العنوان شق المنظمة واقتطاع القطاع
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1986
مشاهدات 59
نشر في العدد 765
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 29-أبريل-1986
منذ أعلن الملك
حسين في بيانه المطول عبر التلفزيون الأردني إيقاف التنسيق السياسي مع منظمة
التحرير الفلسطينية في التاسع عشر من شهر شباط «فبراير» الماضي، بدأت مرحلة جديدة
من العلاقات الأردنية الفلسطينية، أو فلنقُل أزمة جديدة تمر بها منظمة التحرير.
فقد حمل الملك
في خطابه قيادة المنظمة مسؤولية تعطيل عملية السلام لأنها لم تعترف بالقرار 242،
واتهمها بعدم المصداقية وأعلن تمسكه بالقضية الفلسطينية ودعا الفلسطينيين إلى
البحث في أمر اختيار من يمثلهم، وشدد على ضرورة إنقاذ الأهل في الأرض المحتلة.
وكان معنى ذلك
أن هناك ضغوطًا أمريكية إسرائيلية في تجاه حل ما يُجرى تنفيذه. وتحرك اليهود في
الأرض المحتلة لتطبيق ما يسمى بالحكم الذاتي فعينوا ظافر المصري رئيسًا لبلدية
نابلس، وتوافد عدد من الفلسطينيين على القصر الملكي في الأردن لتأييد الملك، ولكن
المصري لم يأت إلى عمان وأعلن بعد تعيينه تمسكه بمنظمة التحرير وقيادتها وشرعية
تمثيلها للفلسطينيين، واغتيل ظافر المصري وأعلنت الجبهة الشعبية مسؤوليتها عن
اغتياله، وقامت مظاهرة ضخمة أثناء تشييع جنازته تعلن تأييدها لمنظمة التحرير.
ثم تواترت
الأنباء عن حدوث انشقاق جديد في منظمة التحرير على الساحة الأردنية بقيادة عطا
الله عطا الله «أبو الزعيم» الذي سبق له أن أدلى بتصريحات علنية وخاصة ينتقد فيها
سياسة المنظمة ويعلن موافقته على القرار 242.
يقول «أبو إياد»
في لقائه الأخير مع الكتاب والصحفيين الفلسطينيين بمقر منظمة التحرير الفلسطينية
بالكويت تعليقًا على أخبار الانشقاق الجديد: «ليس هناك أبو الزعيم، هناك قرار
أردني سيظهر في الأيام القادمة». ووصف نعيم الخطيب -وهو الرجل الثاني في حركة
الانشقاق الجديدة- بأنه عميل مخابرات معروف، ثم قال: هناك حديث نبوي يقول: «قد
تساقون إلى الجنة بالسلاسل». وأعلن أن اتفاق عمان قد انتهى منذ أكثر من شهرين وأنه
لم يعد قائمًا، وأن هذا الانقلاب التلفزيوني إنما قام به عدد من الساقطين، وأن
هؤلاء الضباط الذين كانوا عاجزين عن القيام بانقلاب ضد النظام في الأردن حاولوا أن
يقوموا به داخل منظمة التحرير.
وشن هجومًا
شديدًا على ما أسماه «بعقلية التجييش» التي لا يمكن أن تصنع ثورة، فحين دخل عدد من
الضباط إلى حركة «فتح» كانوا يطلبون من العناصر الفدائية أن تؤدي لهم التحية، وهنا
تساءل الفدائي الذي لم يكن يعرف الرتب العسكرية وإنما كان يعرف أنه ذاهب إلى
الموت، تساءل هذا الفدائي عن رتبته العسكرية فاضطررنا لمنحهم الرتب وبدأ السقوط.
ويبدو أن حركة
«أبو الزعيم» لم تكن بالزخم الذي يعطيها الأهلية لتكون بديلًا عن قيادة المنظمة،
وتراجع الذين كانوا يرشحون أنفسهم لرئاسة البلديات في الضفة الغربية. ومن
المفارقات أن تكون الأسباب المعلنة لانشقاق «أبو موسى» في دمشق هي قبول قيادة
المنظمة للقرار 242 والسير في مضمار الحلول الأمريكية، بينما تكون الأسباب المعلنة
لانشقاق «أبو الزعيم» في عمان هي رفض المنظمة للقرار 242 وبالتالي تعطيل المشروع
الأمريكي لما يسمى بالحل السلمي.
وليس معنى ذلك
أن عمان تقبل ودمشق لا تقبل فكلهم قابل. وليس معنى ذلك أن هذا المنشق وطني وذاك
خائن فكلاهما لا يملك من أمره شيئًا، وإنما التقت طموحاته الشخصية مع توجهات
النظام الذي يعيش في كنفه فسالت دماء الفلسطينيين في لبنان سدادًا لفاتورة هذا
الانشقاق، ويعلم الله ماذا سيجري في الأردن سدادًا لفاتورة الانشقاق الجديد.
ونجمل فيما يلي
الخطوط العريضة لمشروع «المعراخ» حول التسوية السلمية للقضية الفلسطينية:
1- يجب أن يشكل
نهر الأردن الحد الأمني لإسرائيل من دون أن يكون حدًّا سياسيًّا. ويتطلب هذا الأمر
تجريد الضفة من السلاح وإجراء تعديلات ذات طابع أمني على الحدود مع الأردن. وفي
حال تحقيق السلام، ستبقى الحدود مفتوحة مع إتاحة حرية التنقل للأشخاص والبضائع،
وقيام علاقات دبلوماسية متبادلة.
2 - هناك ضرورة
لحل المشكلة الفلسطينية، إلا أن هذه المشكلة ليست لب الصراع، والحل الملائم لها
يكون من خلال ربطها بالأردن، حيث يقيم الحشد الأكبر من الفلسطينيين، حيث يستطيع
هؤلاء أن يعبروا عن هويتهم الذاتية من خلال دولة أردنية فلسطينية تقع شرقي النهر
«لاحظ هنا التشابه مع مشروع ريغان»، إذ ليس هناك مكان لإقامة دولة ثالثة
«فلسطينية» بين النهر والبحر.
3- التمييز بين
ضرورة حل المشكلة الفلسطينية وبين التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية، فالحل يجب
أن يتم من خلال الأردن فقط، وفي الإمكان إشراك ممثلين عن فلسطينيي الضفة الغربية
في المفاوضات مع الأردن على أن يكونوا ضمن الوفد الأردني أو ملحقين به.
4- أهمية وجود
شريط حدودي عازل على نهر الأردن -تشكله مستوطنات الغور- وحيوية السيطرة على
المرتفعات المحيطة به، في توفير حدود آمنة قابلة للدفاع.
5- يوفر الحل
الإقليمي الوسط «من خلال إعطاء الأردن دوره في الضفة» حاجزًا أمام الخطر السكاني،
وهذا الأمر يلغي أي إمكانية لتحول إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية.
وبعد اجتماعات
واتصالات ومشاورات بين العدو الصهيوني والولايات المتحدة والأردن، نشرت صحف العدو
بعض التفاصيل عن الخطة الإسرائيلية لمشروع الحكم الذاتي كما يلي:
1- حق المواطنين
الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة بالاشتراك في انتخابات البرلمان الأردني،
وحق المستوطنين في الاشتراك بانتخابات الكنيست.
2- وقف بناء
مستوطنات جديدة أو توسيع المستوطنات القائمة حاليًا.
3- يؤيد الأردن
وإسرائيل عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط يشترك فيه الاتحاد السوفيتي،
شريطة أن يعيد علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل. كما أن إسرائيل توافق على اشتراك
سوريا في مفاوضات سلام إلا أنها ترفض اشتراك منظمة التحرير الفلسطينية.
4- تظل مسألة
القدس ووضعها المستقبلي مفتوحًا، وتقبل إسرائيل مبدأ وجود رسمي أردني في المسجد
الأقصى ورفع العلم الأردني عليه.
5- إدارة
الأراضي الأميرية -الحكومية- بصورة مشتركة مع حق كل طرف في استخدام حق الفيتو في
حال وقوع خلاف.
6- تستمر
الإدارة المشتركة لمدة خمس سنوات حسب الاقتراح الإسرائيلي وثلاث سنوات حسب
الاقتراح الأردني.
وحين رفض السكان
في الضفة الغربية هذا المشروع، أعلن الصهاينة عن نيتهم لتطبيق الحكم الذاتي في
قطاع غزة إمعانًا في تجزئة القضية والشعب، واعتقادًا بأن القطاع بتركيبته السكانية
ووضعه الجغرافي المعزول وسكانه الأكثر اضطهادًا يمكن أن يكون تجربة تمهيدية يمكن
تعميمها لو نجحت على بقية المناطق المحتلة.
يقول تقرير
لصحيفة نيويورك تايمز:
تُعد غزة
الكابوس السكاني الحقيقي لإسرائيل، إنها إحدى أكثر مناطق العالم كثافة بالسكان،
حيث يصل المعدل فيها إلى 3650 شخصًا لكل ميل مربع حسب إحصاء وكالة غوث وتشغيل
اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة. وبجانب هذا فإن عائلات مكونة من 12
إلى 16 شخصًا تعيش في أكواخ صغيرة للغاية. واستنادًا إلى التقديرات الإسرائيلية
فإن عدد سكان غزة يتوقع أن يرتفع من قرابة 600 ألف نسمة إلى قرابة المليون نسمة في
عام 2000.
وعلى عكس الضفة
الغربية التي كانت تحت الحكم الأردني سابقًا، لا يوجد لغزة ملك أو حاكم يطالب
ويضغط لعودتها لحكمه. وبالنسبة للمصريين الذين حكموا غزة في الفترة بين 1948 و1967،
فإن آخر شيء يفكرون به هو استعادتها.
وبالنسبة لسكان
قطاع غزة الذين يحاولون الهرب من الفقر في قطاعهم الصحراوي الذي يبلغ طوله 47
كيلومتر وعرضه 8 كيلومترات، فإن السفر ليس سهلًا، فهم على عكس فلسطينيي الضفة
الغربية الذين يحملون جوازات سفر أردنية، لا يحملون سوى وثائق السفر التي أصدرتها
لهم مصر دون التمتع بالجنسية. وعن تلك الوثائق قال بيتر هاوكنز مدير وكالة الغوث
في القطاع: «لنكن صادقين، كمْ دولة ترغب في إدخال شخص يحمل تلك الوثيقة!» ولتأكيد
هذا الكلام، فإن السفارة الأمريكية في تل أبيب نادرًا ما تمنح تأشيرة دخول
للولايات المتحدة لأحد سكان قطاع غزة.
وقالت وكالة
كونا نقلًا عن صحيفة التايمز اللندنية:
إن الولايات
المتحدة أجازت خطة لرئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز لإقامة إدارة إسرائيلية
مصرية مشتركة لقطاع غزة المحتل. إن بيريز ناقش الفكرة مع وزير الخارجية الأمريكي
جورج شولتز عند زيارته الأخيرة لواشنطن.
ونسبت إلى بيريز
قوله إن إدارة ريغان رحبت بالفكرة وأبدت استعدادها لدعمها وحمل مصر على الموافقة
عليها، وقالت إن الجهود الأمريكية لدعم الفكرة يبدو أنها وراء الجولة التي قيل إن
شولتز سيقوم بها في وقت لاحق للمنطقة.
وأشارت إلى أن
بوش ومساعد وزير الخارجية ريتشارد ميرفي قد أبلغا قادة الدول العربية التي زاراها
في الفترة الأخيرة بالفكرة. واعتبرت الصحيفة خطة بيريز أنها خطوة لإعطاء حكم ذاتي
لشؤون القطاع الذي يضم أكثر من 700 ألف مواطن فلسطيني.
وطبقًا لما
أوردته الصحيفة عن خطة بيريز، فإن جميع المسائل الأمنية ستكون بيد السلطات
الإسرائيلية والمصرية، فيما تفادَى البيان ذكر من سيكون صاحب السيادة على القطاع.
ونسبت صحيفة
التايمز في تقريرها من تل أبيب إلى مسؤول وصفته بأنه كبير قوله: إن مبادرة بيريز
حول قطاع غزة المحتل جزء من تفاهم شامل بين شولتز وبيريز لدفع جهود التسوية في
المنطقة في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية بقيادة بيريز.
ودعمت الصحيفة
ما ذهبت إليه في تقريرها بهذا الخصوص بكلمة بيريز في المؤتمر السنوي لحزب العمال
الإسرائيلي الأخير، والتي ادعت أنه طالب فيها باستثناء غزة من المناطق التي تعتزم
إسرائيل عدم التخلي عن احتلالها في حالة التوصل إلى تسوية في المنطقة.
وقد رفض حنا
سنيورة وهو شخصية فلسطينية بارزة، وناطق بارز باسم المنظمة في الضفة الغربية، خيار
«غزة أولًا» وقال إنه «سيلاقي المصير الذي لاقاه اقتراح الحكم الذاتي الذي تصر
عليه اتفاقات كامب ديفيد».
وقال سنيورة إن
الفلسطينيين مجمعون على المطالبة بحق تقرير المصير، ولن يقبلوا بأية أفكار خاصة
بالحكم الذاتي. وأكد سنيورة بأنه لا فرق أبدًا بين الشعب الفلسطيني في الضفة أو في
غزة. وقال إن الأردن حاول وفشل في إيجاد حل لا تشارك فيه منظمة التحرير
الفلسطينية، ومصر ستفشل كذلك إذا دخلت المفاوضات حول غزة.
وبعد..
في غياب التصور
الواضح والمنهج الواضح، في غياب وحدة العرب على منهج الرب، ستظل المبادرة في يد
العدو، يقتطع من أرض العرب ما يشاء ويفرض الحلول التي يريد، وأما نحن، ففي التيه
سائرون وعلى فتات ما يقدم لنا مقبلون، يعصرنا الألم وتطحننا المذلة ولا نجاة لنا
إلا بالإسلام عقيدةً وتطبيقًا، نظام حكم ومنهج حياة، حركة تحرير وطني واجتماعي
واقتصادي «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون».