العنوان شروط الصلح بين الحركات الإسلامية وأنظمة الحكم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-ديسمبر-1998
مشاهدات 53
نشر في العدد 1329
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 08-ديسمبر-1998
المبادرات السلمية التي أعلنته جماعات العنف المسلح في الآونة الأخيرة طرحت على الساحة السياسية والإسلامية تساؤلات عديدة عز الأسباب التي تكمن وراء انسداد باب المصالحة حتى الآن بين أنظمة الحكم والحركات الإسلامية، واستمرار نظريًّا تعامل السلطات مع المسألة الإسلامية باعتبارها قضية أمنية، وليست قضية سياسية تتعلق بالمشاركة واستيعاب القوى الإسلامية الناشئة ضمن الإطار السياسي القائم، ويتعلق هذا الأمر بشكل خاص بالجهات التي تنتهج السلم والحكمة في دعوتها وتمد أيديها للتعاون مع الجميع من أجل بناء الوطن.
والمؤكد أن مثل هذه المصالحات إن حدثت، فإنها تصب في مصلحة الوطن تزيد من تماسكه الاجتماعي واستقراره الأمني وانطلاقته نحو التطور، فما الذي يمنع حدوث المصالحة؟ هل هو إرث خلافات الماضي؟ وإن كان فإلى متى نظل أسارى الماضي؟ هل كانت هناك أسباب حقيقية تستدعي العداوة؟ هل هو سوء الظن وعدم التقويم السليم المواقف الإسلاميين من جانب الحكومات؟
«المجتمع» تحاول في هذا الملف رصد ثلاث حالات عربية جرى تداولها مؤخرًا بشأن العلاقة بين حركات إسلامية والسلطة، أولها مصر، وهل يمكن أن تمثل مبادرة وقف العنف الأخيرة منطلقًا لمصالحة «إسلاحكومية»، ثم ماذا عن مبادرة العفو الرئاسية في تونس، وأخيرًا ماذا بشأن تطبيع العلاقات بين السلطة في سورية والإخوان المسلمين؟
مصر:
باب الحوار بين السلطة والإسلاميين مازال مغلقًا
الهضيبي: طالبنا ولا زلنا بالحوار المباشر مع المسؤولين لكن دوائر حكومية دست تقارير غير صحيحة ضدنا
حزب العمل تفاهم مؤقت مع الحكومة في السياسة الخارجية
مبادرة وقف العنف تواجه تحديًا صعبًا بعد إقدام السلطات على إعدام ثلاثة من الجماعات.
القاهرة: قطب العربي
شهدت السنوات الخمس الماضية تغيرًا استراتيجيًّا في تعامل السلطات المصرية مع الحركة الإسلامية، فبينما كانت تقسم الحركة من قبل إلى معتدلين ومتشددين وتقصد بالأولين الإخوان المسلمين، وبالآخرين جماعات العنف، نجدها في منتصف عقد التسعينيات عدلت هذا التقسيم، لتضع الجميع في سلة واحدة، وتتعامل معهم بمنتهى التعسف بدءًا من تجفيف المنابع، وتصفية التواجد الإسلامي في النقابات ونوادي التدريس بالجامعات والاتحادات الطلابية، ومرورًا بالمحاكم العسكرية، وتزوير انتخابات مجلس الشعب، وانتهاء بالتصفية الجسدية.
ويبدو من سياق الأحداث، أن العناصر الاستئصالية داخل النظام المصري استطاعت فرض وجهة نظرها، ونجحت في إقناع القيادة السياسية بأن الجميع خطر داهم على النظام وأنه إذا كان أهل العنف يسعون إلى السلطة باستخدام القوة، فإن أهل السلم، يسعون إلى السلطة عبر صناديق الانتخاب، وفي كلتا الحالتين، فإن كرسي السلطة هو أكبر المحرمات التي لا يجوز الاقتراب منها حتى للأحزاب الرسمية، وعلى رغم كل محاولات التفاهم التي أبداها الإسلاميون المعتدلون منهم والمتشددون الحوار مع النظام، إلا أنها جميعًا قوبلت بالرفض حتى الآن.
ورغم حدوث العديد من المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية التي تفرض على القيادة المصرية إعادة النظر في سياستها لإصلاح الجبهة الداخلية، ومد الجسور معها وخصوصًا الحركة الإسلامية، إلا أن شيئًا من ذلك لم يحدث حتى الآن باستثناء إشارات وردت في خطاب الرئيس مبارك في افتتاح الدورة البرلمانية لمجلس الشعب يوم ١٤ من نوفمبر الماضي، حيث حمل الخطاب بعض العبارات التي تدعو إلى الحوار وتفهم الرأي الآخر بغض النظر عن هويته الحزبية طالما أنه يهدف للصالح العام، لكن هذه الإشارات لم يلحقها سياسات عملية في هذا الاتجاه.
أما بالنسبة للمتغيرات المحلية التي توجب تعديل السياسة الرسمية في التعامل مع القوى السياسية والإسلامية، فمنها نجاح الحكومة في فرض سياسة الخصخصة، واستقرار الأمر إلى حد كبير، وعدم وجود معارضة تذكر لهذه السياسة الآن، حيث ظلت حركة الاحتجاج تحت السيطرة خصوصًا أن التيار الإسلامي لم يشارك فيها، إلا بإبداء بعض التحفظات على طريقة البيع، وهوية المشترين الجدد للشركات والمصانع التي خضعت للخصخصة.
وعلى المستوى السياسي، فإن مصر تتأهب لفترة رئاسية جديدة للرئيس مبارك، إذ بدأت الاستعدادات لهذا الأمر مبكرًا أثناء اجتماع الهيئة البرلمانية للحزب الوطني يوم 13 من نوفمبر الماضي التي أعلنت ترشيحها للرئيس مبارك لفترة رابعة، وعلى رغم عدم ظهور معارضة جدية حتى الآن لهذا الترشيح باعتبار أن المعارضة لن تقدم ولن تؤخر في ظل نظام قانوني يفرض مرشحًا واحدًا للاستفتاء، فإن الكثير من الأقلام المعارضة بدأت تقدم مطالب للرئيس في ولايته الرابعة وعلى رأسها الإصلاح السياسي.
أما المتغيرات الإقليمية فتتركز في تعثر جهود التسوية وتصاعد الصلف الصهيوني في مواجهة الأمة العربية والإسلامية واستمرار حالة الحصار للشعبين الليبي والعراقي، وهو الحصار الذي ألحق الأذى بالشعبين في حين لم يلحق أي أذى بحكام طرابلس وبغداد، وكذلك التآمر المستمر والحصار على السودان بسبب توجهاته الإسلامية، أي أن مصر باختصار أصبحت محاطة بدولة محاصرة من الغرب، وأخرى في الجنوب، وعدو غاصب في الشرق، وأصبح الدور عليها – كما يقولون.
أما على المستوى الدولي، فهناك حالة العداء الغربي المتصاعدة ضد الإسلام، والذي حل في التفكير الغربي محل الخطر الشيوعي على الغرب، ورغم كل المحاولات التي تبذلها الدول الإسلامية لتوضيح الفرق بين الإسلام والإرهاب إلا أن ذلك لم يؤثر كثيرًا على الموقف الغربي.
ورغم أن هذه المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية تفرض على الحكومة المصرية تعديل سياستها الداخلية والالتقاء مع القوى الوطنية والإسلامية لمجابهة تلك التحديات، إلا أنها لا تزال حتى الآن مترددة وسلبية وأقرب إلى رفض أي تعديلات في سياساتها الداخلية، لقد حافظت الحكومة على مستوى تقليدي في العلاقة مع الأحزاب الرسمية عبر لقاءات متناثرة مع رئيس الحكومة يلقي خلالها بيانًا على رؤساء الأحزاب عن سياسات وخطط حكومته، ولا يسمح بالحوار حولها أو انتقادها، وبما أن الأحزاب المصرية لا تمثل تحديًا حقيقيًّا للحكومة، فلا مانع من استمرار تلك اللقاءات معها، أما المشكلة الرئيسة.
فهي مع التيار الإسلامي، حيث ترى السلطة أنه التحدي الحقيقي أمامها، وبالتالي، فإن تحدي الحفاظ على مقعد السلطة من أهم تحديات إقليمية أو دولية أخرى، ولن تقبل السلطة التفاهم مع التيار الإسلامي، إلا إذا اطمأنت تمامًا إلى أنه لم يعد يمثل خطورة عليها، ولن يزيد على وضع الأحزاب القائمة، وهذا ما فعلته مع حزب العمل الذي يعلن توجهه الإسلامي، حيث سمحت بمشاركته في مؤتمر الحوار القومي قبل سنوات لكنها أسقطت مرشحيه عام ١٩٩٥م، بسبب توجهه الإسلامي، واستمرار تحالفه مع الإخوان المسلمين، لكن الحزب يمر حاليًا بمرحلة تفاهم مع السلطة عقب الإطاحة بوزير الداخلية السابق ووصل الأمر بالأمين العام للحزب عادل حسين أن يعلن على صفحات جريدة «الشعب» أن الحكومة أصبحت أقرب إلى حزب العمل من الأحزاب الأخرى، وقد برر هذا التغير المهم في رؤية الحزب، بأن الحكومة المصرية تبنت في الآونة الأخيرة العديد من السياسات الخارجية التي تتفق وتوجهات الحزب في تحدي المخططات الغربية والصهيونية ولم الصف العربي.
ورغم حالة التفاهم الحالية، إلا أن العلاقة بين الحزب والحكومة تظل متقلبة، ومع ذلك يبقى حزب العمل هو شعرة معاوية، وهمزة الوصل الممكنة بين السلطة والإسلاميين، إذا رغبت الحكومة في التفاهم.
الإخوان ودعوة الحوار
أما الإخوان المسلمون، فقد تعاملت معهم الدولة بهدوء نسبي خلال الثمانينيات وأوائل التسعينيات وصرح الرئيس مبارك لصحيفة لوموند الفرنسية بأنهم جماعة تستخدم أساليب النضال السياسي، وقد أتاحت هذه السياسة للإخوان الانتشار في النقابات المهنية ونوادي هيئات التدريس بالجامعات والاتحادات الطلابية والمجالس المحلية، وحتى مجلس الشعب، وذلك بفضل القبول والتأييد الشعبي الجارف، ولكن سرعان ما انقلبت الحكومة على الإخوان منذ منتصف التسعينيات وبدأت في تصفية التواجد الإخواني في المؤسسات الشعبية، وأحالت العشرات من قيادات الجماعة إلى محاكم عسكرية عاجلة قبيل انتخابات عام ۱۹۹٥م، لمنع ترشحهم لمجلس الشعب، ومازال الكثيرون منهم يقضون عقوبة السجن حتى الآن.
أما سبب تغيير الحكومة المصرية لسياستها تجاه الإخوان بعد التصريحات الإيجابية من الرئيس مبارك الصحيفة لوموند فيرجعه المستشار مأمون الهضيبي نائب المرشد العام، والمتحدث الرسمي باسم الإخوان المسلمين إلى وجود دوائر معادية للإخوان في السلطة ومعادية للحركة الإسلامية عمومًا هذه الدوائر هي التي دست عدة تقارير للإيقاع بين الإخوان والقيادة السياسية ومنها الزعم أن الإخوان وراء الحملة التي شنتها بعض الصحف الأمريكية ضد الأنشطة الاقتصادية الأسرة الرئيس مبارك، كما زعمت بعض التقارير أن للإخوان صلة بمحاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا، وكذلك نسف السفارة المصرية في باكستان، وقد اتضحت الحقائق ببراءة الإخوان بعد القبض على الجناة الحقيقيين في تلك الحوادث.
يضيف المستشار الهضيبي ورغم ظهور البراءة، إلا أن هذه الدوائر المعادية لنا تواصل حقدها وتقاريرها ضدنا وتعمل ليل نهار لإفساد أي بادرة للتفاهم، ولقد نادينا أكثر من مرة، وطالبنا بحوار مباشر مع المسؤولين حتى تتضح الصورة، ولكن لم يستجب لمطالبنا حتى الآن وما زلنا ندعو إلى هذا الحوار.
وحول إمكانية تحول الجماعة إلى كيان قانوني في شكل جمعية أهلية أو حزب سياسي لكسر حالة الحصار السياسي الحكومي يقول المستشار الهضيبي: إن تحول الجماعة إلى جمعية لا تهتم بالسياسة، فهذا أمر غير مقبول عند الإخوان الذين يؤمنون أن الإسلام دين ودولة عقيدة وشريعة، وأما مسألة الحزب السياسي، فهي قائمة منذ عام ١٩٨٤م، ولكن كان رد الرئيس مبارك أنه لن يسمح بحزب للإخوان لأنه يرى أن هذا الحزب ديني وليس مدني، وأنه مخالف لأحكام الدستور والقوانين، ونحن قلنا مرارًا إن الحزب لا يمكن أن يكون دينيًّا بالمعنى المتوارث في عالم الفكر والسياسة المعاصرة وإنما هو حزب مدنِي لا قداسة لعضو من أعضائه، يطالب بحكومة مدنية لا قداسة لأي شخص فيها، وأيضًا لا يدعي أن أعضاءه فقط هم المسلمون، بل يقبل بوجود تعددية حزبية سواء إسلامية أو غيرها، ومع ذلك، فهناك إصرار من السلطة على رفض التصريح بهذا الحزب.
أما فكرة الاندماج في أحزاب قائمة، فهي غير مقبولة أيضًا لأن للأحزاب قياداتها التي تهيمن على كل كبيرة وصغيرة في الحزب، ولا تقبل مزاحمة غيرها لها، فلا يمكن أن يقبل الحزب الوطني عضوية الإخوان، وكذلك الحزب الماركسي، أما حزب العمل، فله نظامه الإسلامي ونحن نتعاون ونتحالف معه، وهذا أقصى ما تسمح به ظروفه وظروفنا ولو زاد الأمر على ذلك لتعرض الحزب للحل.
وواضح من كلام المستشار الهضيبي أنه لا وجد بوادر للتفاهم في المرحلة الراهنة، بل إن الأيام الماضية شهدت حملة اعتقالات متفرقة شباب الإخوان في بعض المحافظات تبعها عمليات تعذيب بشعة للحصول على معلومات من المعتقلين، ولكن من غير المعروف ما ستفعله الحكومة المصرية مع الإخوان مع بدء الرئاسة الرابعة للرئيس مبارك.
الجماعة الإسلامية ووقف العنف
إذا كان هذا حال الحكومة مع الإخوان وهم دعاة سلم ابتداء، فما موقفها من جماعات العنف؟ الطبع كانت المعاملة قاسية، وصلت إلى حد للتصفية الجسدية في الشوارع، وموجة الإعدامات التي صدرت من محاكم عسكرية استثنائية، كان آخرها ما نفذ قبل أيام بحق ثلاثة من أعضاء الجماعة الإسلامية.
لقد مارست الجماعة الإسلامية والجهاد وجماعات أخرى العنف بدرجات متفاوتة عبر السنوات العشرين الماضية، تخللها اغتيال الرئيس السادات، وبلغت موجة العنف ذروتها منذ العام ۱۹۹۳م بقتل عدد من السياح الأجانب وواجهت الحكومة هذا العنف بعنف أشد، لكن فكرة العنف بدأت تفقد بريقها وشرعيتها في رأي كثير من قيادات الجماعة مع مرور الوقت وتتابعت بعض المبادرات الفردية لوقف العنف وهو ما فصلناه في العدد الماضي.
لكن المبادرة تعرضت لامتحان مهم بإقدام السلطات مؤخرًا على إعدام ثلاثة من أعضاء الجماعات الأمر الذي عده بعض قيادات الخارج دليل فشل المبادرة.
ورغم أن منتصر الزيات محامي الجماعة وأحد قياداتها أبدى استياءه من تنفيذ الحكم مؤكدًا أنه سبب أزمة، وأنه كان من الأفضل تأخيره أسوة بغيره من أحكام الإعدام التي صدرت ضد قتلة ومهربي مخدرات مثل يوسف طحان الإسرائيلي المحكوم عليه بالإعدام منذ العام ١٩٨٦م ولم ينفذ، ولكن مع ذلك فإن الزيات صرح لـ «المجتمع» بأنه لابد من تجاوز الأزمة حتى لا نكون أسرى للفعل ورد الفعل وقال: نحن نبحث عن ديمومة ومعالجة موضوعية طويلة المدى تستند الأسس شرعية في حل إشكال الصراع بين الجماعات والدولة والقول بغير ذلك يدعم الشكوك حول جدية المبادرة، وأنها مجرد تهدئة لالتقاط الأنفاس.
وقال الزيات إننا سنستمر في جهودنا لوقف العنف، ووضع سياسة ثابتة بشأنه، وتأصيل هذا التغير تأصيلًا شرعيًا مناسبًا، وفي رأيي ورأي أصحاب المبادرة، أن صراعًا استمر سنين طويلة لن يحل في شهر أو شهرين، فنحن في أزمة ثقة تحتاج إلى جهود لإثبات حسن النوايا ولا تقع عند أول عثرة.
ويعتقد الزيات أن تنفيذ حكم الإعدام الأخير ربما كان القصد منه اختبار جدية المبادرة، وقال: إن الذين يثيرون هذه المشاكل ضد المبادرة مستفيدون من استمرار الوضع على ما هو عليه سواء كانوا من الحكومة أو بعض المنتقدين في الخارج، الذين لم يحملوا سلاحًا ويطالبوننا نحن أن نحمله في إشارة لبعض منتقديه في الخارج.
وأخيرًا فإذا كانت المؤشرات ترجح استمرار مبادرة وقف العنف مع تجاوب حكومي حذر بالإفراج عن بعض المعتقلين خلال الأيام القادمة فإن الأمر برأي المراقبين لن يتطور أكثر من ذلك.
فالحكومة التي رفضت ولا تزال الحوار مع الإخوان الذين لم يحملوا سلاحًا ضدها لن تقبل فتح حوار مع جماعات حملت السلاح ضدها فعلًا ولا تزال الشكوك تحيط بها، وهكذا يظل باب الحوار بين السلطة والإسلاميين عمومًا موصدًا.
تونس بين العفو الفردي المشروط والمصالحة التشريعية الشاملة
راشد الغنوشي الحل ليس بيد المظلوم والمطلوب من السلطة عفو تشريعي عام
شعبان عبد الرحمن
في الآونة الأخيرة حفلت الساحة التونسية بأنباء تشير إلى شبه انفراجه بين النظام والمعارضة والتي يمثل الإسلاميون فيها القطاع الأكبر فقد ترددت أخبار عن وجود مبادرة قام بها د. محمد الهاشمي الحامدي رئيس تحرير صحيفة المستقلة الأسبوعية التي تصدر في لندن وهو تونسي اعتقل لفترة بسيطة في أحداث عام ١٩٨١م.
وتتلخص المبادرة في صورة عرض من الرئيس زين العابدين بالعفو الفردي أو الشخصي عن كل من يتقدم إليه بطلب شخصي بالعفو أو الصفح أو التوبة، ثم تقوم السلطات بدراسة الطلب وبعدها تتخذ قرارها بشرط تعهد مقدم الطلب باحترام القانون وعدم اللجوء للعنف والعمل السري.
وتقول مصادر تونسية إن الهاشمي حصل من الرئيس التونسي خلال لقائه به في تونس مؤخرًا على موافقة مفتوحة لكل من يتقدم من المعارضة بمثل هذا الطلب، وقالت المصادر: إن هناك أكثر من خمسين طلبًا تم التقدم بها للاستفادة من هذا العفو، وأصحابها إما يقضون فترات سجن أو رقابة إدارية أو يعيشون في المهجر.
وتشير المصادر إلى أن مسألة العفو الرئاسي هي الآلية المتبعة في تونس منذ الاستقلال في 20/٣/١٩٥٦م، حتى اليوم.
وقد اتصلنا بالدكتور الهاشمي الحامدي في لندن لاستجلاء رأيه حول القضية وتطوراتها واعتبر أن العرض الذي تقدم به الرئيس بن علي عرض إيجابي يستحق الشكر، لأنه يعيد الفرحة للعائلات المستفيدة منه، كما أن هذا العرض يعبر عن حرص الرئيس على الاستفادة من كل الآراء، وعلى عهدة الهاشمي فإنه سمع من الرئيس تأكيد حرصه على الإسلام في الحياة العامة.
وناشد الهاشمي المعارضة حتى الذين يعتبرون أنفسهم خصوم النظام بالتجاوب مع المبادرة.
على الجانب الآخر اتصلنا بالشيخ راشد الغنوشي -رئيس حركة النهضة الإسلامية كبرى قطاعات المعارضة، والمقيم في لندن -فأكد أن ما يطالب به هو العفو التشريعي العام الذي يقتلع الأحكام الظالمة من جذورها، كما يطالب النظام التونسي باحترام دستور البلاد وكرامة أهلها وعقائدهم. ولفت الانتباه إلى أن حركته تلتزم الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وأنها تطالب منذ نشأتها عام ١٩٨١م بالعمل في إطار القانون لكن السلطات ترفض ذلك.
وقد طرحنا على الشيخ الغنوشي في اتصالنا عدة أسئلة دارت حول:
- رؤية حركة النهضة للمبادرة الأخيرة، ولماذا لم تتجاوب معها الحركة وبخاصة أنها سوف تسهم في التخفيف من العسف الواقع على المعتقلين؟
- رؤية الحركة للمصالحة العامة مع النظام وهل لديها مشروع خاص بذلك؟
- وماذا عن اتهام الحركة باللجوء للعنف أو التدبير له؟
وقد رد الشيخ الغنوشي على أسئلتنا ردًّا مفصلًا
يقول الشيخ الغنوشي
مبادرتنا هي المصالحة الوطنية الشاملة في إطار الأساليب السلمية مع قبول التدرج في تحقيق المطالب نطالب بعفو تشريعي عام يقتلع الأحكام الظالمة من جذورها لا عفو فردي تظل آثاره تلاحق الضحية منذ أعلنت حركتنا عن نفسها في ٦ من يونيو ۱۹۸۱م وتقدمت إلى السلطة بطلب اعتمادها حركة سياسية تعمل في إطار قانون البلاد، وهي لا تفتأ تؤكد صفتها الإسلامية السلمية المعتدلة، ورفضها المبدئي اللجوء إلى العنف سبيلًا لفض المنازعات السياسية والفكرية وكررت الطلب نفسه سنة ١٩٨٥م ثم سنة ۱۹۹۰م، ولكن بلا جدوى، فقد كان الرفض دائمًا هو الجواب، والحجة في ذلك منع قيام حزب سياسي على أساس إسلامي، وفي المقابل كانت حملات الاعتقال والتنكيل والمحاكمات الظالمة التي واجهتها الحركة بالصبر والمصابرة والرفض المطلق التورط في مستنقع العنف فعلًا أو رد فعل.
وعلى إثر حملات الاستئصال الشاملة التي استهدفتها سنة ۱۹٩٠م و۱۹۹۱م و۱۹۹۲م وساقت الآلاف من أعضائها وقياديها والمتعاطفين معها إلى غياهب السجون واضطرار من أمكن له الإفلات بدينه خارج البلاد عقدت الحركة سنة ١٩٩٥م مؤتمرًا لها أقر المصالحة الوطنية الشاملة التي لا تستثني أحدًا، سياسة عامة للحركة، وذلك في إطار الأساليب السلمية كالحوار والتفاوض والضغط الإعلامي والسياسي المعتدل والمتوازن بعيدًا عن خطاب التشخيص والمهاترة والتحريض والقطيعة مع قبول التدرج في تحقيق مطالب هذه المصالحة الوطنية الشاملة التي ترفع المظالم وترد الحقوق إلى أصحابها وتفرغ السجون من السجناء السياسيين في إطار عفو تشريعي عام وتلغي القوانين المقيدة للحريات العامة والخاصة الحرية السياسية والإعلامية والدينية، مع قبول التدرج في تحقيق هذه المطالب، ولقد قامت الحركة على إثر المؤتمر المذكور بنشر بيان شامل تضمن تصورها للأوضاع وخطتها في الخروج بالبلاد من المأزق الذي قادتها إليه السياسات الخاطئة التي اعتمدتها السلطة في معالجة مشكلات البلاد سياسات الإقصاء للرأي الآخر والتعويل على الوسائل الأمنية ورفض الحوار والتفاوض مع المخالف توصلًا إلى وفاقات في إطار دولة القانون واحترام سائر حقوق الإنسان.
ذلك هو ما تريده النهضة من النظام التونسي أن يحترم دستور البلاد وكرامة أهلها وعقائدهم وأن ينتهي عن الازدواجية التي غدت وصفًا ثابتًا له، أما فيما يخص وضع الحركة فإنها من جهتها تعبر عن أنها التزمت ولا تزال باحترام الدستور والقانون وحتى تلك القوانين التعسفية المخالفة للدستور والمصادرة للحريات السياسية والدينية فإنها تلتزم بالعمل على تغييرها بالوسائل لقانونية السلمية ومطالبها في هذا لا تتجاوز ما يتمتع به الإسلاميون والقوى السياسية الأخرى في بلاد عربية عديدة كالكويت والأردن واليمن، والمغرب الأقصى ووجهة نظرنا هذه واضحة ونحن نوالي نشرها عبر بياناتنا ومقالاتنا والسلطة على علم بها.
أما ما أشاعه بعض وسائل الإعلام نقلًا عن السلطة التونسية حول استعدادها للعفو الفردي الخاص عن كل سجين أو مهجر في قضية سياسية طلب العفو من رئيس الدولة شريطة التزامه باحترام القانون وعدم اللجوء إلى العنف والعمل السري تلك الإشاعة التي صفق لها البعض، سواء كان ذلك عن سذاجة وطمع وتخاذل أو عن حسن نية وإشفاق على الحركة، فتقديرنا أنها دعوة إلى المنكر، ذلك أن دعوة جماعة اجتمع شملها منذ أكثر من ربع قرن على الدعوة إلى الإسلام في بلد مسلم نُكب بسلطة جعلت رسالتها سلخه من دينه وأمته لعلمنته وربطه بأوروبا فتحدى رئيسها الصيام، وسخر من الجنة والنار والقرآن، وأغلق جامع الزيتونة الشهير، ومزق حجاب المسلمة وزج بآلاف الدعاة إلى الله في السجون وقتل العشرات منهم تحت التعذيب، بينما شجع جماعات العلمنة المتطرفة والشيوعية وأطلق لهم العنان، ولا يزال إلى يومنا هذا الحجاب محظورًا بقرار رقم ۱۰۸ والوعظ في المساجد جريمة محظورة بقانون رقم ۲۹ الذي أغلق بسببه أكثر من عشرة آلاف مصلَّى في المدارس والجامعات والإدارات والثكنات والمطارات والمستشفيات والأحزاب الإسلامية محظورة بقانون الأحزاب وجامع الزيتونة مغلقًا ومظاهر الإسلام كاللحَى والقمصان السابغة ممنوعة، وحاملات الحجاب تطاردهن أجهزة السلطة من المدارس والجامعات حتى في الشوارع يمزق حجابهن، وتوصد أبواب المستشفيات في وجوه الحوامل منهن، وفي وجوه المرضى من الملتحين والمعممين ناهيك عن آلاف الدعاة الذين زج بهم في السجون وسيموا أسوأ العذاب حتى فاضت أرواح العشرات مثل الأستاذ عبد الرؤوف العريبي، والطيب الخماسي، وفتحي الخياري، كما تُوفي الكثير منهم في السجون بسبب منع الدواء والغذاء، كالأستاذ سحنون الجوهري، والشيخ مبروك الزرن، وإسماعيل خميرة وحتى آلاف الإخوة الذين غادروا السجون بعد إنهاء المدة، فقد وجدوا أنفسهم في سجن أتعس ممنوعين من الشغل العام أو الخاص، مجبرين على إثبات حضورهم يوميًّا أمام مراكز الشرطة المرة والمرات، ممنوعين من مغادرة البلاد، ومن شهود المساجد التي غدت مصايد للشباب حتى هجرت واضطر الناس إلى ترك الصلاة، أو التخفي بها والاستعلان بمظاهر الفسق والفساد طمعًا أو خوفًا وهذا غيض من فيض مما هو واقع بإخوانكم بتونس، فبأي حجة من الشرع أو من المصلحة والسياسة يطلب من أبناء الإسلام ودعاته أن يعتذروا لجلاديهم طالبين منهم التوبة والمغفرة وفك روابط جماعتهم والالتزام بقوانين إنما سنت أساسًا كقانون المساجد والحجاب والصحافة ومنع التعليم الديني «إغلاق جامع الزيتونة» - للحرب ضد الإسلام وأهله بذريعة الحرب ضد الأصولية وتطبيق خطة تجفيف الينابيع الشهيرة التي صفت المكتبات العامة والخاصة لا من كتب علماء الحركة الإسلامية الحديثة فقط، بل حتى من كتب التراث الإسلامي مثل كتابات: أبي حامد الغزالي وابن تيمية، وأبي بكر بن العربي.
إنكم يا إخواننا في المشرق ما أحسبكم تعلمون شيئًا مذكورًا عن البوسنة الصامتة في بلدكم تونس التي حل بها من الهم والحزن والحرب على الإسلام ما لم تشهد مثيله حتى تحت حكم الصليبيين الإسبان أو الفرنسيين، ثم يذهب بكم الظن أنه بمثل الاستجابة لعروض تافهة مهينة كدعوة ضحايا القمع حملة راية الإسلام إلى أن يعتذروا عما قدموا من عمل في سبيل الله، وأن يلتزموا بقوانين ظالمة إنما سنت لتجفيف ينابيع الإسلام، كقانون الحجاب والمساجد أن يعلنوا حل جماعتهم مقابل خلاصهم الفردي والمنِّ عليهم بالعفو والمغفرة وكأن البلاد كلها لم تتحول إلى سجن كبير حتى نحسب أن عودة مهاجر أو خروج سجين في ظل المناخ الغائم شيئًا ذا بال.
نحن نعتقد أن دعوة حملة الدعوة الإسلامية إلى فك روابطهم هي دعوة لا إلى المعروف، بل إلى المنكر الحرام المخالف لحكم الشريعة الداعية إلى تمسك المسلمين بدينهم والاجتماع عليه وتوثيق رابطهم التنظيمي، وبذل الأنفس والأموال والأوقات لخدمته وإعلاء كلمته، وإذا كانت موازين القوة يومًا قد مالت مؤقتًا لصالح السلطة فليس عليهم أن يداهنوا في دينهم، أو يساوموا عليه، أو يعتذروا عما أسلفوا في خدمته، وإنما الثبات والصبر والمصابرة إلى أن يأتي نصر الله وهم على ذلك أو يهلكوا دونه، ولا عذر في التخاذل إلا المضطر قلبه مطمئن بالإيمان، أما القاعدة فهي الثبات وعقد العزم على ذلك والاستعانة عليه بالله، ثم بإخوانه من المؤمنين، وذلك بدل مراودتهم على أنفسهم وتزيين تنصلهم من دعوتهم وجماعتهم.
وقد عرض ذلك على من يعتقد أنهم من أصحاب الضرورة من المساجين كالشيخ مبروك الزرن، والأستاذ سحنون الجوهري وهما على فراش الموت بعد أن فعل المرض فيهما فعله فأبيا أن يستجيبا وقضيا نحبهما مصدقين ما عاهدا الله عليه، كما استمرت السلطة في عرضها العفو الفردي على المساجين منذ سنة ١٩٩٢م فلم يستجب منهم أحد إلى الآن، لأنهم رأوا أن ثمن ذلك هو التنازل عن الدعوة إلى الله، وهم في ذلك ليسوا بدعًا فهم يهتدون بمن سبقهم من رواد الحركة الإسلامية من الإخوان المسلمين في مصر، فقد استمرت مراودتهم على طلب العفو طيلة عشرين سنة كاملة فأبوا وصمدوا صمود الجبال الشُّم، ولم يكن ذلك عبثًا أو بلا ثمن، فقد حفظ الله دعوتهم، وهاهم يملؤون الساحات بعد أن عضوا على دعوتهم بالنواجذ، وأهلك الله عدوهم.
أما في الخارج فقد قوبل العرض المهين بالرفض القاطع بإجماع قيادات وأبناء الحركة داخل السجون وخارجها وأطراف المعارضة السياسية الجادة والمثقفين الوطنيين، ولاسيما أن دعاة الإسلام في تونس إنما سلكوا أبدًا نهج نبيهم عليه الصلاة والسلام في الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة في غير ما خلط بغلظة أو عنف برغم كل ما سلط عليهم من نكال وذلك بفضل الله ما جنب تونس ما هو واقع في بلاد أخرى من تقاتل، وإذا كان اليوم لا أحد يتحدث عن اغتيالات ومجازر في تونس فليس ذلك بسبب قوة أجهزة الأمن، فهذه ما حفظت أمنًا، وإنما - كما اعترف بذلك المنصفون - راجع بعد فضل الله إلى المنهج السلمي الذي انتهجته والتزمت به الحركة الإسلامية وإلا فليس أسهل من العنف في بلد يؤمه أربعة ملايين سائح، والحقيقة أنه بينما تمارس أجهزة السلطة العنف على العشرات من دعاة الإسلام في المعتقلات وغياهب السجون فإنه لا أحد نسب للحركة الإسلامية حادثة قتل غير حادثة واحدة في تشابك بين بضعة شبان منسوبين إلى الحركة الإسلامية وحراس أحد مقرات المليشيا التابعة للحزب الحاكم أفضى إلى موت حارس -يرحمه الله- في ظروف لا تزال غامضة، وبرغم أن السلطة قامت بإعدام الشبان الثلاثة، وأن الحركة استنكرت الحادث حال حصوله، وأدانت فاعليه باعتباره تجاوزًا فرديًّا لم يتكرر مثله، فقد اتخذته السلطة مبررًا للإجهاز على الحركة الإسلامية بكاملها، بل على الإسلام ذاته بل على الحريات السياسية والإعلامية كلها في البلاد، وطال التنكيل حتى الجماعات العلمانية ذاتها التي أيد معظمها في البداية السلطة للخلاص من خصم مشترك واليوم تجمع السجون ممثلي مختلف ضحايا القمع ناهيك عن عشرات الصحف المعطلة حتى المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان طالها القمع.
مبادرة العفو الفردي غير مقبولة وهذه هي الحيثيات
نسلك نهج نبينا في الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذا ما حفظ تونس خالية من المجازر ونحترم الدستور لكننا نطالب بحقنا في التغيير السلمي
فما الحل؟
الحل ليس في يد المظلوم وإنما بأن تشتد مطالبة السلطة داخليًّا وخارجيًّا برفع الظلم عن الناس والأمر هين جدًّا في تونس بسبب خلو البلاد من حركة معارضة تتبنى نهج العنف إسلامية أو غير إسلامية، وما ذاك إلا بسبب منهج الاعتدال والوسطية الذي تربى عليه دعاة الإسلام، فما الذي يمنع السلطة من الاستجابة لنداءاتنا ونداءات كل العقلاء والمنظمات الإنسانية والحقوقية في العالم للإقدام على مصالحة وطنية شاملة من خلال إصدار عفو تشريعي عام يقتلع الأحكام الظالمة من جذورها لا مجرد عفو فردي خاص تبقى آثاره تلاحق الضحية، ثم إلغاء القوانين الظالمة المصادرة للحجاب الإسلامي والعمل المسجدي، ولتشكيل الجمعيات والأحزاب ولإصدار الصحف.
مصالحة يلتزم فيها الجميع بالامتناع عن اللجوء إلى العنف وتحترم فيها سلطة القانون ومؤسسات الدولة وحقوق الأفراد والجماعات وإلى أن تقتنع السلطة أن ذلك هو الواجب والمصلحة فليس أمام الأحرار غير التواصي بالثبات والصبر، ولهم في الأنبياء والرسل ودعاة الإسلام قديمًا وحديثًا سنة حسنة، ونحن ندعو من هذا المنبر الموقر السادة العلماء ودعاة الإسلام أن يبذلوا وسعهم لدى السلطة التونسية لتكف حربها على شعائر الإسلام ورموزه كالمساجد، والحجاب، والصلاة وتعليم القرآن.
علِي صدر الدين البيانوني المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية لـ «المجتمع»
السماح بالعودة الفردية للإخوان دعاية والعائدون يتعرضون للضغوط.
نقف إلى جانب وطننا في مواجهة أي تهديد صهيوني أو أمريكي أو تركي.
مطالبنا: إنهاء حالة الطوارئ والغاء القوانين الاستثنائية وإطلاق الحريات والإفراج عن المعتقلين والكف عن ملاحقة المواطنين.
«سورية المستقبل» مشروع إسلامي حضاري نطرحه قريبًا للتعبير عن آمال شعبنا وتطلعاته.
لا جديد في العلاقة مع الحكم في دمشق بعد تأزمها، والحالة بين النظام ومعارضيه لا تنطبق عليها صفة الخصومة، السياسية بل حولها النظام إلى حالة من العداوة فضلًا عن أنه لم يكن جادًّا في يوم من الأيام في الوصول إلى حل للمشكلة، وفي جميع المفاوضات كان يعرض فكرة التفاوض ثم ينسحب منها.
هذا ما يؤكده الشيخ علي صدر الدين البيانوني المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية في حواره مع «المجتمع» من الأردن، موضحًا أن المطلوب إنهاء حالة العداوة، هذه وكذلك إنهاء حالة الطوارئ، وإلغاء القوانين العرفية والاستثنائية، وإطلاق الحريات العامة، ومنها السياسية، والإفراج عن المعتقلين السياسيين.
وهذا هو نص الحوار:
● ما الجديد في العلاقة مع الحكم في دمشق؟
○ لا جديد في هذه العلاقة، بعد أن دخلت طورًا متأزمًا منذ أحداث عام ١٩٨٠م الدامية والانتفاضة الشعبية الكبرى التي عمت جميع المدن والمحافظات السورية، وراح ضحيتها عشرات الآلاف من الشهداء، والمعتقلين والمهجرين من جميع أبناء الشعب على مختلف انتماءاتهم واتجاهاتهم.
لا تزال العلاقة مع الحكم في دمشق سلبية، برغم المحاولات العديدة التي بذلت المعالجة الأزمة التي كانت الجماعة حريصة على التعامل معها بإيجابية، وبروح الشعور بالمسؤولية.
وبرغم التحولات الكبيرة التي طرأت في منطقتنا وفي العالم باتجاه الانفتاح على الشعوب وباتجاه التعددية والديمقراطية، وبرغم المتغيرات والمستجدات على الساحة السياسية العربية والدولية، التي تستدعي إعادة النظر في كثير من المواقف والعلاقات، وإعادة ترتيب الأولويات؛ لمواجهة الأخطار التي تحدق بناء برغم ذلك كله، فإن سورية ما زالت أسيرة النهج الأحادي. ومازالت النظرة الأمنية للعلاقة مع المعارضة السياسية وعلى رأسها المعارضة الإسلامية، تحول دون الخروج من الدائرة المغلقة، والانفتاح على بقية القوى الوطنية.
الدعوة والعداوة
● لماذا الخصومة بين الإخوان والنظام في سورية وكيف اندلعت شرارتها ومن يتحمل وزر استمرارها حتى الآن؟
○ تعتبر جماعتنا جماعة الإخوان المسلمين في سورية امتدادًا لدعوة الإمام الشهيد حسن البنا -يرحمه الله- التي تتسم بالوسطية والاعتدال، وتتبنى منهج الدعوة إلى الله U بالحكمة والموعظة الحسنة، والكلمة الطيبة، والحوار الهادئ، وتؤمن بمبدأ التدرج في الخطوات للوصول إلى أهدافها في إقامة المجتمع المسلم، على أسس الدين الإسلامي الحنيف ومبادئه، وأخلاقه، وقد تأسست جماعتنا في عام ١٩٤٥م، وكان لها دور إيجابي بارز ومشاركة فاعلة في جميع مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية في سورية في جميع العهود الديمقراطية.
والخصومة بين «الإخوان المسلمين»، وبين حزب البعث العربي الاشتراكي، قديمة وهي في أصلها جزء من الخلاف بين «الفكر الإسلامي»، «والفكر العلماني»، ولقد كان هذا الخلاف مستعرًا منذ أواخر الأربعينيات، وكان الإخوان، والبعث يشكلان فصيلين سياسيين على الساحة الوطنية، وكان لكل منهما رجاله، ومنابره، وصحفه، وأساليبه في العمل، وكانت الساحة السياسية تشهد العديد من الخلافات والتوترات بين الفريقين، إلا أن أجواء العمل السياسي الوطني الديمقراطي كانت تستوعب ذلك.
ومنذ أن استولى حزب البعث على السلطة في سورية بعد انقلاب الثامن من مارس سنة ١٩٦٣م، بدأ تنفيذ خطة استئصالية لاجتثاث كل ما هو إسلامي في المجتمع، واستخدم لذلك جميع مؤسسات الدولة وأجهزتها التعليمية والإعلامية والأمنية والمنظمات الحزبية والشبابية المتعددة، كما رافق ذلك حملة استفزازية ضد عقيدة الأمة، وإقصاء للإسلاميين والمتدينين عن مواقع التأثير في المجتمع، ومحاصرة شديدة للحركة الإسلامية.
ولما كان التيار الإسلامي في سورية تيارًا أصيلًا، يعبر بشكل تلقائي فطري عن ضمير هذه الأمة، مما يجعل تغيبه في أي ظرف من الظروف أمرًا مستحيلًا، فقد تحولت الجماعة، في ظروف الكبت والقهر إلى العمل السري، وتوسعت قاعدة انتشارها من خلال قيامها بواجب الدعوة إلى الإسلام وتصديها لموجات الفكر الإلحادي الذي بدأ انتشاره، وتعرضت الجماعة ومعها جميع فصائل الحركة الإسلامية خلال ذلك إلى حرب غير معلنة استخدمت فيها جميع وسائل القمع والقهر مما أدى إلى ظهور أشكال من التفجيرات العنيفة بين الحين والآخر، كانت تقابل من جهة السلطة بكثير من القسوة والعنف «أحداث حماه عام ١٩٦٤م. أحداث المسجد الأموي بدمشق عام ١٩٦٥ م، الاضطرابات التي وقعت في عام ١٩٦٦م بسبب الكفر البواح الذي أعلنه المرشح البعثي إبراهيم خلاص في مجلة جيش الشعب، أحداث الانتفاضة الشعبية الاحتجاجية على الدستور العلماني عام ١٩٧٣م».
وقد تم تنفيذ هذه السياسة وفق خطة أقرها المؤتمر القومي الثامن لحزب السلطة في عام ١٩٦٥م، وأكد عليها في المؤتمر القومي الثالث عشر في عام ۱۹۸۰م، حيث جاء في هذه المقررات: «إن الموقف إزاء الإخوان المسلمين لا يمكن أن يقتصر على الأسلوب الذي يتبع مع الحركات التقليدية بل لابد من أن تكون الخطة إزاءهم خطة استئصالية وأن تطبق بحقهم سياسة هجومية»، وقد نفذت هذه الخطة ضد الإخوان المسلمين خاصة، وضد المتدينين عامة الذين كانوا يوصفون جميعًا بأنهم قوى الثورة المضادة.
وردًّا على ذلك قام بعض الشباب المتحمس بعمليات فردية استهدفت بعض رموز النظام والمسؤولين في الأجهزة الأمنية ووقعت حادثة مدرسة المدفعية في مدينة حلب في شهر يونيو ١٩٧٩م، التي قتل فيها عدد كبير من الطلاب والضباط، وبرغم أن الجماعة لم تكن لها علاقة بردود الأفعال هذه، وأنها أصدرت بيانًا نفت فيه أي علاقة لها أو مسؤولية عن حادثة مدرسة المدفعية، وقد نشر هذا البيان في مجلة المجتمع في حينه، كما استنكرت هذه العملية التنظيمات الإخوانية في الأقطار الأخرى وبرغم أن الأجهزة الأمنية كانت تعرف الجهة التي نفذت هذه العملية، فقد أصر النظام على اتهام الجماعة بها، وبدأت فعلًا حملة واسعة من الملاحقات والاعتقالات والإعدامات والتصفيات شملت قواعد الإخوان وقياداتهم وأعدادًا كبيرة من المواطنين المتعاطفين معهم.
ووجدت الجماعة نفسها وجهًا لوجه في حالة مواجهة خلافًا لمنهجها وخطتها، بعد أن سد النظام في وجهها وفي وجه المواطنين كل الخيارات الأخرى فكانت الانتفاضة الشعبية الكبرى في شهر مارس ۱۹۸۰م، والأحداث الدامية التي بلغت ذروتها في شهر فبراير ۱۹۸۲م.
وعندما لاحت في الأفق بعد ذلك بوادر حل سلمي عن طريق الحوار، سارعت الجماعة إلى الموافقة عليه، وأبدت استعدادها للدخول في مفاوضات للخروج من الأزمة، وتجنيب البلاد مخاطر الصراع الداخلي، منطلقة في ذلك من رؤية شرعية تجعل مصلحة الوطن ووحدة أبنائه فوق كل اعتبار، لكن موقف النظام فوت جميع الفرص التي لاحت في الأفق، وأوصل جميع جولات التفاوض إلى طريق مسدود، مما أدى إلى استمرار المشكلة حتى الآن. ويتضح مما تقدم أن الحالة بين النظام السوري ومعارضيه، لا تنطبق عليها صفة الخصومة السياسية، بعد أن حولها النظام إلى حالة عداوة ومن الواضح أيضًا أن المشكلة ليست بين الجماعة ونظام الحكم، إنما هي مشكلة جميع الفصائل السياسية المعارضة وجماهير المواطنين كافة، وهي تتعلق قبل كل شيء بأسلوب الحكم، كما يتضح أيضًا أن النظام هو الذي أوقد نار الحرب ضد الحركة الإسلامية وهو مسؤول عن استمرارها بعدم استجابته لجميع المبادرات والوساطات التي حاول أصحابها معالجة المشكلة عن طريق الحوار.
إلغاء وتحقيق
● ما مطالبكم من أجل إنهاء هذه الحالة من العداء؟ وهل يضع النظام في مقابلها شروطًا معينة؟ وما موقفكم من هذه الشروط؟
○ المطلوب ليس إنهاء حالة الخصومة، إنما المطلوب إنهاء حالة العداء، والعودة إلى حالة الخصومة، السياسية وهذ يقتضي إزالة جميع الأسباب التي حولت الخصومة السياسي إلى عداوة، وبالتالي لابد من إنهاء حالة الطواري المفروضة على البلاد منذ أكثر من خمسة وثلاثين عامًا وإلغاء القوانين العرفية والاستثنائية بما في ذلك القانون رقم ٤٩٠ لعام ۱۹۸۰م الذي يحكم بالإعدام على مجرد الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، ولابد من إطلاق الحريات العامة بما فيها الحريات السياسية والإفراج عن المعتقلين السياسيين، والكف عن ملاحقًا المواطنين واعتقالهم خارج إطار القانون والقضاء، وهذا يقتضي اعتماد الديمقراطية والتعددية السياسية أسلوبًا للحكم، وتحقيق المساواة بين المواطنين وإلغاء جميع أشكال التمييز، ووقف الإجراءات التعسفية والتعويض على المتضررين منها، وإعادة الحقوق والممتلكات المصادرة إلى أصحابها، ولابد من التأكيد على احترام عقيدة الأمة، وقيم الإسلام وشعائره والسماح بحرية العمل للإسلام، والدعوة إليه.
وقد سبق للجماعة أن أكدت على هذه المطالب في جولات التفاوض التي تمت مع ممثلي النظام في أعوام (۱۹۸۰م -١٩٨٤م -١٩٨٧م) إلا أنه لم يكن لدى النظام استعداد لتحقيق هذه المطالب، ولم تصل تلك المفاوضات إلى أي نتيجة.
اتصالات دون نتيجة
● إذن فلم تكن هناك نتيجة من الاتصالات والمبادرات التي جرت منذ عام ۱۹۸۰م وحتى الآن؟
○ نعم هذه الاتصالات لم تسفر عن أي نتيجة، لأن الجهة الأمنية المفوضة بالحوار من قِبل النظام، لم تكن جادة في التعامل مع المشكلة، ولم تكن قادرة على التخلي عن النظرة الأمنية في التعامل معها، وبالتالي لم تكن تنظر إلى أبعادها الحقيقية، والأسباب التي أدت إليها.
ففي عام ١٩٨٠م وبعد أن أبدت الجماعة استعدادها للحوار بواسطة الأستاذ «أمين يكن» الذي أرسله الرئيس حافظ الأسد، وظهرت بوادر انفراج في الأزمة عندما تم الإفراج عن عدة مئات من المعتقلين، إلا أن السلطة عادت من جديد إلى أسلوب القمع والبطش الجماعي، ومحاصرة المدن، وشنت حملة واسعة من الاعتقالات شملت حتى الذين تم الإفراج عنهم، فتوقف الحوار.
وفي عام ١٩٨٤م أنهى وفد السلطة جولة المفاوضات بعد أن استمع إلى وجهة نظر الجماعة، ومطالبها، وكذلك الأمر في عام ۱۹۸۷م إذ بعدما استمع وفد السلطة إلى وجهة نظر الجماعة ومطالبها، وأبدى – في الظاهر – تفهمًا واستعدادًا للاستجابة إليها، انسحب الوفد من المفاوضات، دون أن تكون هناك أسباب واضحة لهذا الانسحاب، هذا مع الإشارة إلى أنه في جميع هذه المفاوضات، كان النظام هو الذي يعرض فكرة التفاوض ثم ينسحب منها دونما سبب واضح، الأمر الذي يدعو إلى الاعتقاد بأنه كان يرمي من وراء هذه المناورات إلى إثارة الخلاف داخل صف الجماعة، وإيهام الرأي العام العربي والدولي بانتهاء مشكلة المعارضة.
كل ذلك يؤكد إصرار النظام على نهجه الأمني في التعامل مع القضية، وعدم استعداده للتعامل معها على أنها أزمة سياسية وطنية، ويبدو أن بعض مراكز القوى في السلطة لا ترغب في الوصول إلى حل لهذه المشكلة.
● لكن ماذا عن الوساطات التي تمت خلال العامين الماضيين، وإلام انتهت؟
○ في شهر ديسمبر من عام ١٩٩٥م، نزل فضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله، إلى سورية، بموافقة الجماعة بناء على دعوة رسمية لمقابلة الرئيس، والتباحث معه حول معالجة الأزمة القائمة، إلا أنه برغم مكوثه قرابة سنة داخل سورية توفي – رحمه الله – دون أن يتمكن من مقابلة رئيس الجمهورية.
وفي شهر يناير ۱۹۹۷م قام الأستاذ (أمين يكن) بمبادرة شخصية بموافقة المسؤولين في سورية – محاولًا تقريب وجهات النظر وإيجاد الفراج في العلاقة بين الجماعة والحكومة، وبرغم ترحيب الجماعة بهذه المبادرة، وإبداء استعدادها للتعاون من أجل إنجاحها، إلا أن النظام قابل هذا الموقف الإيجابي بالصمت.
وكذلك كان مصير جميع محاولات التوسط التي قامت بها أطراف عديدة مثل: الجماعة الإسلامية في لبنان، وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وحزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن، وغيرهم.
● قبل عدة أعوام أصدرت الحكومة السورية عفوًا عامًا؟ ما مدى استفادة «الإخوان» منه؟
○ هذا العفو الذي صدر بالقانون رقم ۱۸۰، بتاريخ 20/١٢/١٩٩٥م شمل جرائم السرقة والاحتيال والدعارة وجميع الجرائم الشائنة، والمخلة بالشرف والأمانة، لكنه لم يشمل الجرائم السياسية ولا جريمة الانتساب إلى جماعة الإخوان المسلمين، التي يحكم على مرتكبها بالإعدام برغم أن أجهزة النظام الإعلامية، ومداولات مجلس الشعب حول قانون العفو المذكور، أوهمت بأن هذا القانون صدر للعفو عن السجناء السياسيين عامة، وسجناء الإخوان المسلمين خاصة.
● جرت بعض الإفراجات مؤخرًا عن بعض معتقلي الإخوان كيف تقومون هذه الخطوة فضلًا عن اشتراط النظام -لعودة إخوان الخارج أن يعودوا فرادى في ظل قيود أمنية مشددة؟
○ تم الإفراج عن نحو٢٢٥٠، سجينًا سياسيًّا في شهر مايو الماضي، من بينهم عدد من الشيوعيين على رأسهم رياض الترك، وكذلك عدد من المهتمين بحقوق الإنسان، وعدد آخر من معتقلي الإخوان، وقد تمت هذه الإفراجات مقدمة لزيارة الرئيس حافظ الأسد إلى فرنسا، بعد أن تناولت الصحافة الفرنسية موضوع المعتقلين السياسيين في السجون السورية، وانتهاكات حقوق الإنسان في سورية.
وبرغم أن الإفراجات الأخيرة جاءت محدودة جدًّا بالقياس إلى الآلاف من المعتقلين السياسيين في السجون، وبرغم أن التغيير المطلوب في سياسة النظام لا يتم بمجرد إطلاق سراح عدد صغير أو كبير من السجناء، فقد رحبت الجماعة بهذه الخطوة، كما رحبت بالإفراجات السابقة، واعتبرتها خطوة في الاتجاه الصحيح، على أمل أن تكون بداية تحول في السياسة السورية.
والجدير بالذكر أن هؤلاء الذين أفرج عنهم مؤخرًا وكذلك الذين أفرج عنهم في السنوات الماضية، هم ممن تم توقيفهم في الأصل بدون محاكمة، أو معن أنهوا مدة الأحكام الجائرة التي حكموا بها ومازالوا محتجزين منذ فترة طويلة، وكثير منهم كانوا معتقلين كرهائن عن ذويهم المطلوبين، وبعضهم لم يكن يتجاوز الخامسة عشرة من عمره عند اعتقاله.
ومما يذكر أيضًا أن معظم الذين يفرج عنهم يعانون من أمراض مزمنة مستعصية، أو مصابون بعاهات مستديمة وللاطلاع على أوضاع السجون والمعتقلات السياسية السورية، يرجى الرجوع إلى تقارير لجان ومنظمات حقوق الإنسان مثل: منظمة العفو الدولية، ومنظمة مراقبة حقوق الشرق الأوسط، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، واللجنة السورية لحقوق الإنسان، وكذلك يرجى الرجوع إلى كتب ومذكرات بعض من خرجوا من هذه السجون، علمًا بأن حالات الاعتقال والتعذيب والقتل، لا تقتصر على المواطنين السوريين وحدهم، بل تتعداهم لتشمل الآلاف من المعتقلين السياسيين الأردنيين والفلسطينيين واللبنانيين، وغيرهم.
أما موضوع العودة الفردية للإخوان، فهي مجرد دعاية إعلامية، غير موجودة في الواقع، فهؤلاء الذين يسمح لهم بالعودة الفردية عبر القنوات الأمنية بصفتهم مجرمين تائبين على قلة عددهم يتعرضون للابتزاز الأمني، والضغط والتحقيق، وبعضهم تم اعتقاله عند عودته، وبعضهم لايزال معتقلًا حتى الآن، يضاف إلى ذلك أن القانون رقم ٤٩٠ لعام ۱۹۸۰م الذي يحكم بالإعدام على مجرد الانتساب إلى الجماعة يبقى سيفًا مصلتًا على رقاب هؤلاء العائدين.
أولويات وشروط
● ما برنامجكم حاليًا للعمل وما أولوياته؟
○ برنامجنا الحالي للعمل ينطلق أولًا من كوننا جماعة إسلامية، تعمل على إيجاد الفرد المسلم، والبيت المسلم، والمجتمع المسلم، وتتبنى الدعوة إلى الله على بصيرة، بالحكمة والموعظة الحسنة، كما ينطلق من رؤيتنا الشاملة لأوضاع بلدنا. ومعاناة شعبنا، والظروف العربية والدولية التي تمر بها أمتنا والأخطار الجسيمة التي تتهددها، لذلك فإننا بالنسبة للجانب الدعوي والتنظيمي، نؤكد على الاهتمام بالصف الداخلي للجماعة لتقويته، والنهوض به وعلى بناء الشخصية الإسلامية المتوازنة من خلال العمل التربوي، وعلى إحياء العمل الدعوي في المجتمع، وتطوير إمكانات الجماعة، وأساليب عملها، في جميع المجالات التنظيمية والتربوية والدعوية والسياسية والإعلامية معطين الأولوية لقضيتنا السورية، وفي مجال هذه القضية نعتمد على العمل السياسي والإعلامي، والتعريف بقضيتنا بالوسائل المتاحة والمشروعة، وسوف نطرح مشروعنا الإسلامي الحضاري لـ سورية المستقبل، الذي نأمل من خلاله تحقيق آمال شعبنا، وتطلعاته.
ومن الجدير بالذكر، أنه برغم كل ما حدث فإننا عندما يتهدد الوطن أي خطر خارجي ننحاز مباشرة إلى صف الوطن ونقف إلى جانب شعبنا ووطننا، في مواجهة أي تهديد صهيوني، أو أمريكي، أو تركي وقد أعلنا ذلك في أكثر من مناسبة، وشاركنا في الدفاع عن الوطن في جميع المعارك وتألمنا أشد الألم للتفريط بهضبة الجولان في عام ١٩٦٧م. وبرغم أن قياداتنا في ذلك الوقت كانت في السجون، ذلك أننا ننطلق من مبادئنا الإسلامية، وموازيننا الشرعية التي نزن بها مواقفنا، ونعتبر أنفسنا الأم الحقيقية للوطن، وأن خوفنا عليه ودفاعنا عنه، ينبع من حرصنا عليه أولًا، ومن يقيننا بأن الخسارة والهزيمة عندما تقع –لا سمح الله– لا تصيب الفرد أو النظام، فالأفراد والأنظمة زائلون، إنما تصيب الأمم والشعوب.