطريق وتذكر الخاتمة
والحذر من خاتمة السوء ضروري في العملية
التربوية؛ ليكون بمثابة الحافز المحرك نحو عملية التنقية الدائمة والاستقامة
والثبات على الجادة، فكلما تذكر الخاتمة خاف فوات الوقت، وبادر بالتنقية حتى لا
تدركه الخاتمة وهو ما يزال يعاني من بقايا من الأدران لم ينتشلها بعد.
«لحظات الخاتمة هي التي أقضت مضاجع القوم
فحرمتهم النوم الهاني، والعيش الهادئ، ولم يغتروا بعبادتهم مع كثرتها، ولا
بصلواتهم مع خشوعها، ولا كثرة ما أهلكوا من أموالهم في سبيل الله، ولا كثرة صيامهم
في الهواجر وقيامهم بالثلث الأخير من الليل، وهم يسمعون قول نبيهم -صلى الله
عليه وسلم: «إنما الأعمال بخواتيمها»(9) فيزيدهم ذلك خوفًا من الله(10).
______________
(1) الاستعداد ليوم المعاد ص 12.
(2) الفوائد: 54- النفائس.
(3) رواه مسلم 144.
(4) صفة الصفوة 5/165.
(5) أي يفسده.
(6) رواه البخاري.
(7) الفوائد: 44- النفائس.
(8) تهذیب مدارج السالكين 331.
(9) البخاري - الفتح 6493.
(10) واحات الإيمان: 131.